كريم قرب منها بخطوات مهزوزة وهمس بصوت واطي:
— “نادية.. إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟ ده مقام عزا.. تعالي نتكلم في البيت وفضي الفضيحة دي.”
نادية ضحكت ضحكة قصيرة مريرة ورفعت الميكروفون تاني:
**— “البيت؟ قصدك الفيلا اللي بابا كاتبها باسمي؟ ولا العربيات اللي لسه أقساطها بتتدفع من حساب شركتي؟”**
بصت للجمهور وكملت:
— “أبويا علمني إن الحق لازم يتقال في النور.. وعشان كده، وفي حضور كل الشهود دول، وبما إننا في مقام وداع راجل عاش شريف ومات شريف.. أحب أعلن إن من اللحظة دي، كريم منصور ملوش أي صلة بشركات ‘الحاج حسن’، ولا بيا.. وقضية الخلع والتحويل للنيابة بتهمة الاختلاس هتتقدم الصبح.”
ريهام هنا ما قدرتش تسكت، وقفت وبكل بجاحة قالت:
— “إنتي فاكرة إنك كده بتكسرينا؟ كريم بيحبني أنا.. والفستان ده هو اللي جابهولي وقالي إنه لايق عليا أكتر منك!”
نادية بصت لها من فوق لتحت بهدوء يقـ,ـتل:
**— “الفستان ده فعلًا لايق عليكي يا ريهام.. لأنه مسروق، وإنتي زيه.. حاجة رخيصة متدارية في قماش غالي. والمرة الجاية لما تحبي تسـ,ـرقي حياة حد، ابقي اتأكدي إن اللي بتسـ,ـرقيه منه مش هو اللي بيمتلك مفاتيح السجن اللي هتدخلي فيه.”**
خالتها سعاد وقفت فجأة، وبإشارة منها، دخل اتنين من أمن القاعة.
— “اتفضلوا بره.. العزا ده للأحرار بس.”
كريم حاول يمسك إيد نادية للمرة الأخيرة، يتوسل، يبرر، لكنها شدت إيدها بقوة وبصت للنعش.. حست بروح أبوها بتطبطب على كتفها.
خرج كريم وهو بيجر ريهام وراه، اللي كانت بتحاول تداري وشها من فلاشات الموبايلات اللي بدأت تصور “الفضيحة”.
رجعت نادية قعدت في الصف الأول.. المكان اللي كان محجوز ليها.
حطت إيدها على الكرسي الفاضي اللي كان المفروض كريم يقعد عليه، وهمست لنفسها:
**— “بدأنا يا بابا.. والتقرير اللي سبتهولي، كان أول مسمار في نعشهم هما.”**
لكن وهي بتقفل شنطتها، لمحت ورقة تانية جوه التقرير ما كانتش شافتها.. ورقة مكتوب فيها:
*”يا بنتي.. الخـ,ـيانة كان ليها طرف ثالث إنتي لسه ما عرفتيهوش.. الطرف اللي كان بيوصل لكريم أسرار تفاصيل حياتك اليومية.”*
رعشة خفيفة هزت جسم نادية.. مين اللي جوه البيت كان بيخونها مع كريم؟
**
نادية فضلت قاعدة، عينها على النعش وعقلها بيلف في دوامة من الوجوه. “طرف تالت؟” مين اللي ممكن يدخل بيتها، يعرف مكان فستانها الغالي، ويسرّب تفاصيل حياتها لكريم وريهام؟
خلص العزاء، والناس بدأت تنسحب، بس نظرات الشفقة الممزوجة بالذهول كانت لسه محاوطاها. خالتها سعاد قربت منها، حطت إيدها على كتفها وقالت بنبرة فيها حنان غريب:
— “قومي يا نادية.. القعدة هنا مش هتفيدك، لازم تروحي ترتاحي عشان تعرفي تفكري.”
نادية بصت لعين خالتها قوي. سعاد هي اللي كانت بتدير البيت مع نادية بعد وفاة والدتها من سنين.. هي اللي معاها نسخة من كل مفاتيح الشقة.. وهي اللي كانت دايمًا تدافع عن كريم وتقول لنادية “استحملي، الراجل طبعه حامي”.
— “هروح يا خالتي.. بس مش هروح بيتي.”
— “أمال هتروحي فين يا بنتي؟”
— “هروح بيت بابا القديم.. المكان اللي كريم ما يعرفش طريقه.”
نادية ركبت عربيتها، وبالها مش مع كريم ولا ريهام، بالها مع الورقة اللي سابها أبوها. وصلت البيت القديم، ريحة الخشب والتراب والذكريات كانت مالية المكان. فتحت التقرير الكامل اللي كان والدها محضره، وبدأت تقلب في الصفحات الأخيرة اللي ما لحقتش تقراها في القاعة.
وقعت منها صورة..
صورة لكريم وهو قاعد في مطعم، ومعاه واحدة مدية ضهرها للكاميرا.. بس لابسة “سلسلة” دهب مميزة جدًا. نادية عرفت السلسلة دي فورًا. دي السلسلة اللي نادية جابتها هدية لـ **”منى”**.. صاحبة عمرها، ومديرة مكتبها في الشركة.
نادية حست إن الأرض بتهتز تحتها. منى؟ اللي كانت بتعيط معاها كل ما كريم يزعلها؟ اللي كانت بتدخل أوضة نومها وتساعدها ترتب الهدوم؟
تليفونها رن.. كان رقم مجهول.
ردت بصوت متحشرج:
— “أيوة؟”
جالها صوت كريم، بس المرة دي ما كانش فيه خوف، كان فيه نبرة تهديد صريحة:
— “برافو يا نادية.. عملتي نمرة حلوة في العزا. بس افتكري إن ‘الفستان’ اللي شوفتيه على ريهام، مش هو الحاجة الوحيدة اللي ضاعت منك. التقرير اللي معاكي ده ملهوش قيمة قانونية، لكن الورق اللي منى مضّتِك عليه الأسبوع اللي فات وانتي بتعيطي على أبوكي.. هو ده اللي ليه قيمة.”
نادية كتمت أنفاسها. افتكرت لما منى جابت لها ورق “إداري” بخصوص الشركة وهي في قمة انهيارها، وقالت لها “مضي يا نادية عشان الشغل ما يقفش وباباكي يرتاح في تربته”.
— “إنت ومنى؟” نادية قالتها وهي بتحاول تمنع دموعها.
— “منى كانت أذكى منك يا نادية.. عرفت إنك مش مقدرة قيمة الإمبراطورية اللي أبوكي سابها، فقررت تساعدني ناخدها. ريهام كانت مجرد ‘واجهة’ عشان إنتي تشكي فيها هي وتسيبي منى في ضهرك. الفستان؟ منى هي اللي ادته لـ ريهام عشان تستفزك في العزا وتعملي الفضيحة اللي عملتيها.. وبكده نثبت قدام المحكمة إنك غير متزنة نفسيًا بعد وفاة والدك، والوصاية على أملاكك تبقى ليا.”
ضحكة كريم كانت زي الخنجر في قلبها.
— “ليلتك سعيدة يا نادية.. أو اللي فاضل منها.”
قفل الخط، ونادية لقت نفسها لوحدها في البيت القديم، محاصرة بين خـ,ـيانة جوزها، وقذارة صاحبة عمرها، وضياع شقا عمر أبوها.
بصت لصورة أبوها اللي متعلقة على الحيطة.. كان باصص لها بنظرة حادة، وكأنه بيقولها: “أنا ما مـ,ـوتش يا نادية.. أنا سايب لك السـ,ـلاح في المكتبة”.
قامت بسرعة، وراحت للمكتبة الخشب الكبيرة، بدأت تدور ورا الكتب القديمة، لحد ما لقت “خزنة” صغيرة مخفية ورا مجلدات القانون. فتحتها بالرقم السري اللي هو تاريخ ميلادها..
جوة الخزنة، لقت “فلاشة” (USB) وعليها ورقة صغيرة بخط يد والدها:
**”لو فتحتي الخزنة دي، يبقى كريم خانك ومنى غدرت بيكي. الفلاشة دي عليها تسجيلات كاميرات المكتب اللي منى ما تعرفش عنها حاجة.. وتسجيل لاتفاقهم هما الاتنين عليكي من سنة فات.”**
نادية مسحت دموعها بقوة، وعينيها لمعت بذكاء أبوها.
— “لعبة الوصاية؟ ماشي يا كريم.. إنت ومنى حفرتوا قبركم بإيدكم، والفستان الأزرق اللي ريهام لبسته.. هيكون هو البدلة اللي هتلبسوها في القفص.”
مسكت تليفونها واتصلت برقم واحد بس.. **”المحامي العام”**، صديق والدها القديم.
— “سيادة المستشار.. أنا نادية حسن. محتاجة أقدم بلاغ بتزوير واستيلاء.. ومعايا الدليل.”
**نادية بدأت الهجوم.. بس هل كريم ومنى هيسكتوا؟ وإيه السر اللي ريهام لسه مخبياه وممكن يقلب الطرابيزة على الكل؟**