زياد بص لي وابتسم ابتسامة هادية جداً، وقالي: “اضغطي عليه يا ماما. النهاية لازم تكون هنا. متبقيش عليا.. أنا تعبت من الهروب من جسم لجسم.”
كارل صرخ: “لأ يا ماري! لو عملتي كدة هتق,تلي ابننا للمرة التانية! سيبيه يعيش، وتعالي نبدأ من جديد بالفلوس اللي معانا!”
وقفت في نص المسافة بين جوزي اللي خانني، وبين ابني اللي عايز ينت,حر عشان ينهي الكابوس. إيدي كانت فوق الزرار الأحمر.. ودموعي نازلة على الصندوق.
وفجأة، سمعت صوت تالت جاي من ورا كارل.. صوت دانيال “الشاب” اللي المفروض م,ات في الحر,يقة!
كان واقف ورا كارل وساند سك,ينة على رقبته، وقال بصوت جهوري:
“القرار مش لماري يا كارل.. القرار ليا أنا. والنسخة اللي قدامك دي يا ماما.. مجرد طُعم!”
بصيت للطفل زياد، لقيت ملامحه بتدوب كأنها شمع!
تراجعت للخلف وأنا أصرخ عندما رأيت ملامح الطفل “زياد” تذوب وتتلاشى كدخان بارد، لم يكن طفلاً حقيقياً، بل كان “هولوجرام” متطوراً، تقنية بصرية فائقة من صنع المنظمة لإغوائي بالوصول إلى القب,ر.
دانيال “الشاب” الذي ظهر فجأة خلف كارل، ضغط على السك,ينة فوق رقبة والده وقال بمرارة: “اللعبة انتهت يا كارل. المنظمة استخدمت ماري عشان توصل للصندوق، وإنت استخدمت ماري عشان تحمي نفسك.. لكن أنا الوحيد اللي موجود هنا عشان أنهي القصة دي.”
كارل كان يرتجف على كرسيه المتحرك، وبدأ يصرخ: “دانيال، أنا أبوك! أنا عملت كل ده عشانك!”
دانيال رد بقسوة: “أبويا م,ات يوم ما خبطته بالعربية ومخفتش غير على نفسك. أنا دلوقتي مجرد بقايا تجاربكم.”
التفت إليّ دانيال وعيناه (الزرقاء والبنية) تفيضان بالدموع لأول مرة: “أمي.. الصندوق اللي تحت إيدك مش بس فيه أكواد النسخ، ده فيه ‘الذكريات الأصلية’ اللي س,رقوها مني. لو ضغطتي على الزرار، المعمل الرئيسي للمنظمة هينفجر، وكل الأبحاث دي هتتمسح من الوجود.. ومعاها أنا كمان هختفي، لأن حياتي دلوقتي مرتبطة بالسيرفر ده.”
نظرت إلى الصندوق، ثم إلى ابني الذي كبر في الغربة والألم، وإلى زوجي الذي عاش في الكذب. شعرت ببرودة المفتاح تحت إصبعي. كان الخيار بين أن يظل ابني “نسخة” معذبة للأبد، أو أن أحرره وأفقد أثره للمرة الأخيرة.
“أنا بحبك يا دانيال،” همست بصوت مكسور.
ابتسم دانيال ابتسامة حقيقية، تشبه تلك التي كان يبتسمها وهو يلعب بالكرة، وقال: “وأنا بحبك يا ماما.. دلوقتي، خليني أرتاح.”
غمضت عيني وضغطت بكل قوتي على الزرار الأحمر.
في لحظة واحدة، انطلق صوت طنين حاد من الصندوق، واهتزت الأرض تحتنا. فجأة، بدأت النسخ والرجال المسلحون يتساقطون كأن أرواحهم سُحبت منهم. كارل وقع من على كرسيه وهو يلهث، والمنظمة التي كانت تراقبنا عبر الأقمار الصناعية فقدت السيطرة على كل شيء.
نظرت باتجاه دانيال.. كان يتلاشى ببطء، يتحول إلى نقاط ضوئية صغيرة. قبل أن يختفي تماماً، جرى نحوي وضمني بقوة، شعرت بدفئه للحظة واحدة، همس في أذني: “روحي لمدرسة (عين شمس) القديمة.. تحت الشجرة الكبيرة، هتلاقي ذكراكي الحقيقية.”
واختفى كل شيء.
استيقظت والشرطة الحقيقية تحاصر المكان، كارل تم القب,ض عليه بتهمة التلاعب الجيني والق,تل غير العمد والتستر على جرائم دولية. المنظمة تم تفكيكها بعد انفجار معملها السري نتيجة الضغط على الزرار.
بعد شهور، ذهبت لمدرسة دانيال القديمة، عند الشجرة التي كان يلعب بجانبها. حفرت قليلاً، فوجدت علبة حديدية صغيرة (صندوق ذكريات) كان دانيال قد دف,نه وهو في السابعة من عمره.
فتحت الصندوق، وجدت فيه صوراً لنا، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخط طفل:
**”لو ضعت في يوم يا ماما، دوري عليا في قلبك.. أنا دايماً هناك.”**
عشت بقية حياتي وحيدة، لكنني كنت أشعر بسلام لأول مرة منذ عشر سنوات. لم يعد هناك نسخ، ولا تجارب، ولا أكاذيب.
في يوم ميلاده الـ 19، كنت أجلس في شرفتي، أشم رائحة “فطيرة التفاح” التي خبزتها لذكراه. فجأة، مر شاب من أمام البيت، توقف للحظة، نظر إليّ وابتسم.. كانت عيناه طبيعيتين تماماً، لكنه غمز لي بعينه اليمنى (الزرقاء في خيالي) وأكمل طريقه وهو يصفر اللحن الذي كان دانيال يحبه.
عرفت حينها أن الروح لا تمو,ت، وأن الحب أقوى من أي تجربة علمية.
**- تمت -**