النار كانت قد بدأت تأكل أطراف الستائر في الصالة، والدخان يزحف كالأفعى تحت باب الحمام. أمسكتِ بالولاعة، ويدكِ معلقة بين حرق الدفاتر التي تدينهم جميعاً وبين استخدامها كدرع أخير. صوت كرم بالخارج كان قد وصل إلى ردهة الشقة، صوته لم يعد فيه ذرة من الحب أو حتى التوتر الذي رأيتِه في الحمام منذ ساعات؛ كان صوتاً محترقاً بالغل.
* “يا هالة.. الورق ده معناه رقبتي! اطلعي بالذوق بدل ما أطلع روحك بإيدي!”
في تلك اللحظة، اتخذتِ قرارك. لم تحرقي الورق. وضعتِ الدفاتر داخل حقيبتكِ وربطتيها حول خصركِ بإحكام تحت ملابسك. فتحتِ نافذة الحمام الصغيرة المطلة على المنور، نظرتِ للأسفل.. كانت المسافة مرعبة، لكنكِ لمحتِ حبال غسيل وشرفة الجيران في الطابق الأسفل.
فجأة، تحطم باب الحمام!
دخل كرم، وعيناه محتقنتان بالدم، خلفه عبده البواب الذي كان يحمل مطواة لامعة. تراجعتِ نحو الزاوية، والولاعة في يدكِ موجهة نحو زجاجة “برفان” كبيرة كانت مركونة على الرف.
* كرم بفحيح: “هاتي الورق يا هالة.. مش عايز أقتلك، إنتي لسه مراتي.”
* أنتِ بابتسامة تحدٍ: “مراتك اللي كنت بتمضي بدالها عقود بيع؟ ولا مراتك اللي كنت بتجيب لها نعيمة في حمامها عشان تكسر عينها؟”
ضغطتِ على صمام الزجاجة وأشعلتِ الولاعة، فخرج لهب مفاجئ أصاب وجه عبده الذي صرخ وتراجع للخلف. في تلك الثانية من الارتباك، تسلقتِ حافة النافذة وقذفتِ بنفسكِ نحو مواسير الصرف. تعلقتِ بيدكِ، والألم يمزق كتفك، بينما كان كرم يمد يده من النافذة محاولاً الإمساك بشعرك وهو يسبّكِ بأبشع الألفاظ.
انزلقتِ لعدة أمتار حتى استقرت قدماكِ على شرفة “أم سيد”، جارتكِ في الدور الثاني. دخلتِ الشرفة بجنون، وجدتِ الست العجوز واقفة ترتجف:
* “يا ست هالة! إيه اللي بيحصل؟ الحريقة في شقتك والشرطة بره!”
* “ماتفتحيش لحد يا أم سيد.. اتصلي بالنجدة فوراً وقولي لهم إن كرم بيحاول يقتلني.”
لكن قبل أن تكمل أم سيد المكالمة، سمعتِ صوت ارتطام قوي في الصالة عندها. لم يكن كرم.. كان “مدحت”. يبدو أنه نزل من شقتكِ عبر السلم الداخلي أو بطريقة ما، ووصل إليكِ قبل الجميع.
* مدحت بنبرة هادئة: “هالة.. أنا مش زيهم. أنا عايز كرم يلبس القضية لوحده. هاتي الدفاتر، وأنا أوعدك إنك هتخرجي من هنا سليمة، ومعاكي عقد الشقة الأصلي اللي كرم كان فاكره ضاع.”
مد يده بعقد أصفر قديم.. كان فعلاً العقد الأصلي. نظرتِ إليه، ثم إلى الشارع حيث بدأت أضواء سيارات المطافئ والشرطة تملأ المكان. بدأتِ تفهمين اللعبة؛ مدحت يريد الدفاتر لأن فيها أسماء “الحيتان” الكبيرة التي كان كرم يعمل لصالحهم، وبواسطتها سيستطيع مدحت مساومة الجميع.
أخذتِ العقد منه ببطء، وفي اللحظة التي لمست فيها أصابعكِ الورق، سمعتِ صرخة نعيمة من الأعلى:
* “الحقنا يا مدحت! كرم ولع في الشقة كلها وهرب من باب السطوح!”
انفجار مدوٍ هز أركان العمارة.. يبدو أن النار وصلت لأسطوانات الغاز في المطبخ. الدخان صار يحجب الرؤية تماماً. وفي وسط هذه الفوضى، أحسستِ بيد خشنة تجذبكِ من الخلف وتكمم فمكِ.
لم يكن مدحت، ولم يكن كرم.. كان شخصاً يرتدي زي رجال الإطفاء، لكن عينيه خلف القناع كانت غريبة.. مألوفة جداً.
همس في أذنكِ وهو يسحبكِ نحو مخرج الطوارئ:
**”مش قولتلك يا هالة.. اللي بتدير حسابات آلاف البشر، لازم تتعلم تدير حساب حياتها هي الأول؟ الدفاتر دي مش هتروح للمباحث.. الدفاتر دي هتروح “لصاحبها الأصلي”.”**
من هو هذا الشخص الغامض؟ وهل كرم فعلاً هرب، أم أن موته كان جزءاً من الخطة؟
سحبكِ “رجل الإطفاء” المزيف عبر ممر الطوارئ الجانبي، بينما النيران تلتهم ما تبقى من ذكرياتكِ في الأعلى. كان يقودكِ بقوة وثبات لا يتناسبان مع الفوضى المحيطة. حين وصلا إلى زاوية معتمة خلف العمارة، نزع القناع عن وجهه.
تجمدتِ مكانكِ، وكأن النيران التي هربتِ منها انتقلت إلى أحشائك.
* **”ياسين؟!”**
ياسين، أخوكِ الذي سافر منذ عشر سنوات وانقطعت أخباره تماماً، والذي قيل لكِ إنه تورط في مشاكل قضائية في الخارج ومات في إحدى المشاجرات.
* “مستغربة ليه يا هالة؟ كرم مكنش مجرد زوج، كرم كان “المحلل” اللي بيشرف على أموالي هنا في مصر وأنا بعيد. الخلاف اللي حصل بينه وبين نعيمة وعبده كان بسببي أنا، لما عرفت إنه بدأ يسرق من الحسابات السرية اللي في الدفاتر اللي معاكي دي.”
نظرتِ إليه بذهول، الدفاتر التي في حقيبتك لم تكن تخص تجارة مشبوهة لكرم وحده، بل كانت “إرث” عائلتك الملوث الذي لم تعرفي عنه شيئاً.
* ياسين بفحيح: “هاتي الدفاتر يا هالة. كرم دلوقت تحت إيد رجالتي، ونعيمة وعبده هيتنسوا وراء الشمس. أنا رجعت عشان آخد حقي، وأنتي هتسافري معايا، هنبدأ حياة جديدة بأسماء جديدة.”
في تلك اللحظة، رن هاتفكِ في جيبك. كان المتصل “ندى”، أختكِ. فتحتِ الخط دون أن يشعر ياسين.
* ندى بصوت متهدج وباكٍ: “هالة! اهربي! ياسين ممتش، ياسين هو اللي باعت كرم من زمان عشان يراقبك، هو فاكر إنك عارفة مكان فلوس بابا الله يرحمه.. هالة، ياسين هو اللي قتل…”
انقطع الاتصال فجأة بعد أن خطف ياسين الهاتف من يدكِ ورماه أرضاً ليتحطم تحت حذائه. نظراته الودودة تحولت إلى برود مخيف.
* “ندى دايماً ببوظ كل حاجة بلسانها الطويل.. هاتي الدفاتر يا هالة، مش عايز أذيكي.”
فجأة، ظهر كرم من خلف أنقاض الحريق، وجهه محترق جزئياً وملابسه ممزقة، يترنح وفي يده مسدس.
* كرم بضحكة هستيرية: “محدش هياخد حاجة! لا أنتي ولا هو! الدفاتر دي فيها نهايتنا كلنا. ياسين، فاكر إنك لما ترجع هتاخد كل حاجة؟ أنا بلغت عن المخازن السرية، والقوات في طريقها لهنا دلوقت!”
أصبحتِ الآن في مثلث الموت؛ ياسين يطالب بـ “إرثه”، وكرم يريد تدمير الجميع بعد أن خسر كل شيء، وأنتِ في المنتصف تملكين “الصندوق الأسود” الذي سيحرق الجميع.
تحركتِ ببطء نحو الخلف، بينما ياسين وكرم يتبادلان التهديدات. لمحتِ سيارة شرطة تقترب ببطء من الممر الخلفي دون سرينة، ورأيتِ الضابط الذي ساعدكِ في البداية يشير إليكِ من بعيد بأن تظلي ثابتة.
* أنتِ بقوة غير معهودة: “الدفاتر مش معايا يا ياسين.. الدفاتر أنا رميتها في “المنور” وأنا نازلة، والنار زمانها أكلتها.”
جن جنون ياسين واندفع نحو المنور، وفي نفس اللحظة رفع كرم مسدسه ليصوب نحو ياسين، لكنكِ قذفتِ بحقيبتكِ الثقيلة في وجه كرم لتشتيت انتباهه.
انطلقت رصاصة طائشة، وصرخة دوت في المكان.. لكن الصرخة لم تكن لياسين أو كرم.