وصلت للعربية، لقيت أبويا وأمي وسلمى في انتظاري. ركبت ودورت المحرك بأقصى سرعة.
“إحنا رايحين فين يا محمد؟” سألت سلمى وهي مرعوبة.
قلت وأنا ببص في المراية وبشوف كشافات عربيات ورايا بتبدأ تتحرك: “مش هنرجع القاهرة.. الطريق الصحراوي متراقب. إحنا هنطلع على مطروح، في بيت قديم لأبويا هناك مفيش مخلوق يعرفه.”
### مفاجأة الصندوق
وأحنا على الطريق، وأبويا ماسك الصندوق في حـ,ـضنه كأنه طفله الصغير، قال بصوت مرتعش:
“يا محمد.. منصور مش لوحده. الورق اللي في الصندوق ده فيه ‘أسماء’ لو اتعرفت، مصر كلها هتتكلم عنها بكره. الصندوق ده مش بس أمانة يتامى.. ده فيه سر اختفاء ‘المهندس مروان’ من تلاتين سنة.”
فتحت الصندوق بـ عتلة صغيرة وأنا سايق بإيد واحدة.. وأول ما النور بتاع التابلوه خبط في الورق، شوفت صورة قديمة، ومعاها “خريطة” لمكان تاني خالص غير الفيلا.. مكان في قلب الصحراء الغربية مرسوم عليه علامة “X”.
وفجأة.. عربية دفع رباعي ضخمة خبطت في ضهر عربيتنا بقوة، لدرجة إننا كنا هنقلب.
بصيت في المراية.. شوفت كريم الجندي!
كريم هرب من البوليس؟! ولا البوليس هو اللي سابه يلحقنا عشان يوصل لـ “الخريطة”؟
**
## الجزء السادس: مطاردة الملح والدم
الخبطة كانت قوية لدرجة إن دركسيون العربية لَفّ في إيدي، وصراخ أمي وسلمى ملى المكان. بصيت في المراية، وشوفت وش كريم الجندي تحت ضوء كشافات عربيتة الـ 4×4، ملامحه كانت متغيرة تماماً، مفيش أثر للجبن اللي كان فيه عند الفيلا، كان وراه ناس لابسة لبس غريب، مش لبس بلطجية ولا لبس بوليس.
“كريم ميهربش بالسهولة دي يا محمد!” صرخ أبويا وهو بيحـ,ـضن الصندوق، “الناس دي هي اللي مخرّجاه عشان يوصلوا للي في إيدنا!”
### سباق المـ,ـوت على طريق مطروح
زودت السرعة، العربية كانت بتأن تحت رجلي. كان لازم أخد قرار سريع.. الطريق الصحراوي مفتوح، ولو فضلنا كده هيجيبونا. لمحت “مدق” رملي بين الصخور في منطقة ملاحات قديمة.
“امسكوا نفسكم!”
كسرت الدريكسيون فجأة ودخلت في وسط الرمل. العربية بدأت تتنطط، والعفرة غطت على الرؤية تماماً. كريم ورجالته دخلوا ورايا، وبدأ ضـ,ـرب النـ,ـار يخـ,ـترق إزاز العربية الخلفي.
“انزلوا تحت الكراسي!” زعقت فيهم وأنا بحاول أوازن العربية وسط الملاحات.
### خدعة الملاحات
الملاحات في المنطقة دي غدارة، الأرض بتبان ناشفة بس تحتها طبقة ملح ومية ممكن تبلع مركب. أنا كنت عارف المنطقة دي من رحلات الصيد زمان. بدأت أمشي في مسارات متعرجة، وكريم ورايا بيحاول يزنقني على الصخور.
فجأة، طفيت كشافات العربية تماماً.
“إنت بتعمل إيه يا محمد؟!” صرخت سلمى.
“هخليهم يمشوا ورا السراب.”
اعتمدت على ضوء القمر الخفيف وعلى حفظي للمكان. لمحت منطقة “السبخة” الطرية، وكسـ,ـرت يمين في آخر لحظة، وكريم اللي كان ماشي ورايا بسرعة جنونية عشان يلحق يخبطني، ما لحقش يفرمل.
سمعت صوت غوص عربيتهم في الطين المالح.. وصوت الموتور وهو بيحـ,ـرق في الفاضي. عربيتهم غرزت لحد نص الباب.
### المواجهة فوق أرض الملح
وقفت عربيتي على بعد مسافة، ونزلت. أبويا حاول يمنعني بس قلتله: “لازم نعرف مين دول يا حاج.. كريم مجرد واجهة.”
قربت من عربيتهم وهي بتغرق ببطء. كريم كان بيحاول يفتح الباب وهو مرعوب. شديته من قفاه ورميته على الأرض المملحة.
“مين اللي خرجك يا كريم؟ ومين اللي باعتك ورا الخريطة؟”
كريم وهو بيكح ملح وتراب، ضحك بـ هسيرية: “إنت فاكر إنك كسبت؟ الخريطة اللي معاك دي ناقصة.. الجزء التاني مرسوم ‘وشم’ على ضهر المهندس مروان.. اللي لسه عايش ومحبوس في مكان إنت عمرك ما تتخيله!”
### المفاجأة الصاعقة
في اللحظة دي، سمعنا صوت مروحية (هيلوكوبتر) بتقرب من بعيد. كشافاتها مسحت الأرض وسلطت الضوء علينا.
أبويا نزل من العربية وهو بيترعش وبص للسما وقال: “جم يا محمد.. جم ياخدوا تمن السكوت بتاع الـ ٣٠ سنة.”
بصيت في الخريطة تاني تحت ضوء الطيارة، واكتشفت إن العلامة (X) مابتشاورش على كنز ولا ورق.. دي بتشاور على “نفق” سري بيبدأ من تحت قاعدة عسكرية قديمة مهجورة.
سلمى صرخت وهي بتشاور على الموبايل بتاعها: “محمد! الأخبار نازلة.. في بيان رسمي طالع بيقول إن إنت خطفت أبوك وأمك وهربت بيهم بعد ما سـ,ـرقت مبلغ ضخم من شركة مقاولات!”
لقينا نفسنا محاصرين.. من الأرض طين وملاحات، ومن السما طيارة، ومن القانون “مجرمين هاربين”.
قلت لأبويا وأنا بفتح باب العربية وبجهز نفسي للمغامرة الأخيرة:
“اركب يا حاج.. لو هما عايزين حرب، يبقى هنروح لهم لحد النفق.”
## الجزء السابع والأخير: فك شفرة الماضي
صوت المروحية كان بيزلزل الأرض تحتنا، وكشافاتها كشفت كل تحركاتنا وسط الملاحات. كريم كان مرمي على الأرض بيضحك بوجع، وأبويا ماسك في إيدي بكل قوته.
“محمد.. النفق مش بس طريق هـ,ـروب، النفق هو الدليل الوحيد اللي هيبرأنا من تهمة الخـ,ـطف والسـ,ـرقة!” صرخ أبويا وهو بيحاول يتغلب على صوت المحركات.
### اقتحام القاعدة المهجورة
ركبنا العربية وضغطت على الموتور بكل ما أوتيت من عزم. الطيارة كانت بتطاردنا بضوءها، بس التضاريس الصخرية في المنطقة ساعدتني أستخبى للحظات. وصلنا لقاعدة “الغراب” المهجورة — مكان كان عبارة عن ثكنات قديمة متآكلة من الرطوبة والزمن.
“انزلوا بسرعة!”
دخلنا جوه أحد المخازن المتهالكة. الخريطة كانت بتشاور على “فتحة تهوية” تحت لوحة توزيع كهرباء قديمة. زقيت اللوحة بكتفي بكل قوتي لحد ما ظهرت فتحة ضيقة بتنزل لسلالم حجرية غارقة في الضلمة.
### تحت الأرض: لقاء الأشباح
نزلنا والأنفاس مكتومة. في نهاية السلالم، لقينا ممر طويل آخره ضوء خافت. وصلنا لأوضة محصنة، وهناك كانت الصدمة..
راجل عجوز، شعره أبيض زي التلج، قاعد على سرير حديد وبيرسم على الحيطان. أول ما شاف أبويا، وقف ودموعه نزلت: “حسن؟ إنت جيت يا حسن؟”
“مروان!” صرخ أبويا وحـ,ـضنه.
المهندس مروان، اللي الكل افتكر إنه مات من 30 سنة، كان محبوس هنا بواسطة “منصور” والناس اللي معاه، عشان هو الوحيد اللي عارف مكان “صناديق التمويل” المنهوبة من مشروعات الدولة القديمة، وعارف العقود اللي تثبت فسادهم.
### المواجهة النهائية
فجأة، صوت خطوات تقيلة دخلت الممر. منصور دخل ومعاه حرس مسلحين، ووشه مشوه من آثار الصعق الكهربائي.
“برافو يا محمد.. وصلتونا للمهندس وللخريطة في خبطة واحدة.”
رفعت السلاح اللي أخدته من منصور في الجزء اللي فات: “محدش هيتحرك خطوة.. المكان ده متلغم بقنابل غاز قديمة، لو ضـ,ـربت نـ,ـار واحدة، الكل هينفـ,ـجر!”
منصور ضحك بـ غل: “إنت بتهـ,ـددني في مـ,ـوتي؟ سلم الصندوق والمروان، وهسيب أهلك يمشوا.”
في اللحظة دي، طلعت موبايلي وضغطت على زرار “بث مباشر” لصفحتي اللي عليها آلاف المتابعين:
“منصور.. إنت دلوقتي متصور صوت وصورة قدام نص مليون بني آدم. الحكاية كلها اتعرفت، والمهندس مروان حي يرزق وهيتكلم.”
### سقوط الإمبراطورية
منصور اتجمد في مكانه. هيبة “الحيتان” انكسرت قدام قوة التكنولوجيا. في ثواني، سمعنا أصوات اقتـ,ـحام من فوق.. بس المرة دي كانت قوات العمليات الخاصة الحقيقية اللي وصلت بعد ما “المتر” بتاعي قدم البلاغ الرسمي بالدلة اللي كانت في الصندوق.
تم القبض على منصور ورجالته، وكريم الجندي اتسحب في الكلبشات وهو بيصرخ إنه كان مجرد أداة.
### الفجر الجديد
خرجنا من النفق مع شروق الشمس فوق بحر مطروح. المهندس مروان أخد نفسه لأول مرة في حرية من تلاتين سنة. أبويا بص لي وابتسم: “الفيلا اللي إنت جبتها يا محمد.. طلعت هي المفتاح اللي قفل باب الظلم.”
سلمى طلبت السماح من أبويا وأمي وهي مقررة تبدأ حياة جديدة بعيد عن سموم كريم. أما أنا، وقفت قدام البحر، وفتحت الصندوق ورميت كل الأوراق القديمة في الماية بعد ما البوليس أخد صور منها.
“الحكاية خلصت يا حاج حسن.. والمرة دي، مفيش ديون ولا أمانات قديمة.”
أبويا حط إيده على كتفي: “الجدعنة أمانة يا ابني، وإنت شيلتها ووفيت.”
**ورجعنا الفيلا، بس المرة دي.. كانت فعلًا بيت للراحة، والسكينة، وحكايات رماني مكرم اللي مابتخلصش.**
**تمت**