10 سنين

## الجزء الخامس: سر البدروم

جمدت مكاني والورق بيترعش في إيدي. صوت العياط كان جاي من تحت الأرض، مخنوق وضعيف، كأنه طفل لسه بيتعلم إزاي يطلب المساعدة. نزلت سلم البدروم بخطوات تقيلة، ودقات قلبي كانت أسرع من صوت رجلي على الخشب.

فتحت الباب القديم، ولقيت أوضة صغيرة متقفلة بخشب حديث، وجواها سرير أطفال. طفل صغير، شعره أسود كيرلي، وعينيه… عينيه كانت زرقا تماماً، بيعيط في صمت وهو ماسك اللعبة اللي كانت المفضلة لدانيال وهو صغير.

“إنت مين؟” همست والدموع مغرقة وشي.

قبل ما أقرب منه، ظهرت من ورايا الجارة اللي الظباط سابوها لأنها كانت بتدعي إنها “ضحية”. كانت ماسكة في إيدها حقنة صغيرة، وشكلها اتغير تماماً، ملامح الضعف اختفت وحل مكانها جنون وهوس.

قالت بصوت حاد: “متقربيش منه يا ماري! ده مش ابنك، ولا حتى أخو دانيال.. ده ‘الأمل الأخير’. كارل مكنش بيبيع دانيال بس، كارل كان بيبيع ‘جينات’ العيلة. الطفل ده هو النسخة الأنجح، اللي قدرنا ننتجها من الخلايا اللي أخدناها من دانيال قبل ما يسافر.”

رجعت لورا برعب: “إنتم مجانين؟ ده طفل.. إنسان! إزاي تعملوا كدة؟”

ضحكت بمرارة وقالت: “جوزك كارل كان عارف كل خطوة. الفلوس اللي كنتوا بتعيشوا منها السنين اللي فاتت مكنتش من ‘شغله الإضافي’ زي ما فهمك، دي كانت ‘إيجار’ للبدروم ده وللطفل ده. كارل كان بيخبي النسخ الفاشلة هنا قبل ما نتخلص منها، وده الوحيد اللي نجح.”

فجأة، سمعنا صوت خبط عنيف على شباك البدروم الصغير. بصيت لقيت وجه دانيال بيطل من ورا القزاز! دانيال مهربش من البوليس، دانيال كان “مرتب” مع حد من الظباط عشان يرجع يخلص المهمة.

كسر دانيال القزاز ونط جوه الأوضة ببراعة. الجارة حاولت تغرز الحقنة فيه، بس هو كان أسرع، مسك إيدها ولواها ورمى الحقنة بعيد. بص للطفل الصغير بنظرة مكسورة، وقال لي:

“شوفتي الحقيقة يا ماما؟ البيت ده مكنش بيت، ده كان ‘معمل’ وإحنا مكناش عارفين. كارل مكانش ضحية ظروف، كارل كان شريك أساسي في كل تجربة دمرت حياتي.”

دانيال قرب من الطفل وشاله بحنان غريب، وبص لي وقال:

“البوليس بره بيحاصر المكان، والظابط اللي ساعدني هيدخل دلوقتي. بس فيه حاجة واحدة كارل مقلهاش لسه.. ولا حتى الست دي عارفاها.”

بص للجارة وقال بقسوة: “إنتي فاكرة إن جوزك م,ات في الحا,دثة الأسبوع اللي فات؟ لأ.. جوزك لسه عايش، وهو اللي باعتني هنا عشان آخد ‘النسخة دي’ وأح,رق البيت بكل اللي فيه، عشان يمسح أثر جـ,ـريمته العمر كله.”

وفي اللحظة دي، شميت ريحة جاز قوية جداً بدأت تتسرب من فتحات التكييف في البدروم. النا,ر بدأت تمسك في السقف بسرعة البرق.

دانيال زقني ناحية السلم وهو شايل الطفل: “اطلعي يا ماري! اطلعي بسرعة!”

“وإنت يا دانيال؟” صرخت وأنا شايفة النا,ر بتحاصره.

ابتسم ابتسامة غامضة وقال: “أنا ماليش مكان في العالم ده يا ماما.. أنا مجرد ‘غلطة’ في حساباتهم. بس الطفل ده لازم يعيش.”

طلعت أجري ومعايا الطفل، وقبل ما أوصل للباب الخارجي، شفت عربية سودة واقفة بعيد، وواحد لابس بدلة غالية بيبص للمشهد ببرود.. كان هو “جوز الجارة”، الشخص اللي دانيال قال إنه مام,اتش.

رفع إيده وشاور لي بعلامة “وداع”، وفجأة البيت كله انفجر ورايا!

وقعت على الأرض وأنا حاضنة الطفل، والنا,ر والشرار في كل مكان. وسط الدخان، شفت خيال خارج من وسط النا,ر.. مكنش دانيال، كان حد تاني خالص، لابس لبس غريب وماسك في إيده “شنطة سودا” كانت في الصندوق الحديد!

النا,ر كانت بتآكل كل حاجة، وصوت الانفجار لسه بيصفر في ودني. الشخص اللي خارج من وسط الدخان مكنش ماشي، كان بيجري بهدوء وثبات مرعب. لما قرب مني، النور كشف ملامحه.. كان نسخة طبق الأصل من “كارل” جوزي، بس أصغر بـ 20 سنة!

نفس الملامح، نفس النظرة الباردة، ولابس بدلة سودا مفيهاش خدش واحد رغم الحر,يقة. وقف قدامي وبص للطفل اللي في حض,ني، ومد إيده بالشنطة السودة وقال بصوت ملوش أي تعبير:

“ماري.. الشنطة دي فيها حياتك الجديدة. كارل اللي إنتي تعرفيه انتهى، بس ‘المشروع’ لسه بيبدأ.”

صرخت فيه وأنا برجع لورا والطفل بيعيط برعب: “إنت مين؟ كارل فين؟ ودانيال فين؟”

ضحك ببرود وقال: “أنا النسخة اللي كارل كان بيتمنى يوصل لها. أنا ‘كارل 2.0’. أما جوزك، فهو دلوقتي في عهدة الناس اللي دفعوا تمن حياتكم السنين اللي فاتت، والبوليس اللي شوفتيه بره؟ دول مش بوليس.. دول رجال الأمن بتوع المنظمة.”

بصيت ورايا، لقيت العربيات اللي كنت فاكراها بوليس بدأت تلم الرجالة بتوعهم وبيمسحوا أي أثر للمكان. الجارة كانت مرمية على الأرض، فاقدة الوعي، والراجل اللي في البدلة الغالية اللي كان واقف بعيد قرب مننا.

الراجل بص للنسخة الشابة من كارل وقال: “أخدت اللي إحنا عايزينه؟”

رد “كارل الشاب”: “الأوراق كلها هنا، والطفل ‘زياد’ معايا.”

زياد؟ الطفل اللي في حض,ني بقى اسمه زياد؟

الراجل بص لي وقال بنبرة فيها تهديد مبطن: “ماري.. إنتي شوفتي كتير. قدامك طريقين: يا إما تيجي معانا وتعيشي مع ‘ابنك’ الجديد والنسخة المحسنة من جوزك، يا إما تسيبي الطفل وتختفي، ونعتبر إنك مو,تي في الحر,يقة دي مع دانيال.”

في اللحظة دي، سمعت صوت كحة جاية من وسط الحطام. دانيال!

دانيال خرج من تحت السقف المنهار، هدومه محروقة ووشه متغطي بالدم، بس كان ماسك في إيده “جهاز تحكم” صغير.

بص للراجل وللنسخة الشابة من كارل وقال بصوت متقطع:

“فاكرين إنكم أذكى من القدر؟ إنتو عملتوا نسخ مني ومن أبويا.. بس نسيتوا إن ‘الروح’ مبتتنسخش. أنا زرعت عبوات تانية في العربيات اللي بره.. لو ماري والطفل مخرجوش من هنا في خلال دقيقتين، الشارع كله هينفجر باللي فيه.”

الراجل وشه اتغير وبدأ يتوتر، ودانيال بص لي وقالي بصوت مليان رجاء:

“ماري.. اهربي بالطفل. الشنطة اللي مع الراجل ده فيها جوازات سفر وفلوس كفاية. خديها منه وامشي.. الطفل ده ملوش ذنب يكون ‘تجربة’. ده ابنك فعلاً يا ماري.. ده من دمك ودنيال بجد.”

قمت وقفت، والشنطة كانت قدامي. بصيت لدانيال اللي بيمو,ت، وبصيت للطفل “زياد” اللي باصص لي بعينين دانيال القديمة، وبصيت لـ “كارل الشاب” اللي واقف زي الروبوت.

مديت إيدي وأخدت الشنطة من “كارل الشاب” بقوة، وفي اللحظة دي دانيال ضغط على الزرار.. بس الانفجار مكنش بره!

الانفجار حصل في “كارل الشاب” نفسه! الجهاز اللي دانيال كان ماسكه مكنش بيفجر عربيات، كان بيفجر “الشريحة” اللي مزروعة في النسخ البشرية اللي المنظمة صنعتها.

وسط الفوضى والظ,لمة اللي رجعت تاني، سحبت الطفل وجريت ناحية العربيات اللي بدأت تهرب برعب. ركبت أول عربية لقيت مفتاحها فيها، ودست بنزين بأقصى سرعة وأنا مش عارفة أنا رايحة فين.

بعد ساعة من الجري على الطريق السريع، فتحت الشنطة السودة.. ملقيتش بس فلوس وجوازات سفر.

لقيت “مذكرات” مكتوبة بخط إيد دانيال الصغير.. بس التاريخ اللي مكتوب على أول صفحة كان: **10 أبريل 2026**.. يعني تاريخ النهاردة!

فتحت الصفحة الأولى، ولقيت جملة واحدة مكتوبة بالدم:

**”أنا مش دانيال اللي م,ات من 10 سنين.. أنا دانيال اللي هيتولد كمان 10 سنين. خدي بالك من زياد، لأن زياد هو أنا.. وإحنا الاتنين مجرد بداية.”**

وقفت العربية فجأة في نص الطريق، وبصيت للطفل اللي في الكرسي اللي جنبي.. الطفل بطل عياط، وبص لي وابتسم، وقالي بوضوح تام: “جوعان يا ماما.. عايز فطيرة تفاح.”

ركنت العربية على جانب الطريق، وجسمي كله بيترعش. الكلمة اللي نطقها الطفل “زياد” مكنتش مجرد طلب أكل، دي كانت شفرة كسرت كل القوانين اللي أعرفها عن الحياة. طفل عنده سنتين مبيعرفش يتكلم جمل كاملة، إزاي نطقها بنفس نبرة صوت دانيال القديمة؟

فتحت مذكرات دانيال اللي كانت في الشنطة، وبدأت أقلب الصفحات بسرعة جنونية. الورق مكنش قديم، ده كان ريحته لسه حبر جديد. دانيال كاتب بالتفصيل كل اللي حصل الليلة دي، كأنه كان شايف المستقبل:

*”لو بتقرئي الكلام ده يا ماما، يبقى أنا نجحت في تنفيذ الخطة. ‘زياد’ مش مجرد طفل مستنسخ، زياد هو ‘وعيي’ أنا.. المنظمة قدرت تنقل ذكرياتي لجسم أصغر، بس هما ميعرفوش إني قدرت أتحكم في عملية النقل. أنا دلوقتي جوا جسم الطفل ده، وعقلي القديم بيمو,ت في النا,ر.”*

صرخت وأنا بحدف المذكرات بعيد عني: “لأ.. ده مش حقيقي! إنتو شياطين!”

بصيت للطفل، ملامحه بدأت تتغير قدام عيني.. العين الزرقا بدأت تبهت، والعين البني بدأت تلمع بذكاء ميرعب. زياد قرب إيده الصغيرة من وشي ومسح دموعي وقال بصوت طفولي بس بعقل راجل:

“ماري.. مفيش وقت للانهيار. كارل لسه عايش، والمنظمة مش هتسيب ‘النسخة الناجحة’ تهرب. إحنا لازم نوصل للمكان اللي دانيال الحقيقي مدفون فيه.. القب,ر اللي دف,نتيه من 10 سنين.”

“ليه؟” سألته وصوتي مخنوق.

رد وهو بيبص للطريق: “عشان القب,ر ده مكنش فيه ج,ثة.. كان فيه ‘المفتاح’ اللي هيقفل المعامل دي للأبد. كارل مكنش غبي، هو كان خايف منهم، فخبي ‘السيرفر’ الأساسي بتاع أبحاثهم تحت تابوت ابنه، عشان عارف إن مفيش حد هيجرؤ يفتح قب,ر طفل.”

دورت العربية بذهول، واتجهت للمدافن في نص الليل. الدنيا كانت ضلمة وهسس، والجو برد يقطع العضم. وصلنا للقب,ر، ومسكت الفأس اللي كان في شنطة العربية وبدأت أحفر زي المجنونة. “زياد” كان واقف ورايا بيراقب الطريق بجمود لا يمكن يطلع من طفل.

بعد حفر متواصل، وصلت للتابوت. فتحته بإيد بتترعش، وصوت قلبي كان مسموع في المكان كله. مكنش فيه عضم.. مكنش فيه ج,ثة دانيال.

كان فيه صندوق معدني ضخم، متوصل بأسلاك وبطاريات لسه بتنور بلون أخضر خافت.

فجأة، نوار كشافات قوية ضر,بت في وشنا.

“كنت عارف إنك هتيجي لهنا يا ماري.”

بصيت لمص,در الصوت.. كان كارل! كارل الحقيقي، بس كان قاعد على كرسي متحرك، ونص وشه محروق، ومعاه جيش من الرجالة المسلحين.

كارل كمل كلامه بوجع: “أنا مبعتش ابني يا ماري.. أنا كنت بحاول ‘أخلده’. المنظمة ضحكت عليا، فهموني إن دانيال هيعيش للأبد، بس هما حولوه لسلسلة من التجارب اللي مبتخلصش. الصندوق اللي تحتك ده فيه ‘الأكواد’ بتاعة كل النسخ اللي موجودة في العالم.. لو ضغطتي على الزرار الأحمر، كل نسخة منهم هتمو,ت فوراً، بما فيهم الطفل اللي واقف جنبك.”

بصيت لزياد.. أو دانيال اللي جوا زياد.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
92