حكايات اسما السيد

قربت منها من غير ما أفكر وقلت لها لا يا حبيبتي إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط خالص
سألتني بخوف طب ليه عمو محمود كان هيعيط
اتلفتُّ ناحية محمود لقيته فعلًا عينيه محمرين فابتسمت بالعافية وقلت أصل إحنا كنا بنتكلم في حاجات مهمة شوية
ليان بصت لي ثواني طويلة ثم مدت لي الدبدوب وقالت تمسكيه شوية لحد ما أروح الحمام أصل أنا بخاف حد ياخده
أخدتُه منها وأنا مخضوضة من الثقة الفطرية اللي ادتهالي وبعد ما خرجت مع الممرضة بصيت للدبدوب في إيدي وحسيت إن حياتي كلها اتقسمت قبل اللحظة دي وبعدها
قعدت مع ليان بعدها

ساعة كاملة رغم إني كنت داخلة المكان وأنا متصورة إني هفضح خيـ,ـانة أو هنهار من صدمة إن في ست تانية طلعت في الآخر قاعدة ألوّن مع طفلة مريضة بتتكلم عن القطط والبطاطس المحمرة وكأنها أكبر أحلام الدنيا كانت ذكية جدًا على سنها لكن الكلام بيطلع منها متقطع أوقات وتتعب بسرعة وكانت كل شوية تبص على محمود تطمن إنه موجود فعلًا
قبل ما أمشي سألت الممرضة على جنب عن حالتها فقالت ليان عندها مرض عضلي عصبي نادر ومحتاجة علاج طبيعي مستمر ومتابعة دقيقة وحالتها النفسية كانت سيئة جدًا قبل ما محمود يبدأ ييجي لأنّها كانت رافضة الكلام والأكل ساعات كتير لكن

وجوده فرّق جدًا معاها
سألتها هو قال لكم إني مراته
قالت أيوه إحنا كنا بنقوله من بدري لازم تعرف مراتك لكنه كان متردد جدًا وقال إنه خايف يخسرك لو فهمتيه غلط
ابتسمت ابتسامة مرة وقلت وهو فعلًا كان ممكن يخسرني بسبب الكدب مش بسبب الحقيقة
رجعنا البيت في العربية سوا وأنا سايبة الصمت يتكلم بينا محمود حاول يفتح كلام أكتر من مرة وأنا كنت أرد بإجابات قصيرة لحد ما وصلنا البيت ودخلنا وأنا قلت له إحنا هنتكلم الليلة بعد ما الأولاد يناموا
في المساء قعدنا في البلكونة والبيت كله هادي والهواء ساقع شوية وهو كان واضح

عليه التوتر كأنه مستني حكم محكمة قلت له أول حاجة أنا مش زعلانة إنك ساعدت ليان ولا إنك وقفت جنبها بالعكس أنا زعلانة لأنك ما وثقتش فيا وزعلانة لأنك سيبتني أوصل لفكرة إنك ممكن تخوني بعد العمر ده كله وزعلانة أكتر لأنك خلتني أعرف من كاميرا عربية مش منك
نزل رأسه وقال معاك حق
قلت له لا ما تقوليش معاك حق وبس أنا عايزة أفهم جملة واحدة بس بعد كل السنين دي كلها أنا في نظرك كنت مين علشان تتصور إني ممكن أقول لك سيب البنت دي
محمود سكت وقت طويل وبعدين قال الحقيقة إني ما خفتش من

قسوة قلبك أنا خفت من طيبة قلبك خفت لما تشوفيها تفتحي لها البيت كله وتحطي نفسك في مسؤولية أكبر من طاقتك وخفت أشوفك بتتعبي وإنتِ أصلًا عندك ضغط وسكر وتعبتي مع الولاد والبيت والشغل طول العمر وكنت عايز أشيل أنا الحمل ده لوحدي لكني اكتشفت إني غلطان لما افتكرت إن الحماية معناها إخفاء الحقيقة
الجملة دي لمست حاجة جوايا لكن الوجع ما راحش قلت له ومن النهارده مافيش أسرار من النوع ده تاني ولا حتى لو كنت فاكر إنك بتحميني لأن اللي بيحمي ما يكدبش
قال وهو باصص لي مباشرة أوعدك
سكت شوية وبعدين قال بخوف وأنا عارف

إنك مش مضطرة لكن أنا كنت ناوي أقولك الأسبوع الجاي إنّي بفكر أقدّم طلب كفالة مؤقتة أو على الأقل رعاية منزلية بعض الأيام لأن الدار إمكانياتها ضعيفة وحالة ليان النفسية محتاجة بيت مش مؤسسة
غمضت عيني ثانية وشعرت بوزن الجملة ينزل على كتفي أنا ست في آخر الأربعينات أولادي كبار لكن لسه ليهم طلباتهم وحياتي مستقرة بشكل معين وفجأة يفتح باب لطفلة مريضة محتاجة رعاية خاصة وعلاج ومشاعر وصبر وميزانية وحياة كاملة جديدة
لكن الغريب إن أول صورة جت في بالي ما كانتش عن التعب ولا الفلوس كانت صورة ليان وهي بتسأل بخوف أنا عملت حاجة غلط
فتحت

عيني وقلت له خلينا نفهم الأول إيه الممكن وإيه اللي علينا وإيه الأفضل لها مش عايزين ناخد قرار بعاطفة بس
محمود بص لي بامتنان كأنه كان متوقع أقل من كده بكتير وقال حاضر
الأيام اللي بعد كده كانت مختلفة بشكل غريب وجميل ومؤلم في نفس الوقت رحت معاه السبت اللي بعده وبدأت أتعرف على ليان أكتر جبت لها معايا كيكة صغيرة لأن الممرضة قالت لي إن نفسها في حاجة بالشوكولاتة لكن أسنانها وجسمها ما يساعدوهاش كتير فعملت لها حاجة طرية وخفيفة ولما دوقتها لقيتها بتغمض عينها وتضحك كأنها دخلت الجنة والضحكة دي دخلت قلبي من أوسع باب
بعدها

بأسبوعين كانت بتناديني طنط سلوى من غير تردد وبعد شهر بقت تستناني وتسأل عمو محمود فين طنط سلوى مجتش ليه في الأيام اللي ما بروحش فيها كنت بلاقي نفسي سرحانة فيها وأنا بعمل الأكل أو بطبق الغسيل أو حتى وأنا بصلي

ولادنا الكبار لما عرفوا الحكاية اتصدموا طبعًا من سر أخو أمه ومن كذب أبوهم لكنهم كمان اتأثروا بليان أكتر مما توقعت بنتي ندى راحت مرة وشافت ليان ورجعت تبكي طول الليل وابني كريم بدأ يعرض يوديها جلسات العلاج بعربيته لو احتجنا
أما أنا ومحمود فكان لازم نصلح الشرخ اللي حصل بيننا لأنه ما كانش بسيط في ليلة من الليالي قلت له بصراحة أنا كل ما أفتكر كذبة عم أحمد قلبي يوجعني وما اقدرش أتصرف عادي فقال لي أنا مستعد أفضل أصلح اللي انكسر مهما خدت سنين وأنا عارف إن الثقة مش كلمة تتقال وترجع لوحدها
وكان صادق
بقى

يحكي لي كل صغيرة وكبيرة بوضوح زائد لدرجة أوقات كنت أضحك وأقوله خلاص يا محمود مش لازم تقرير أمني كل يوم لكنه كان بيحاول يثبت لي إن باب السر اتقفل فعلًا
بعد ثلاثة شهور من المتابعة والاستشارات قدرنا ناخد قرار إن ليان تقضي معانا كل يوم جمعة وسبت في البيت كتجربة تحت إشراف الدكاترة والممرضة الاجتماعية أول مرة دخلت فيها بيتنا وهي على كرسيها المتحرك كانت ماسكة في دبدوبها ومتوترة جدًا سألتني وهي على الباب هو أنا ممكن ألمس الحاجات ولا هتتسخ قلت لها وأنا ح*ضناها لوّثي البيت كله يا حبيبتي ده بيتك
اليوم ده ما انساهوش
ندى

علقت لها زينة صغيرة في الأوضة الفاضية وكريم جاب لها جهاز تابلت عليه ألعاب تعليمية ومحمود فضل طول اليوم عامل نفسه جامد لكنه دخل المطبخ مرة وأنا لقيته بيمسح دموعه وبيقول لي أمي لو كانت عاشت وشافت اليوم ده كانت هتمـ,ـوت وهي مرتاحة
في الليل وأنا بغطي ليان لقيتها بتبص لي وقالت طنط سلوى هو لو أنا بقيت تقيلة عليكم هترجعوني
الكلمة كسرتني من جوه قعدت جنبها وقلت لها بصيلي كويس إنتِ مش شنطة حد بيشيلها ويحطها إنتِ بني آدمة وربنا بعتك لينا علشان يبقى لنا نصيب فيكي وليكي نصيب فينا ومحدش هيرجعك في حتة علشان تعبتِ أو مرضتِ

سألتني بعينين مليانين خوف طب ممكن أناديكي ماما سلوى
ماقدرتش أرد من كتر الدموع
حض*نتها وقلت لها ممكن تناديني اللي يريح قلبك
من يومها البيت اتغير فعلًا بقى فيه مواعيد علاج وتمارين وأدوية ورسومات على التلاجة وصوت كرتون في الصبح وأسئلة بريئة بالليل وبقى فيه تعب جديد أيوه لكن معاه رحمة جديدة كانت غايبة عننا كلنا محمود رجع يضحك تاني الضحكة اللي كنت فاكرة إنها ماتت من زمان وأنا كمان حسيت إني رجعت أشوفه بعين مختلفة راجل أخطأ في حقي لما أخفى لكنه ما كانش خاين ولا قليل أصل كان ابنًا يحاول يبرّ وصية أم ماتت بالقهر وأخًا

يحاول يصل رحمًا انقطع ظلمًا وأبًا يحاول يرمم خوف طفلة اتخذلت كتير
لكن رغم كل ده ما كانش الطريق سهل كانت في ليالي بنختلف فيها بسبب الإرهاق أو المصاريف أو الخوف من المستقبل مرة انفجرت فيه وقلت له إنت السبب إننا دخلنا الدوامة دي من غير استعداد كفاية ومرة هو قال لي إنه أحيانًا بيحس بذنب تجاه أمه وتجاه سامح وتجاهنا كلنا وإنه مهما عمل مش هيكفي كنا بنتخانق ونصالح ونتعلم من جديد يعني إيه نبقى فريق فعلًا مش مجرد زوجين عايشين في بيت واحد
بعد ست شهور من الزيارات والتجربة والاستشارات القانونية والطبية جه اليوم اللي المحكمة وافقت

فيه على نقل الرعاية الدائمة المؤقتة لينا لحين استكمال الإجراءات رجعنا من المحكمة وأنا ومحمود وليان في العربية والبنت كانت فرحانة بشكل ما شفتوش عليها قبل كده وقالت لنا دلوقتي أنا عندي بيت رسمي صح فضحك محمود وقال لها رسمي وختمي كمان فقالت وأنا عندي أوضة رسمي فقال لها وعندك دولاب رسمي وكرسي مكتب رسمي قالت وأنا عندي ماما سلوى رسمي
بصيت لها وبعدين بصيت لمحمود

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0