حكايات اسما السيد.

لكن آدم فاجئها.. سجل لها المقابلة بالصوت والصورة، وبعتها لي في رسالة: “شوفي أهلك اللي كنتي خايفة عليهم بيبيعوا بعض إزاي.”

في يوم عاصف، والمطر بينزل بنفس القوة اللي نزل بيها يوم طردي، آدم طلب يقابلني في جنينة الفيلا.. نفس المكان اللي شافت فيه ندى الذل.

كان واقف لابس معطفه الأسود الطويل، وباصص للأرض الطين اللي كانت غرقانة بالدموع والذكريات. أول ما قربت منه، لف وابتسم ابتسامة فيها حزن وغرابة:

“عارفة يا ندى.. كريم مكنش بس أخويا من بعيد، كريم كان صاحبي الوحيد في الغربة.. كان بيحكيلي عنك في جواباته كأنك ملاك بعته ربنا عشان ينقذه من جحيم أهله.”

بصيت له بدهشة: “يعني إنت مكنتش جاي عشان الورث من الأول؟”

آدم قرب خطوة، وطلع من جيبه “سلسلة” دهب رقيقة جدًا، كانت مكسورة:

“دي السلسلة اللي كريم جابها لك في أول عيد جواز وشلتيها عشان خفتي تضيع.. رانيا س,,رقتها منه وهو بيم,,وت، وأنا رجعتها النهاردة.. بعد ما خليتها تمضي على تنازل نهائي عن كل قضية رفعتها عليكي مقابل إني ما أسج,,نهاش بتهمة الس,,رقة والابتزاز.”

حسيت بقلبي بيوجعني.. الحقيقة كانت أصعب مما تخيلت. آدم كمل بلهجة حاسمة:

“بكرة الصبح، فيه اجتماع مجلس إدارة.. سهير ورانيا هيحضروا عشان يمضوا على خروجهم الأبدي من عيلة العزايزي.. بس فيه سر واحد لسه مخبيه عليكي.. سر لو عرفتيه، ممكن يغير رأيك في كل اللي حصل.. وفيّ أنا شخصياً.”

رعشة مشيت في جسمي: “سر إيه يا آدم؟”

بص في عيني وقال بجمود:

“كريم ممتش م,,وتة طبيعية يا ندى.. كريم ات-,,- بالبطيء.. والسر ده موجود في علبة الدوا اللي مدام سهير كانت بتديهاله كل يوم على إنه فيتامينات.”

الصمت نزل علينا زي الجبل.. المطر زاد، وأنا حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي. القاتل مكنش غريب.. القاتل كان “الأم” اللي بكيت في جنازة ابنها وهي بتخطط إزاي تطردني.

آدم مسك إيدي بقوة: “بكرة.. في الاجتماع.. هننهي الحكاية دي للأبد. بس لازم تكوني قوية.. لأن المواجهة المرة دي مش هتكون بالفلوس.. هتكون بالدم.”

دخلت قاعة الاجتماعات في الطابق الأخير من شركة “العزايزي”، الجو كان مشحوناً بريحة التوتر والخوف. سهير ورانيا كانوا قاعدين ببرود مصطنع، ومعاهم محامي بيحاول يداري ارتباكه.

أول ما قعدت، آدم حط علبة دواء صغيرة على التربيزة، وساد صمت قاتل.

سهير وشها بقى زي الأموات، وحاولت تتكلم: “إيه ده يا آدم؟ إحنا جايين نمضي ورق التنازل ونمشي، مش فاضيين للعب العيال.”

آدم بص لها ببرود مرعب وقال: “دي العلبة اللي كانت في كومودينو كريم.. التحليل المعملي أثبت إنها مش فيتامينات، ده سم كيميائي بيسبب هبوط تدريجي في عضلة القلب.. مفعوله بيبان بعد شهور، ومبيظهرش في تحليل السموم العادي إلا لو دورنا عليه بالاسم.”

رانيا صرخت: “إنت بتخرف بتقول إيه؟ إنت عايز تلفق لنا تهمة عشان تاخد كل حاجة؟”

قمت من مكاني، وسندت بإيدي على التربيزة وقربت من سهير اللي كانت بتترعش:

“كنتي بتديهوله بإيدك يا مدام سهير.. كنتي بتبوسيه وتديله السم وتقولي له ‘اشرب يا حبيبي عشان صحتك’. للدرجة دي كان قلبك حجر؟ للدرجة دي الفلوس أهم عندك من ضناك؟”

سهير انهارت فجأة وبدأت تصرخ بهستيريا:

“كان عايز يكتب لها كل حاجة! كان عايز يسيب ثروة العزايزي لواحدة ممرضة مجهولة! كان هيضيع مجهود سنين وتعب أبوه عشان خاطر عينيكي! كان لازم أمنعه.. هو اللي اختارها عليا!”

الاعتراف نزل كأنه صاعقة. آدم كان مسجل كل كلمة، ورجال الشرطة دخلوا القاعة في اللحظة دي. رانيا بدأت تصوت وتستخبى ورا الكرسي، وسهير استسلمت للكلبشات وهي بتبص لي بنظرة غل أخيرة وقالت: “برضه مكسبيتيش يا ندى.. كريم راح خلاص!”

بصيت لها بدموع محبوسة وقلت بكلمة واحدة:

“كريم مراحش.. كريم ساب لي حقه، وساب لي راجل يحميه.”

بعد شهر..

وقفت قدام قب,,ر كريم، المرة دي مكنتش لوحدي. آدم كان واقف بعيد بيديلي مساحتي.

حطيت ورد أبيض، وبصيت للسما وقلت له: “حقك رجع يا كريم.. والشر اللي كان حواليك اتح,,رق.”

آدم قرب مني ومد إيده:

“ندى.. الشركات دلوقتي ملكك، والفيلا ملكك.. أنا مهمتي خلصت هنا، ولازم أرجع أمريكا أصفي شغل والدي.”

بصيت لإيده، وبعدين بصيت في عينه اللي كانت مليانة حنان مكنتش بشوفه غير في عين كريم:

“واللي بدأناه هنا يا آدم؟ الإمبراطورية اللي بنيناها في الـ6 شهور دول؟”

ابتسم وقال: “الإمبراطورية محتاجة ‘صاحبة مكان’ قوية زيك.. وأنا هكون موجود دايماً، كشريك.. وكأكتر من شريك لو سمحتي لي.”

مشيت معاه ناحية العربية، المطر بدأ ينزل تاني.. بس المرة دي مكنش بيدخل في العظم، كان بيغسل وجع السنين. ركبت العربية “المايباخ”، وبصيت لفيلا التجمع لآخر مرة وأنا عارفة إن ندى الفقيرة م,,اتت مع المطر القديم، والنهاردة ولدت “ندى العزايزي”.. الست اللي مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها تاني.

**تمت.**

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
14