سلفى حكايات رومانى مكرم 2

صوت السرينة كان بيقرب، وكريم اتجمد مكانه. الحقنة كانت على بعد سنتيمترات من رقبتي. ملامحه اتحولت من الهدوء المرعب لذهول تام، كأنه مكنش مصدق إن “مملكته” السرية ممكن تتهد في لحظة.

كريم همس بغل:

**”مين اللي دلهم؟ مفيش حد يعرف المكان ده غيري أنا وأمي!”**

وفجأة، الباب الحديدي بتاع السرداب اتفتح بقوة، بس اللي دخل مكنش البوليس.. كانت حماتي!

كانت بتنهج، ووشها غرقان مية من المطر، وماسكة في إيدها تليفون كريم القديم. بصت لابنها بنظرة وجع وقالت:

**”أنا اللي بلغت يا كريم.. كفاية لحد كده. أنا سكت على تعذيبك لحسام وقولت حقك ونـ .ـار بتطفيها، وسكت على حبسك لنور وقولت حبك هيصحيها.. لكن توصل إنك تقـ .ـتل روح بريئة عشان تعيش جـ .ـثه؟ لا يا ابني.. لحد هنا والشر لازم يقف.”**

كريم صرخ فيها:

**”إنتي بتخونيني يا أمي؟ بتخوني ابنك عشان خاطر “الخاين” اللي تحت؟”**

حماتي ردت بدموع:

**”أنا بحميك من نفسك! البوليس بره.. اهرب من الباب الخلفي يا كريم، اهرب وسيب البنت دي في حالها.”**

كريم بصلي نظرة أخيرة، نظرة كانت خليط بين الحب المرضي والكره، وفجأة زقني بعيد ورمى الحقنة من إيده وجري ناحية ممر ضيق في آخر السرداب. حماتي جريت عليا وحـ .ـضنتني وهي بتترعش:

**”سامحيني يا بنتي.. كان لازم أحميكي من الأول، بس الخوف من كريم كان لجم لساني.”**

البوليس اقتحم المكان، والإسعاف دخلت بسرعة عشان تتعامل مع حالة “نور” اللي كانت بين الحياة والمـ .ـوت. وأنا كنت واقفة مشلولة، مش قادرة أستوعب إن حياتي كلها كانت مبنية على “بديلة” لجـ .ـثه هامدة.

لما رجعنا البيت مع البوليس، كانت المفاجأة الأكبر في انتظارنا.

أوضة حسام كانت مفتوحة.. والسرير فاضي!

حسام المشلول، اللي بقاله ٣ سنين مبيتحركش من مكانه، مكنش موجود. وعلى السرير كانت فيه ورقة مكتوبة بخط إيد مهزوز بس واضح:

**”كريم مكنش بيعذبني عشان نور وبس يا هناء.. كريم كان بيعذبني عشان أنا “الشاهد” الوحيد على الورق اللي هو زوره عشان يسرق ورث أبويا ويهربه بره مصر. أنا مكنتش مشلول طول الوقت.. أنا كنت بمثل العجز عشان يطمن ويخليني عايش، وعشان أقدر أراقب تحركاته وأعرف مكان نور.. النهاردة اللعبة انتهت، والحساب الحقيقي هيبدأ.”**

في نفس اللحظة، تليفوني رن برقم غريب. فتحت الخط وأنا بترعش، جالي صوت حسام، بس المرة دي صوته كان قوي، مفيش فيه أي بحة عجز:

**”متبكيش يا هناء.. إنتي كنتي الوحيدة اللي عاملتيني كإنسان في البيت ده. كريم مش هيلحق يهرب.. أنا بلغت عن طريقه والموانئ كلها مقفولة في وشّه. بس خلي بالك.. كريم مش هيستسلم بسهولة، والسر اللي في السرداب مكنش كل حاجة..”**

قلت له بصوت متقطع: **”يعني إيه؟ فيه إيه تاني يا حسام؟”**

رد حسام بجملة وقعت عليا كأنها صاعقة:

**”نور اللي شوفتيها في السرداب.. مكنتش نور يا هناء. نور الحقيقية ماتت من يوم الحـ .ـادثة فعلاً.. اللي شوفتيها دي تبقى..”**

وفجأة الخط قطع، وصوت خبط رزعة قوية جت من المطبخ.. بصيت ورايا لقيت كريم واقف، هدومه غرقانة دم، وماسك في إيده مفتاح البيت بتاعي!

وقفت مكاني متجمدة، المطبخ اللي كان رمز للأمان بقى ساحة رعب. كريم كان واقف قدامي، منظره ميقولش إنه بني آدم، شعره منكوش وهدومه متقطعة، والدم اللي على هدومه مكنش باين ده دمه ولا دم حد تاني.

بص لي وضحك ضحكة هادية، أهدى من اللازم، وقال بصوت واطي:

**”فاكرة إن حسام هينقذك؟ حسام طول عمره بيعرف يهرب.. لكن أنا، أنا مبيهربش مني حاجة ملكي. والورقة اللي سابها دي كانت الفخ اللي أكد لي إنك بقيتي معاه ضدي.”**

قرب مني خطوة وهو بيلعب بمفتاح البيت في إيده، وكمل:

**”عايزة تعرفي حسام كان هيقولك إيه قبل ما الخط يقطع؟ كان هيقولك إن البنت اللي تحت دي مش نور.. دي “مريم”، أختك اللي أهلك قالوا لك إنها ماتت وهي صغيرة في الحـ .ـادثة. مريم اللي كانت أغلى من نور عند حسام، وعشان كده كان بيتعذب وهو شايفني بنقل دمها لنور كل يوم.. عشان يحافظ على وهم “الحب” اللي كان في دماغي.”**

الدنيا اسودت في عيني. أختي؟ مريم؟ الذكرى اللي أهلي دفـ .ـنوها من سنين طلعت عايشة وتحت رحمة كريم؟

صرخت فيه بمرارة: **”إنت شيطان! إنت عملت كل ده ليه؟”**

رد ببرود وهو بيقفل باب المطبخ ورانا:

**”عملت ده عشان مفيش حد يسيبني ويمشي. مريم كانت “الخطة البديلة” لو نور ماتت، وإنتي كنتي “الخطة البديلة” لمريم.. أنا مبيضيعش مني حاجة.”**

في لحظة، كريم هجم عليا، مكنش عايز يقـ .ـتلني، كان عايز يسحبني معاه. بس قبل ما إيده تلمسني، باب المطبخ اتكسر بقوة.. ودخل “حسام”.

حسام مكنش ماشي على رجله وبس، ده كان بيتحرك بخفة حد متدرب. مسك كريم من رقبته وزقه بعيد عني، وبدأ صراع بين الأخين.. صراع كان محبوس فيه غل سنين.

حسام وهو بيضـ .ـرب كريم قاله:

**”الورث ميهمنيش يا كريم.. مريم هي اللي تهمني. أنا مثلت الشلل والذل عشان أفضل جنبها، عشان أحميها من حقنك وسمومك.. والنهاردة أنا اللي هنهي حكايتك.”**

كريم طلع مطواة من جيبه وغرسها في كتف حسام، حسام متوجعش، كأنه مابقاش يحس بالألم، وفضل ضاغط على رقبة كريم لحد ما وشه بدأ يزرق.

أنا كنت واقفة في النص، مش عارفة أساعد مين ولا أهرب فين. وفجأة، لمحت خيال في الصالة.. حماتي كانت واقفة ومعاها “جالون” بنزين.

بصت لي بعيون ميتة وقالت:

**”البيت ده لازم يتطهر يا هناء. الشر اللي زرعته هنا لازم يتحرق.. اطلعي بره.”**

وبدأت تدلق البنزين في كل حتة، على السجاد، على الستاير، وعلى الأخين اللي بيخلصوا على بعض في الأرض.

حسام صرخ فيا: **”اجري يا هناء! مريم في العربية بره مع الإسعاف.. اجري وعيشي حياتك!”**

جريت وأنا سامعة صوت عود الكبريت وهو بيولع.. وصوت ضحكة كريم المرعبة وهي بتختلط بصراخ حماتي.

طلعت الشارع، المطر كان لسه بينزل، وشفت عربية الإسعاف فعلاً واقفة بعيد. جريت عليها وفتحت الباب، وشفت بنت وشها شاحب جداً بس ملامحها هي ملامحي.. مريم.

بصت لي بضعف وابتسمت وقالت كلمة واحدة:

**”هناء..”**

وقبل ما أرد عليها، انفجار هز المنطقة كلها.. بيت كريم بقى كتلة نـ .ـار وسحاب أسود مالي السما.

وقفت وأنا ماسكة إيد مريم، وببص للنـ .ـار وهي بتاكل كل الأسرار والجروح.. بس فجأة، لمحت خيال حد خارج من وسط الدخان من الباب الخلفي للبيت.. حد طويل، وماشي بخطوات ثابتة، ومستني اللحظة اللي الدنيا تضلم فيها أكتر عشان يختفي.

هل ده حسام؟ ولا كريم قدر يهرب؟

الخيال اللي كان خارج من الدخان مكنش مجرد شخص هربان، ده كان كابـ .ـوس جديد بيبدأ. الشخص ده وقف بعيد، تحت عمود نور مطفي، وبص ناحية عربية الإسعاف اللي أنا فيها. المطر غسل الرماد اللي على وشه، ولثانية واحدة شفت ملامحه.. كان “حسام”.

بس مكنش حسام اللي أعرفه. مكنش الشخص اللي دافع عني في المطبخ. كانت ملامحه باردة، خالية من أي وجع أو شفقة، وكأنه ساب إنسانيته جوه النـ .ـار مع أخوه وأمه. شاور لي بإيده إشارة غريبة، كأنه بيودعني، واختفى في وسط البيوت الضلمة.

عدى أسبوع على الحـ .ـادثة. القاهرة كانت لسه بتتكلم عن “بيت الرعب” اللي ولع في نص الليل. مريم كانت في المستشفى، الدكاترة قالوا إن حالتها صعبة بس مستقرة، السموم اللي كريم كان بيحقنها بيها كانت بتدمر أعصابها بالراحة، بس هي كانت أقوى منه.. كانت بتتمسك بالحياة عشان شافتني.

أنا كنت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها، لما دخل عليّ ضابط المباحث اللي ماسك القضية. وشه كان عليه علامات الحيرة.

قالي بهدوء: **”مدام هناء.. إحنا لقينا جثتين في البيت. جـ .ـثه الست الكبيرة “حماتك”، وجـ .ـثه تانية متفحمة تماماً في المطبخ، التحاليل أكدت إنها لـ “كريم”.”**

سألته برعشة: **”وحسام؟”**

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
68