صدمه العمر اسما السيد 2

أكثر هدوءًا وأكثر وعيًا وأكثر قوة بطريقة مختلفة استدارت دون كلمة وغادرت المكتب بينما ظل ياسين جالسًا في مكانه للحظات يفكر في كم القرارات التي اتخذها في الماضي دون أن يمنح نفسه فرصة للتفكير الحقيقي وبعد ساعات كان يقف مرة أخرى في غرفة ابنه يحمل الصغير بين يديه بينما كانت سلمى تراقبه بصمت قالت له فجأة هل قابلت ليلى اليوم نظر إليها بدهشة خفيفة وقال نعم كيف عرفت ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت لأنها زارتني قبلك تجمدت ملامحه للحظة وقال وماذا قالت لك أجابت بهدوء حاولت أن تقنعني أنك ستعود كما كنت وأن كل هذا مجرد مرحلة مؤقتة وأنك لا تتغير ابتسم ياسين هذه المرة وقال وماذا قلت لها نظرت إليه بعينين ثابتتين وقالت قلت لها إنني لا أعلم إن كنت تغيرت أم لا لكنني سأرى ذلك بنفسي من أفعالك لا من كلامك ساد صمت هادئ بينهما ثم قال هذا عادل جدًا ابتسمت بخفة ثم نظرت إلى طفلها وقالت أنا لا أريد رجلًا مثاليًا يا ياسين أنا فقط أريد رجلًا لا يكسرني مرة أخرى شعر بكلماتها تستقر في داخله كقانون لا يمكن تجاوزه وقال بصوت منخفض لن أفعل هذه المرة لن أسمح لنفسي أن أكرر نفس الخطأ ومع مرور الأيام بدأ ياسين يثبت ذلك بالفعل لم يكن الأمر مجرد وعود كان أفعالًا صغيرة لكنها متكررة حضور دائم دعم دون شروط احترام لمساحتها وعدم الضغط عليها للعودة إليه كان ينتظر بصبر وكأنه تعلم أخيرًا أن بعض الأشياء لا يمكن استعجالها وفي أحد الأيام بينما كانا يجلسان معًا في شرفة المستشفى بعد انتهاء يوم طويل قالت له سلمى هل تعلم ما الذي أخاف منه حقًا نظر إليها باهتمام فقالت أخاف أن أصدقك مرة أخرى ثم أكتشف أنني كنت مخطئة كما حدث من قبل أخذ نفسًا عميقًا وقال وأنا أخاف أن لا تمنحيني الفرصة لأثبت لك أنني لست نفس الشخص لكنني لن أجبرك على شيء هذه المرة كل ما أريده هو أن تريني بوضوح وتقرري بنفسك ساد صمت طويل لكن هذه المرة لم يكن صمتًا ثقيلًا بل كان هادئًا كأنه يحمل بداية شيء جديد ومع مرور الشهور بدأ ذلك الحذر يتلاشى تدريجيًا لم تختفِ الذكريات المؤلمة لكنها لم تعد تسيطر على الحاضر كما كانت أصبح هناك مساحة لشيء مختلف لثقة تُبنى ببطء لاهتمام صادق لا يعتمد على الخوف أو الشك وفي يوم من الأيام بينما كان ياسين يحمل ابنه ويضحك معه دون تكلف نظرت إليه سلمى وشعرت بشيء يتغير داخلها لم يكن الأمر قرارًا واعيًا بل كان إحساسًا هادئًا بأن هذا الرجل لم يعد كما كان وأنها ربما تستطيع أن تمنحه فرصة جديدة ولكن هذه المرة بشروطها هي وبقلب أكثر حذرًا لكنها لم تعد مغلقة تمامًا اقتربت منه وقالت بهدوء هل تعلم أنك لم تعد تخيفني كما كنت من قبل نظر إليها بدهشة ممزوجة بأمل خافت وقال هل هذا شيء جيد ابتسمت وقالت نعم لأنه يعني أنني بدأت أراك كما أنت الآن لا كما كنت ابتسم لأول مرة بابتسامة خالية من القلق وكأن شيئًا داخله قد تحرر أخيرًا وفي تلك اللحظة أدرك أن التغيير الحقيقي لا يحدث بكلمة أو موقف واحد بل هو رحلة طويلة مليئة بالاختبارات وأن أصعبها ليس أن تثبت للآخرين أنك تغيرت بل أن تثبت لنفسك أنك لن تعود لما كنت عليه مهما حدث وأن الحب الحقيقي لا يولد من الكمال بل من القدرة على التعلم من الخطأ وعدم تكراره مهما كان الثمن

مرت شهور أخرى حملت معها تغيرات أعمق لم تكن ظاهرة للجميع لكنها كانت واضحة لكل من يقترب منهما لم يعد وجود ياسين في حياة سلمى مجرد محاولة لإصلاح ما انكسر بل أصبح جزءًا من واقع جديد يتشكل بهدوء دون ضجيج ودون وعود كبيرة كان يكتفي بأن يكون حاضرًا حين تحتاجه وصامتًا حين تحتاج المسافة ومساندًا دون أن يفرض نفسه أما هي فكانت تراقب كل ذلك بعين خبِرت الخذلان من قبل لكنها بدأت ترى شيئًا مختلفًا هذه المرة شيئًا لا يعتمد على الكلمات بل على الاستمرارية وفي أحد الأيام عاد ياسين إلى المنزل الذي استأجره قريبًا من المستشفى وهو يحمل بعض الملفات لكن عقله لم يكن مع العمل بل كان عالقًا في لحظة صغيرة حدثت في الصباح حين ناداه ابنه لأول مرة بكلمة بابا لم تكن واضحة تمامًا لكنها كانت كافية ليشعر بأن العالم كله توقف للحظة أعاد تلك الكلمة في ذهنه مرات ومرات وشعر بثقل مسؤولية لم يكن يعرفها من قبل لم يعد الأمر متعلقًا بإصلاح علاقته مع سلمى فقط بل ببناء حياة كاملة لطفل لم يطلب شيئًا سوى أن يكون له أب حقيقي جلس على الأريكة ووضع رأسه بين يديه يفكر في كل ما مر به وكيف كاد أن يخسر كل شيء بسبب غروره واندفاعه لكنه لم يملك وقتًا طويلًا للغرق في تلك الأفكار فقد سمع طرقًا خفيفًا على الباب فتحه ليجد سلمى تقف أمامه تحمل الطفل بين ذراعيها لم تكن زيارتها متوقعة لكنها لم تكن غريبة أيضًا أصبحت هناك مساحة مشتركة بينهما تسمح بتلك اللحظات دون تفسير نظرت إليه وقالت بهدوء كان يبكي ولم أستطع تهدئته إلا حين قلت له أننا سنراك ابتسم دون أن يشعر وقال وكأنني أصبحت دواءه الوحيد دخلت وجلست على الأريكة بينما أخذ الطفل منها بحذر كأنه يخشى أن يزعجه لكنه هدأ فورًا حين شعر بوجوده رفع ياسين عينيه إليها وقال هل هذا يعني أنك تثقين بي أكثر قليلًا نظرت إليه للحظة قبل أن تجيب لا أعلم إن كانت ثقة لكنها بداية لشيء يشبهها ساد صمت دافئ بينهما لم يكن بحاجة إلى كلمات كثيرة كان وجودهما معًا كافيًا ليعبر عن شيء أعمق من الكلام ومع مرور الوقت بدأت تلك اللحظات تتكرر زيارات قصيرة أحاديث بسيطة ضحكات خفيفة تخرج دون تخطيط وكأن الحياة تعطيهما فرصة جديدة ليكتشفا بعضهما من جديد دون ضغط الماضي لكن لم يكن كل شيء سهلًا ففي أحد الأيام بينما كانت سلمى في طريقها إلى المنزل مع طفلها تعرضت لموقف صعب حين اعترض طريقها أحد أقاربها الذين لم ينسوا ما حدث في الماضي وبدأ يوجه لها كلمات قاسية عن عودتها للتعامل مع ياسين وعن ضعفها في نظرهم شعرت بالضيق والغضب لكنها لم ترد عليه اكتفت بالرحيل بصمت لكنها حين وصلت إلى المنزل كانت منهكة نفسيًا بشكل واضح وعندما جاء ياسين في المساء ليطمئن عليها وجدها مختلفة لم تكن غاضبة بل كانت صامتة بطريقة ثقيلة جلس بجانبها وسألها بهدوء ماذا حدث لم تجب في البداية ثم قالت بصوت منخفض هل تعتقد أن الناس تتغير حقًا أم أننا فقط نحاول إقناع أنفسنا بذلك فهم فورًا أن الأمر أكبر من مجرد سؤال عابر وقال بهدوء الناس لا تتغير فجأة لكنها تستطيع أن تختار كل يوم أن تكون أفضل أو أسوأ وأنا اخترت أن أكون أفضل ليس من أجلك فقط بل من أجلي أيضًا نظرت إليه وقالت لكن ماذا لو عدت كما كنت ماذا لو وثقت بك مرة أخرى وخذلتني رد دون تردد إذًا سيكون ذلك أكبر فشل في حياتي ولن ألومك إن لم تمنحيني فرصة أخرى لكنني أعدك أنني لن أسمح لنفسي أن أصل إلى تلك النقطة مرة أخرى كانت كلماته هادئة لكنها صادقة بطريقة جعلتها تشعر بشيء من الطمأنينة رغم كل مخاوفها اقترب منها قليلًا وقال لا تدعي أصوات الآخرين تحدد ما ترينه بنفسك أنت فقط من يملك الحق في الحكم علي صمتت للحظة ثم أومأت برأسها كأنها اقتنعت جزئيًا على الأقل ومنذ ذلك اليوم بدأت سلمى تتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة لم تعد تستمع كثيرًا لما يقوله الآخرون بل أصبحت تركز على ما تراهبنفسها وما تشعر به في وجوده ومع مرور الوقت بدأت تلك الثقة تنمو ببطء لكنها كانت أقوى لأنها لم تبن على أوهام بل على واقع حقيقي وفي يوم هادئ بينما كانوا يجلسون معًا في الحديقة الصغيرة أمام منزلها والطفل يلعب بينهما فجأة نظر ياسين إليها وقال هل فكرت يومًا في أن نبدأ من جديد نظرت إليه دون أن تتفاجأ بالسؤال وكأنها كانت تنتظره منذ فترة لكنها
لم تجب فورًا بل نظرت إلى طفلها ثم عادت بعينيها إليه وقالت البدء من جديد لا يعني نسيان ما حدث بل يعني أننا سنحمله معنا ونتعلم منه هل أنت مستعد لذلك قال دون تردد نعم لأنني تعلمت أن الماضي لا يمكن تغييره لكن يمكننا أن نمنع تكراره ساد صمت قصير ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت إذًا لنبدأ لكن ببطء هذه المرة دون استعجال ودون وعود كبيرة فقط أفعال حقيقية شعر وكأن تلك الكلمات كانت المفتاح الذي كان ينتظره منذ شهور لم يكن انتصارًا بقدر ما كان بداية حقيقية لشيء يستحق أن يُبنى بعناية ومنذ تلك اللحظة لم تعد علاقتهما مجرد محاولة إصلاح بل أصبحت رحلة مشتركة نحو مستقبل مختلف لم يكن مثاليًا لكنه كان صادقًا وهذا كان كافيًا لهما ليستمرا وفي تلك الليلة بينما كان ياسين ينظر إلى ابنه وهو نائم بجانبه أدرك أن الحياة قد لا تمنحنا دائمًا فرصًا ثانية لكن عندما تفعل يجب أن نكون مستعدين لنستحقها وأن الحب الحقيقي لا يقاس بالكلمات ولا باللحظات الكبيرة بل بتلك التفاصيل الصغيرة التي نختار فيها أن نبقى رغم كل شيء وأن نحارب من أجل ما نؤمن به دون أن نهرب مرة أخرى

مرت سنة كاملة وكأنها عمر جديد كُتب لهما لم تعد الأيام ثقيلة كما كانت ولم تعد الذكريات المؤلمة تفرض نفسها على كل لحظة بل أصبحت مجرد دروس هادئة تذكرهما بما لا يجب أن يعود ومع مرور الوقت اكتملت الصورة التي بدأا في رسمها بحذر أصبح ياسين جزءًا ثابتًا من حياة سلمى لا كضيف مؤقت ولا كمحاولة إصلاح بل كشريك حقيقي يعرف حدوده ويحترمها ويعرف أيضًا متى يكون حاضرًا بكل قوته ومتى يكتفي بالاحتواء الصامت أما الطفل فقد كبر قليلًا وأصبح صوته يملأ المكان ضحكًا وكلمات بسيطة تناديهما معًا وكأن الحياة تعيد ترتيب كل شيء بطريقة أجمل مما كان وفي يوم مشمس قرر ياسين أن يفعل شيئًا لم يكن ليفكر فيه من قبل وقف أمام باب منزل سلمى يحمل في يده صندوقًا صغيرًا وقلبه يخفق بطريقة لم يعرفها حتى في أصعب عملياته الجراحية فتح الباب وكانت هي أمامه بعينيها الهادئتين التي لم تعد تحمل ذلك الحذر القاسي بل مزيج من الطمأنينة والترقب نظر إليها للحظة وكأن كل الكلمات هربت منه ثم

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
20