فستانها الأزرق حكايات اسما السيد 1

شافت في فستانها الأزرق اللي كان ضايع على عشـ,ـيقة جوزها في عزا ابوها بكل بجاحه..

قاعدة في الصف الأول… وماسكة إيد جوزها بكل ثقة، كأنها صاحبة المكان…أيام… ونادية بتقلب الدنيا عليه.

فتحت الدولاب كله، قلبت الشنط، سألت في المغسلة، وحتى بدأت تشك في نفسها.

بس الفستان ده ماكانش أي فستان.

ده أبوها هو اللي عامله مخصوص ليها في عيد ميلادها الأربعين… قماش مستورد، تفصيل على جسمها بالظبط، وحبات كريستال صغيرة متخيطة حوالين الرقبة بإيد.

ولما شافته بيلمع تحت نور شبابيك مسجد الرحمن… والضوء بيكسره كأنه بيتريق عليها… فهمت في لحظة كل حاجة:

مين سـ,ـرقه… ومن إمتى وهي عايشة مغفلة.

— إنتي بتعملي إيه هنا؟ — قالتها بصوت عالي، وهي واقفة في نص الممر، مش فارق معاها مين بيسمع.

ريهام شوقي لفت ببطء… كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.

عندها 28 سنة، ابتسامة مصطنعة، وثقة زيادة عن اللزوم… الثقة اللي بتيجي لما تكون وراكي راجل ضعيف.

كانت شغالة في قسم التسويق في شركة جوز نادية… وواضح إن ترقيتها ما كانتش في الورق بس.

— نادية… بجد مش وقته خالص إنك تتعصبي — قالت بنعومة مستفزة — كريم قالي إنك تعبانة نفسيًا شوية… أنا جيت أسانده. في الأوقات دي… العيلة لازم تبقى مع بعض.

كلمة العيلة دوّت في ودنها أكتر من أي حاجة.

— عيلة؟!

ريهام ما اتكسفتش… بالعكس. مسكت إيد كريم أكتر، وقالت بصوت مسموع لكل اللي حواليهم:

— آه طبعًا… أنا وكريم بقالنا تقريبًا سنة مع بعض… يعني خلاص، بقيت واحدة من العيلة.

حسّت نادية إن في حاجة اتكسرت جواها.

سنة؟

يعني كل حاجة بدأت تتجمع في دماغها…

رحلة دبي اللي كان بيرد فيها على “شغل مهم”،

سهرات العملاء اللي كانت بتمتد للفجر،

والاجتماعات اللي فجأة بقت محتاجة برفان غالي وهدوم جديدة.

— إنتي لابسة فستاني — قالتها فجأة… حتى هي استغربت إن ده أول رد فعل طلع منها.

ريهام وقفت… ولفت نص لفة خفيفة، خليت الفستان ينزل عليها بثقة واستفزاز.

— ده؟ كريم قالي إنك مش بتلبسيه خلاص… حرام الحاجة الحلوة تفضل محبوسة.

ساعتها نادية بصت لجوزها.

مش بصّة عابرة…

بصّة واحدة في عينه.

كريم منصور… جوزها بقاله 15 سنة…

الراجل اللي كان جنبها لما أبوها تعب…

واللي وعدها عمره ما هيسيبها لوحدها…

ما قدرش يبص لها.

فضل باصص في الأرض… كأنه بيدور على مخرج.

في اللحظة دي… ظهرت خالتها سعاد… بالطرحة السودة ونظرة نار في عينيها.

— العزاء هيبدأ — قالت بهدوء تقيل — تعالي يا بنتي.

شدتها وقعدتها في الصف الأول…

بس مكانها جنب جوزها… كان متاخد.

من الست اللي لابسة فستانها… وعايشة نص حياتها.

نادية قعدت وراهم مباشرة… شايفة كل حاجة…

شايفة ريهام وهي ميلة على كريم، وبتتكلم معاه بقرب يخنق.

وأمامهم… كان نعش أبوها.

بدأ الشيخ محمود الكلام…

اتكلم عن الحاج حسن… عن هيبته، عن عدله، عن الناس اللي وقف جنبهم، وعن الطلبة اللي ساعدهم.

كل كلمة كانت بتوجع نادية أكتر.

أبوها كان راجل صعب… آه…

بس عمره ما خان.

كان دايمًا يقول:

“الغلط يتغفر… بس الخـ,ـيانة لأ.”

افتكرت يوم ما كريم جه يطلب إيدها…

أبوها ما سألش كتير… خده على القهوة وقعد معاه ساعات.

ولما رجع… قالها:

“الراجل ده يا بنتي… يا هيصونك… يا هيكسرك.”

وقتها ضحكت.

دلوقتي فهمت.

الكلام خلص… والناس بدأت تقول كلمات الوداع.

اتكلم واحد من صحاب أبوها…

واتكلم قريب ليهم…

وبعدين… نادى عليها.

قامت… رجليها بتترعش… بس مشيت.

عدّت جنب كريم…

المرة دي… بص لها.

بس ماكانش في عينه ندم…

كان في خوف.

وقفت قدام المايك… والقاعة كلها ساكتة.

ناس مهمة… رجال أعمال… قضاة… قرايب… جيران…

أبوها ماكانش شخص عادي.

نادية فتحت الورق… بس صوتها طلع ثابت:

— بابا كلمني من يومين…

الكل سكت أكتر.

— كان تعبان… بس قاللي حاجة غريبة… قاللي إنه جاب واحد يراقب جوزي.

همهمة خفيفة انتشرت.

كريم شد نفسه فجأة.

— ما فهمتش وقتها… بس لما التقرير وصل…

رفعت عينيها… وبصت له مباشرة وقالت…

بصت له مباشرة وقالت بصوت شق سكون القاعة زي الطلقة:

**— “لما التقرير وصل يا كريم، بابا قالي إن اللي بيخون عهده مع اللي أكل معاهم عيش وملح، ما يتؤمنش على قرش واحد من شقايا.. ولا مليم من ورثي.”**

ساد صمت مرعب، لدرجة إن صوت أنفاس ريهام المذعورة كان مسموع. كريم حاول يقوم، وشه اتخطف وبقى لونه باهت زي الورق، لسه هيفتح بقه يتكلم، نادية كملت ببرود الجليد:

— “التقرير ماكانش فيه صور خروجاتكم بس، التقرير كان فيه كشوفات الحسابات اللي اتسربت من ورايا لشركة المنافسين، والعمولات اللي كنت بتاخدها من تحت الترابيزة باسم ‘ريهام شوقي’.. السكرتيرة اللي لابسة فستاني دلوقتي.”

بدأت الوشوشات تعلى، والعيون كلها اتوجهت لكريم وريهام بنظرات احتقار. ريهام حاولت تداري وشها، لكن الفستان الأزرق اللي كان بيلمع تحت الضوء بقى كأنه “كفن” لسمعتها في وسط مجتمع رجال الأعمال والقضاة اللي واقفين.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
42