حكايات اسما 1

بنتي اللي عندها ٨ سنين كانت فرحانة جدًا وهي بتدي حماتي أول شهادة ليها في مسابقة الإملاء وبتقولها:

“يا تيتة، أنا كنت عايزاكي تشوفيها قبل أي حد تاني.”

حماتي بصتلها بابتسامة مغلوله وقالت: ابعدي يابت داهيه تاخدك وتاخد اللي جابتك..

وبعدين قطّعت الشهادة قدام الكل ورمتها في الزبالة…

وساعتها بنتي الكبيرة قامت ببطء وقالت جملة قطعت قلوب العيله كلها الا قلب الجاحده ستها..حكـايات أسمـا السيـد

ساعتها، الصمت نزل على السفرة بشكل يخوف…لدرجة إني كنت سامعة صوت الساعة القديمة اللي معلقة فوق التلاجة وهي بتعدي كل ثانية كأنها خبط خفيف على إزاز.

من أقل من دقيقة، كان كل حاجة شكلها مثالي…

غدا عيلة عادي … صينية لحمة في النص، التليفزيون شغال على ماتش كورة في الصالة، وقرايب جوزي قاعدين بيضحكوا وبيوزعوا جاتوه جايبينه من بره… ليلة عادية جدًا في بيتنا.

بس كل ده اتغير…أول ما بنتي قالت الجملة دي.

كانت لسه واقفة جنب كرسي حماتي…

إيديها فاضية فجأة… وصوابعها متعلقة في الهوا كأنها لسه ماسكة الشهادة…في الزبالة اللي تحت الحوض…

وش بنتي احمر بشكل واضح… الاحمرار اللي أنا عارفاه كويس…

اللي بيحصل لما تكون بتحاول تمسك دموعها بالعافية لدرجة بتوجع.

كانت طول الطريق من شقتنا الصغيرة لحد البيت ده…

ماسكه الورقة في حضنها كأنها كنز…وتعيد الجملة في دماغها:

“أنا عايزاكي تشوفيها قبل أي حد تاني.”

وكل ده… عشان اللحظة دي… بنتي دموعها نزلت وقالتلها… منك لله انا بكرهك.. وقبل ما بنتي تكمل الجمله حماتي كانت رفعت ايدها تضربها بالقلم بس قبل ما تتمادي الصدمه خدتنا كلنا لما جدها قام وووو…

 

 

قبل ما كف حماتي يلمس وش بنتي، كانت إيد جدها – حمايا اللي طول عمره ساكت – مسكت معصمها بقوة خلت الكل يتسمر في مكانه. صوته طلع هادي بس فيه رنة غضب عمري ما سمعتها منه قبل كدة:

“كفاية لحد هنا يا سعاد.. اللي انكسر النهاردة مش ورق، ده خاطر طفلة جاية ترمي نفسها في حضنك.”

حماتي سحبت إيدها بعنف، وعينيها كانت بتطلع شرار، وبصت لحمايا باحتقار وقالت:

“بقى إنت بتمد إيدك عليا عشان حتة عيلة بتقول لستها منك لله؟ ما شفتش أمها اللي واقفة زي الصنم دي وهي بتعلمها قلة الأدب؟”

بنتي الكبيرة، اللي كانت واقفة بعيد، قربت ببطء وصوتها كان طالع بجمود مريب.. قالت الجملة اللي هزت كيان البيت كله:

**”يا جدي، ما تزعلش منها.. تيتة مش بتكره الورقة، تيتة بتكره إننا بنعرف نقرأ ونكتب وننجح في حاجات هي عمرها ما عرفت تعملها.. هي بتوجعنا عشان هي وجعها قديم.”**

الكلمة نزلت على حماتي كأنها مية نار. وشها بقى أصفر، والضحك اللي كان مالي الصالة بين القرايب اتحول لوشوشات مسمومة. حمايا ساب إيدها وبص للأرض، كأنه كان مخبي السر ده سنين وبنتي كشفته في لحظة وجع.

حماتي صرخت وهي بتشاور على الباب:

“اطلعوا بره! مش عايزة أشوف حد فيكم في بيتي! خدي بناتك يا ست الهانم وامشي، والبيت ده ما تتبتبيش فيه رجلكم طول ما أنا عايشة!”

جوزي، اللي كان واقف مذهول من صدمته في أمه، بص لبنته الصغيرة اللي كانت بتترعش ودموعها مغرقة وشها، وبعدين بص لأمه بنظرة أول مرة أشوفها في عينه.. نظرة واحد بيفوق من غيبوبة. قرب من بنته، شالها من الأرض وضمها لصدره بقوة، وبإيده التانية مسك إيد بنته الكبيرة وقالي:

“يلا بينا.. اللي يرمي نعمة ربنا في الزبالة، ملوش مكان في حياتنا.”

خرجنا من البيت، وصوت صريخ حماتي ورانا وهي بتكسر في أطباق الجاتوه وصينية اللحمة كان مالي السلم. ركبنا العربية والصمت كان سيد الموقف، لحد ما بنتي الصغيرة سألت بصوت مبحوح:

“هو أنا شاطرة فعلاً يا بابا؟ ولا الشهادة كانت وحشة عشان كدة تيتة رمتها؟”

جوزي وقف العربية فجأة على جنب الطريق، وبص لها وعيونه مدمعة وقال:

“إنتي أحسن حاجة حصلت في حياتي يا حبيبتي.. والشهادة دي هنطلع بدلها عشرة، وهنعلقهم في أحسن مكان في بيتنا.. بس قبل أي حاجة، إحنا لازم نروح مشوار مهم دلوقتي.”

بصيت له باستغراب، مكنتش عارفة هو ناوي على إيه، ولا إيه اللي هيحصل لما نوصل للمكان اللي هو قصده.. بس كنت عارفة إن الليلة دي كانت مجرد البداية لحسابات قديمة قوي كانت مقفولة بالضبة والمفتاح.

 

جوزي دور العربية وطلع بينا على “محل براويز” قديم في وسط البلد، كان لسه فاتح رغم الوقت المتأخر. نزلنا كلنا، وهو ماسك إيد بنتي الصغيرة بقوة كأنه بيطمنها إن العالم لسه بخير. دخل المحل وطلع من جيبه “نسخة” كان مصورها بالموبايل للشهادة قبل ما نروح بيت أمه، وقال للراجل:

“عايز أكبر برواز عندك.. عايزها تبان كأنها أهم وثيقة في التاريخ.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
22