حكايات اسما السيد 1

قمتِ بهدوء، وأغلقتِ الترباس الحديدي خلف الباب، ثم توجهتِ إلى نافذة الصالة. الشارع كان قد بدأ يهدأ، لكن عند مدخل العمارة، كان هناك تجمع مريب. “عبده” البواب، زوج نعيمة، كان يقف وسط مجموعة من أقاربه، ملامحه لم تكن ملامح رجل مكسور أو مغدور به، بل كانت نظراته مصوبة نحو شقتك بغلّ غريب.. وكأن الاتفاق كان أكبر من مجرد “خيانة”.
رن هاتفك. كان المتصل “ندى” أختك.
* “هالة! أنا سمعت اللي حصل.. أنتِ كويسة؟ إيه اللي وصل كرم لكده؟”
* “كرم كان مجرد ستار يا ندى.. الموضوع مش خيانة وبس، أنا بدأت أحس إن في حاجة تانية كانت بتتطبخ في البيت ده وأنا غايبة.”
قطعتِ المكالمة حين سمعتِ صوت مفتاح يحاول الدخول في كالون الباب. تجمدتِ مكانك. كرم في التخشيبة، والنسخة الثانية من المفتاح كانت معه.. فمن الذي يحاول الدخول؟
اقتربتِ من الباب بحذر، ونظرتِ عبر “العين السحرية”. كان “عبده” البواب. يقف وعلى وجهه ابتسامة صفراء، ويمسك في يده نسخة من مفتاح شقتك!
* “افتحي يا ست هالة.. عايزين نخلص الموضوع ودي، بدل ما نطلع القسيمة اللي تثبت إن نعيمة كانت متجوزة الأستاذ كرم “عرفي” من سنة، ووقتها البلاغ بتاعك هيبقى ملوش لازمة، وهتبقى هي اللي صاحبة حق في الشقة دي زيك بالضبط.”
سقطت الكلمات عليكِ كالصاعقة. زواج عرفي؟ هل كان كرم يخطط للاستيلاء على الشقة؟ هل كانت نعيمة هي “الزوجة الثانية” التي ستشارككِ ملكيتك بعقد مستتر؟
تراجعتِ للخلف، ودخلتِ غرفة المكتب بسرعة. فتحتِ الخزنة الصغيرة الخاصة بأوراقك. بدأتِ تبحثين بجنون عن عقد الشقة الأصلي، لكنكِ لم تجديه. وجدتي بدلاً منه ظرفاً مغلقاً لم تفتحيه من قبل، عليه ختم مكتب محاماة لا تعرفينه.
فتحتِ الظرف بيد ترتجف، لتجدي “عقد بيع نهائي” للشقة من كرم إلى نعيمة.. العقد مؤرخ منذ شهرين، ومذيل بتوقيع يشبه توقيعكِ تماماً.. توقيع مزور باحتراف.
في تلك اللحظة، أدركتِ أن دخولهما الحمام معاً لم يكن مجرد استهتار، بل كان “فخاً” لاستفزازكِ لطلب الشرطة، لكي يثبت كرم وجود نعيمة في الشقة بصفتها “مالكة” أو “زوجة”، ويبدأ مسلسل الابتزاز القانوني.
أمسكتِ هاتفك، ولم تتصلي بالشرطة هذه المرة. بل اتصلتِ برقم مسجل باسم “المحامي والموّثق”.
* “أيوة يا متر.. الخطة اللي كرم رسمها بدأت تتنفذ.. هما دلوقتي فاكرين إنهم حاصروني بالعقد المزور.. ابدأ الإجراءات فوراً، أنا عايزة “المفاجأة” تظهر الصبح في النيابة.”
نظرتِ إلى الباب الذي لا يزال عبده يطرق عليه بثقة، وابتسمتِ لأول مرة بمرارة:
**”فاكرين إنهم بيلعبوا مع “هالة” الضعيفة.. ميعرفوش إن اللي بتدير حسابات لآلاف البشر، تقدر تمحي وجودهم من السجل بضغطة زرار واحدة.”**
فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن الشقة تماماً، وساد الظلام، وسمعتِ صوت خطوات ثقيلة داخل الممر.. الخطوات لم تكن آتية من الباب الخارجي، بل كانت آتية من “غرفة النوم”.
هناك ممر سري أو باب لم تكوني تعلمين بوجوده.. أو ربما كان كرم لا يزال هنا، ولم يرحل مع الشرطة!
**ماذا ستجد هالة في غرفة النوم وسط الظلام؟ وكيف سيهدم العقد “الحقيقي” أحلام كرم ونعيمة؟**
**

حبستِ أنفاسكِ والظلام يلتف حولكِ ككفن بارد. الخطوات في الممر كانت وئيدة، منتظمة، وواثقة.. ليست خطوات شخص يخشى اكتشافه، بل خطوات شخص يملك المكان. سحبتِ سكيناً صغيراً من فوق رخامة المطبخ، وتحركتِ بمحاذاة الحائط، قلبكِ يقرع صدغيكِ بقوة تجعلكِ تشعرين بالدوار.
دخلتِ غرفة النوم، كان ضوء القمر المتسلل من وراء الستائر يرسم ظلالاً باهتة. هناك، عند طرف الفراش، كان يجلس رجل. لم يكن كرم، ولم يكن عبده البواب.
“نورتي بيتك يا هالة.. تأخرتِ في كشف اللعبة.”
تجمدتِ مكانكِ. هذا الصوت تعرفينه، لكنكِ لم تسمعيه منذ سنوات. إنه “مدحت”، شريك كرم القديم الذي سُجن بسبب قضية اختلاس وألقى باللوم كله على كرم وقتها.
* “مدحت؟ أنت خرجت إمتى؟ وإيه اللي جابك هنا؟”
* ضحك بصوت خفيض ونهض: “خرجت من شهر، وجيت أخد حقي. كرم مبعش الشقة لنعيمة يا هالة، كرم كان بيمضي لي أنا على بياض عشان يسدد دينه القديم، ونعيمة وعبده كانوا مجرد “كومبارس” عشان يطفشوكِ من الشقة ويخلوكِ تسيبها وتطلبي الطلاق وتتنازلي عن كل حاجة مقابل الفضيحة.. بس غباء كرم خلاه يفتكر إنه يقدر يلعب على الحبلين.”
في تلك اللحظة، فُتح باب الشقة الخارجي بعنف. دخل عبده البواب ومعه اثنان من الغرباء، وكان يحمل كشافاً قوياً وجهه مباشرة نحو الممر.
* “خلصت يا مدحت؟ الباشا كرم اتصل من القسم، بيقول الورق لازم يختفي فوراً، الحكومة جاية تفتش الشقة الصبح بناءً على بلاغ كيد من هالة!”
وجدتِ نفسكِ محاصرة بين نارين؛ مدحت الذي يريد الانتقام من كرم عبركِ، وعبده الذي يريد إخفاء أدلة تزوير كرم قبل أن تصل يد العدالة إليها.
* “هالة..” نادى مدحت بنبرة هادئة ومريبة، “العقد اللي معاكِ في المكتب ده مش هو الحقيقي. الحقيقي تحت السيراميك في ركن الحمام.. المكان اللي كرم كان فاكر إنه أمن مكان في الدنيا. هاتي المفتاح اللي في رقبتك، ونقسم الشقة والفلوس، وأنا أخرجك من هنا ومن قضية التزوير دي زي الشعرة من العجين.”
نظرتِ إليهم جميعاً. الذئاب التي كانت تنهش في حياتكِ لسنوات وأنتِ تظنين أنكِ في أمان. لم تكن مجرد خيانة زوجية، كانت “مؤامرة استيلاء” كاملة الأركان.
فجأة، انطلقت صفارات إنذار الحريق في العمارة كلها. انتشر دخان كثيف بدأ يتسلل من تحت باب الشقة. ارتبك عبده والرجال معه، وتراجع مدحت نحو النافذة.
استغليتِ اللحظة، وبدلاً من الهرب للخارج، ركضتِ نحو الحمام. أغلقتِ الباب على نفسكِ للمرة الثانية في هذه الليلة، لكن هذه المرة كنتِ أنتِ السجينة باختيارك. بدأتِ بخلع بلاطة السيراميك المهتزة بجانب حوض الاستحمام بكل قوتك، وأظافركِ تنزف.
تحت البلاطة، وجدتِ لفافة جلدية سوداء. فتحتيها بسرعة على ضوء هاتفك.. لم تكن عقوداً فقط. كانت “دفاتر” حسابات سرية، وعملات أجنبية، وصوراً لكرم مع أشخاص لم تتخيلي يوماً أن له صلة بهم.
طرق عبده الباب بجنون: “افتحي يا هالة! الدخان هيخنقنا كلنا.. افتحي وادينا الأمانة اللي معاكِ!”
نظرتِ إلى الدفاتر، ثم إلى هاتفك الذي أضاء برسالة من “المحامي”:
**”الكمين نصبناه يا فندم، والقوة تحت العمارة مستنية الإشارة. بس خلي بالك.. كرم مهربش من القسم، كرم “هربوه” وهو دلوقتي في طريقه ليكي.”**
سمعتِ صوت خطوات سريعة على السلم، وصوت كرم يصرخ من الخارج بغلّ لم تعهديه:
**”هالة! لو الورق ده مطلعش، الشقة دي هتبقى قبرك إنتي واللي فيها!”**
أمسكتِ بالولاعة التي كانت مركونة بجانب البخور، ونظرتِ إلى الدفاتر الثمينة..

 

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
78