تاني يوم اتصل صالح بعبد الظاهر وطلب يقابله، وعبد الظاهر وافق من غير يتردد، رغم إنه كان حاسس في قرارة نفسه بموضوع المكالمة.
وقت العصر وصل عبد الظاهر لبيت صالح، استقبله صالح بترحاب:
ـ والله زمان يا عبد الظاهر.
ابتسم عبد الظاهر وقال بهدوء:
ـ الدنيا مشاغل يا صالح، بس اللى في القلب لسه في القلب.
قعدوا سوا شوية، وبعدها صالح قال:
ـ أنت عارف يا عبد الظاهر، أنا بعتبرك أخ، واللى بينا مش قليل… عشان كده عايز أسألك سؤال وترد عليا بصراحة.
ابتسم عبد الظاهر وقال قبل ما يكمل صالح كلامه:
ـ من غير ما تسأل، أنا عارف هتسألني في إيه… بس خلينى أجاوبك من دلوقتي.
تنهد وقال وهو بيبص في الأرض:
ـ آه يا صالح… قلبي ميّال للست سميحة. جوايا مشاعر ليها حاولت أدفـ,ـنها من زمان، بس أول ما سمعت إنها اتطلقت… المشاعر دى رجعت تانى رجعت زى زمان ويمكن أكتر
رفع عينه وبص لصالح وقال بصدق:
ـ والله يا صالح، عمري ما كانت في نيتى حاجه وحشه، ولا عمري بصيت لها بنظرة عيب، بس المشاعر اللى جوايا مش بإيدي… غصب عنى.
سكت صالح لحظه، وفضل يفكر… هو من زمان حاسس بده، ودايمًا كان بيتمنى إن يكون عبد الظاهر نصيب أخته، بس النصيب كان ليه رأي تاني.
ـ ولامتى يا عبد الظاهر هتفضل كده؟
ـ مش عارف يا صالح، صدقنى مش عارف. جوايا حاجه بتحركني من غير ما أشعر… وأنا لسه عند كلمتي عايز أتجوز أختك يا صالح.
صالح قال بابتسامة خفيفة فيها شجن:
ـ والله يا عبد الظاهر، أنا أتمنى اليوم ده. بس ولادها… دول رجالة دلوقتي.
ـ كل واحد منهم هيتجوز ويتلهي في حياته، ليه مايسبوهاش تعيش اللى ماعاشتوش زمان؟
سكت لحظة وبص له بثبات:
ـ قولى يا صالح… إنت عجبك وضع أختك كده؟
صالح ماعرفش يرد، الكلام فعلاً وجعه… هو عارف إن سميحة عاشت عمرها بين وجع وإهمال، ومن حقها تكون مبسوطة.
ـ مش عارف أقولك إيه، يا عبد الظاهر… وفي نفس الوقت خايف أكلمهم ياخدوا منك موقف.
ـ كلمهم يا صالح، يمكن ربنا يسهلها وانا هكون راضى بأى حاجه
صالح قال بعد تفكير:
ـ طيب، الأول ناخد رأي سميحة. يمكن اللى حصلها مع حسين مخليها مش عايزه تتجوز تانى.
ـ طيب، خلينى أنا اللى أكلمها الأول يا صالح، ممكن؟
ـ ماشي يا عبد الظاهر، هكلمها تيجى هنا، وإنت تتكلم معاها. ولو وافقت، ساعتها نكلم منصور وفارس.
خرج عبد الظاهر من عنده، وقلبه مليان أمل وقلق في نفس الوقت، مستني مكالمة صالح تحدد له معاد يقابل سميحة… يمكن المره دى النصيب ينصفه بعد سنين في بيت سميحة، كانت قاعدة لوحدها في الصالة، التلفزيون شغال على صوت واطي وهي سارحة، بتقلب في ذكرياتها
رنّ التليفون قدامها، شافت اسم ” صالح” على الشاشة وابتسمت بخفة
ردّت وهي بتحاول تبين صوتها عادي:
ـ أيوه يا صالح، إزيك يا خويا؟
ـ الحمد لله يا سميحة، عامله إيه؟ صوتك فيه حاجه؟
ـ لأ يا صالح، مافيش… يمكن بس تعبانه شويه.
ضحك بخفه وقال:
ـ تعبانه ولا زهقانه؟
ـ الاتنين .
ـ طب ما هو دا اللى خلانى أكلمك، قلت أطمن عليكي، وبالمرة نفسي أشوفك.
ـ تشوفني؟ خير يا صالح، فى حاجه؟
ـ خير إن شاء الله، بس وحشتيني بجد يا سميحة، ماعادش بنقعد زى زمان، كلنا بقينا فى دوامة.
سكتت لحظه وقالت بهدوء:
ـ والله يا صالح وأنت كمان وحشني
ـ خلاص، يبقى تيجى بكرة بعد الضهر، أنا عايزك ضروري.
حست سميحة إن فى حاجه وراه، نبرته كانت فيها حاجة مش طبيعية.
ـ فى إيه يا صالح؟ حصل حاجه؟
ـ لأ يا ستي، مافيش غير كل خير… بس عايز أقعد معاك كلمتين كده.
ـ كلمتين؟ عن مين بقى؟
ـ مافيش عن مين ولا عن إيه… هتعرفي لما تيجى.
ضحكت بخفه وقالت:
ـ يعنى لازم تقلقني الأول؟
ـ لأ أبداً، هو بالعكس، الكلام هيعجبك إن شاء الله.
ـ طيب خلاص، أبقى أعدى عليك بكرة بعد العصر كده.
ـ تمام، هستناكي يا سميحه… وربنا يجعلها ساعة خير.
قفلت سميحة الموبايل وبصّت قدامها بشرود، حسّت إن قلبها بدأ يدق أسرع من الطبيعي… ممكن يكون هيكلمنى بخصوص حسين أو عبد الظاهر ؟؟
مش عارفه ليه حست إن صالح وراه موضوع كبير.
وقالت بين نفسها:
ـ يا ترى عايزنى فى ايه يا صالح؟
تاني يوم وصلت سميحة عند صالح، طرقت الباب ، وفتح لها صالح بنفسه بابتسامة.
ـ نورتِ يا أختي.
ـ الله يخليك يا صالح… كنت فاكراك لوحدك.
ـ لأ، فى حد كنت عايزك تشوفيه.
دخلت سميحة بخطوات مترددة، ولما عينيها وقعت على عبد الظاهر وهو واقف، اتجمدت مكانها.
ـ عبد الظاهر!
ـ إزيك يا ست سميحة…
ـ الحمد لله… (ببُحّة خفيفة) أنا… ماكنتش أعرف إنك هنا.
ـ عارف… وكنت متأكد إنك اتفاجئتي.
سكتوا لحظة، وصالح قال بابتسامة وهو بيحاول يخفف الجو:
ـ أنا هسيبكم شوية تتكلموا، عندي مكالمة ضروري.
وسابهم ومشي، والجو سكت تمام… حتى صوت عقارب الساعة بقى مسموع .
بصّ عبد الظاهر على سميحة وهو بيحاول يجمع شجاعته.
ـ سامحينى يا سميحة لو وجودي فاجئك… بس فى كلام لازم يتقال ،وانتى لازم تسمعيه
ـ كلام إيه يا عبد الظاهر؟
ـ كلام متأخر… بس جوه قلبي من زمان.
قعد على الكرسي المقابل ليها، وصوته بدأ يهدى أكتر:
ـ يمكن متعرفيش إنك كنتى دايمًا حاجة غالية فى حياتي… من زمان وأنا شايفك الست اللى كان نفسي تشاركني عمري.
بصت له باستغراب وقالت بخجل:
ـ بعد كل السنين دى يا عبد الظاهر؟
ـ أيوه… بعد كل السنين. يمكن كنت بكابر، يمكن خفت أقول، بس لما سمعت إنك اتطلقت، كل حاجه جوايا قامت من تاني.
ـ بس أنا اتأذيت كفاية، ومش ناقصه وجع تاني.
ـ وأنا مش جاي أوجعك، بالعكس… أنا جاي أكونلك السند والأمان
قرب منها شويه، صوته بقى أهدى كأنه بيحكي سر:
ـ سميحة… أنا بحبك من زمان، حب راجل عمره ما عرف يبوح بيه، بس فضل ساكنه جواه سنين.
اتنفس بعمق وقال:
ـ وصدقيني، مشاعري ليكي مش لحظة حنين، دى حياة كاملة أنا مستني أعيشها معاكي لو رضيتِى .
سكتت سميحة ودموعها بدأت تلمع فى عينيها، مش قادرة ترد، مش مصدقة الكلام اللى بتسمعه.
ـ عبد الظاهر… أنت بتتكلم جد؟
ـ أكتر جد من أى مرة فى حياتى.
ـ طب وولادي؟
ـ ولادك رجالة محترمين، وأنا ناوي أقف جنبهم زي أبوهم، بس قبلهم… أنا عايز أقف جنبك إنتي.
قعدت سميحة بهدوء، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
عبد الظاهر مد إيده على الطاولة وقال بصوت فيه رجاء
ـ عشان خاطرى يا سميحه ماترفضيش
سكتت سميحة شوية، مسحت دموعها بطرف الإيشارب، وقالت بصوت خافت:
ـ يا عبد الظاهر… أنا خلاص كبرت.
اللى راح من العمر أكتر من اللى فاضل، وهقولك إيه… مش فاضل فىّ حيل لحكايات ولا وجع جديد.
قاطعها بهدوء وهو بيبصلها بحنية:
ـ وأنا مش جاي أوجعك يا سميحة… أنا جاي أريحك.
ـ ترتاح إزاى؟ واللى حواليَّ هيقولوا إيه؟ وولادى هيسكتوا؟
ـ محدش ليه عندنا حاجه ولادك هيهمهم إنك تكونى مبسوطه والناس مالهاش دعوه محدش هينفعك لو عشتى وحيده
سكت لحظه، قرب منها شوية وقال بصوت هادي يشبه الهمس:
ـ أنا مش جاى أطلب حب، أنا جاى أطلب عمر نعيشه فى راحة، من غير خوف و
ـ بس أنا خايفه…
ـ خايفه من إيه؟
ـ من ولادى من الناس
ـ متخافيش يا سميحه أنا مش هسيبك لواحدك .
ابتسمت سميحة بخجل وقالت:
ـ يعنى لو قلتلك لأ؟
ـ هقول ربنا يسامحنى إنى ماعرفتش أطمنك كفاية.
ـ ولو قلتلك آه؟
ابتسم وهو بيهمس:
ـ هقول الحمد لله اللى رجّع لقلبي الحياة بعد سنين مـ,ـوت.
نزلت دمعة من عينيها، ومسحتها بسرعة وقالت:
ـ سيبنى أفكر يا عبد الظاهر، قلبي بيقول حاجه، وعقلى بيقول حاجه تانية.
ـ وأنا هسيبك تفكرى براحتك، بس أوعى تسيبى الخوف يغلب اللى جواكي.
وقف، وبصّ لها آخر بصّة كلها شوق وقال:
ـ لو اتأخرتى فى الرد، هافضل مستنيك… زى ما استنيتك طول السنين.
دخل صالح وقت انتهاء عبد الظاهر لكلامه
ـ ها خلصتوا كلام
اتكلم عبد الظاهر بأمل
ـ قولتلها اللى عندى يا صالح وهستنى ردك قريب استأذن دلوقتي وهكلمك اعرف الرد بعدين
خرج عبد الظاهر وساب سميحه وصالح لوحدهم
بصّ صالح لأخته وشاف وشها متغير، ملامحها فيها ارتباك ودمعة معلقة في عينها.
ـ باين عليكي محتارة يا سميحة.
ـ أيوه يا صالح، محتارة ومش عارفه أعمل إيه.
ـ قالك إيه؟
ـ قال كلام… وجع قلبي قبل ما يفرحه.
ـ هو الراجل ده من زمان بيحبني يا صالح؟
ـ من زمان أوي، بس عمره ما اتكلم، ولا حاول يضايقك بكلمة. دايماً كان بيحترمك من بعيد، وكنت أنا شايف بعيني كل مرة كان بيحاول يخفي مشاعره.
سكتت لحظة وهي تمسح دمعة نزلت على خدها:
ـ وأنا… مش عارفه، يمكن قلبي وجعني عشانه النهارده، كلامه صدقني حسّيته طالع من جواه
ـ وده لأن عبد الظاهر راجل يا سميحة، راجل يعرف يحب صح.
ـ بس يا صالح… أنا عندي ولاد كبار، والناس ما بترحمش.
ـ يا سميحه، الناس ما بترحمش أصلاً، سواء اتجوزتي أو قعدتي لوحدك.
قرب منها وحط إيده على كتفها وقال بلُطف:
ـ سميحة، إنتي عشت عمرك كله تفكّري في الناس فكرى المرة دي في نفسك؟
ـ نفسي… نفسي أصدق إني لسه أستحق أعيش، بس الخوف ماسكني.
ـ عبد الظاهر يستاهلك يا سميحة، وأنا عارفه كويس. راجل شريف، وبيحبك وهيعيشك مبسوطه ولادك كبروا والحياه هتلهيههم سكتت سميحة وهي بتبص في الأرض، كأنها بتحاول تلاقى إجابة بين خيوط السجادة.
ـ طيب يا صالح… إدينى يومين أفكر، لو القلب غلبنى، هردّ.
ـ خدى وقتك يا أختى، بس افتكري كلامى: مفيش سنّ للفرحة، واللى يحبك بجد، ما يتعوضش. سكتت سميحة، وبصت على الباب اللى خرج منه عبد الظاهر، كأنها بتكلم نفسها بهمس:
ـ يا ترى القدر هيديني فرصة تانيه… ولا فات الأوان فعلاً؟
تفتكروا سميحه هتوافق ولو وافقت هتبلغ ازاى حسين وهل حسين هيسكت ؟؟
سكتت سميحة، وبصت على الباب اللى خرج منه عبد الظاهر، كأنها بتكلم نفسها بهمس:
ـ هو أنا لسه ينفع أبدأ من جديد يا صالح؟
قاطعها صالح وهو بيقرب منها بحنية:
ـ ينفع يا سميحة، طول ما القلب بيحس، يبقى لسه عايش.
نزلت سميحة عينيها وقالت بتردد:
ـ بس أنا مش لوحدي يا صالح… عندي ولادي، منصور وفارس، لازم يعرفوا…
ـ يا أختي ما هو علشان ولادك لازم تعيشي ليكي إنتي كمان، مش بس ليهم.
ـ عارفة، بس برضه رأيهم مهم، ماقدرش أخد خطوة من وراهم.
ابتسم صالح وقال بهدوء:
ـ خلاص، سيبي الحتة دي عليّا أنا. أنا اللى هكلمهم.
ـ لا يا صالح، همّ ما يتقبلوش الكلام ده بسهولة.
ـ ما تقلقيش، أنا هعرف أوصلهم، وهفهمهم إن أمهم من حقها تفرح زي أي حد.
سكتت لحظة وهي تبصله بامتنان:
ـ ربنا يخليك ليا يا صالح… دايمًا سندي.
ـ وإنتِ دايمًا غالية يا سميحة، متنسيش ده أبداً. وبين الحيرة اللى في قلبها والدفا اللى في كلامه، حسّت سميحة إنها لأول مرة من سنين، ممكن فعلاً تسيب باب الأمل يتفتح شوية