مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 3

بصيت لها وابتسمت بمرارة، وطلعت من جيبي “فلاشة” (وحدة تخزين) كنت أخدتها من مكتب خالي من غير ما حد يحس وأنا بلم الورق.. الفلاشة دي مكتوب عليها بخط إيد خالي: “إلى ابني الذي لم أنجبه.. كريم”.   فتحت اللابتوب وإيدي بتترعش، حطيت الفلاشة والسكوت في الشقة الجديدة كان بيخليني أسمع دقات قلبي. هدير كانت قاعدة جنبي، سانده راسها على كتفي، وعينيها مثبتة على الشاشة وهي بتمسح دموعها بمنديل مبلول. ظهر ملف فيديو وحيد باسم “الوصية الحية”.

ضغطت “Double Click”، وظهر وش خالي.. كان باين عليه التعب، وشه شاحب، وعينيه غارقة، بس كان فيه نظرة هدوء غريبة. بدأ يتكلم وصوته كان بيقطع: * “كريم.. لو بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا خلاص رحت للي خلقني. ويبقى الحقيقة اللي حاولت أداريها سنين طلعت للنور. أنا عارف إن أمك مش هتسكت، وعارف إن طمعها هيخليها تعمل أي حاجة عشان الورث.. بس اللي إنت ما تعرفوش يا كريم، إنك مش مجرد ابن أختي.” بصيت لهدير بذهول، وهي كمان برقت عينيها. خالي كمل وهو بياخد نفسه بالعافية:

* “أنا وأمك مش إخوات شقائق يا كريم.. إحنا إخوات من الأب بس. وأنا كنت عارف إنها بتكرهني عشان أبويا كتب لي كل حاجة قبل ما يموت. بس السر الأكبر.. إنك إنت يا كريم، مش ابن الراجل اللي اتجوزته أمك. إنت ابني أنا!” وقعت الفلاشة من إيدي على الأرض، والدنيا لفت بيا. خالي؟ أبويا؟ خالي كمل في الفيديو وهو بيبكي: * “غلطت غلطة عمري مع أمك في لحظة ضعف وشيطان، ولما حملت فيك، خافت من الفضيحة، فاتجوزت بسرعة الشخص اللي إنت طول عمرك فاكره أبوك.. وأنا سكتت عشان أحميك. هدير هي أختك يا كريم.. أختك من الأب.”

هدير صرخت صرخة مكتومة ووقعت من على الكرسي وهي بتترعش: * “لأ.. مستحيل! يعني بناتي.. بناتي دول إيه؟” اللحظة دي كانت أصعب من الموت. بصيت للبنات وهم نايمين في الأوضة اللي جوه بسلام، مش عارفين إن العالم بتاعهم انهار تماماً. بصيت لهدير اللي بقت “أختي” فجأة، ومراتي، وأم عيالي. * “كريم.. انطق!” هدير كانت بتهزني بهستيريا. “قول إن ده كدب! قول إن خالي كان بيخرف وهو بيموت!” فتحت الفيديو تاني، كأني بدور على قشة غريق. خالي كمل كلامه:

* “عارف إن الصدمة هتدمرك.. بس كان لازم تعرف قبل ما تلمس شعرة من هدير. أنا جوزتها لك عشان كنت فاكر إنك “ابن أختي” بس، وماكنتش متأكد من نسبك ليا بنسبة ١٠٠٪ لحد ما عملت تحليل DNA من وراكم كلكم من سنة.. وطلعت ابني فعلاً. حاولت أمنع الجواز بس أمك هددتني تقتلني.. وفعلاً نفذت تهديدها بالسم.” قمت وقفت وأنا حاسس إني عايز أهد الحيطان. أمي كانت عارفة؟ كانت عارفة إني بتجوز أختي وسكتت عشان الفلوس؟

أمي مش بس قاتلة.. أمي شيطانة بملامح بشر. في اللحظة دي، جالي إشعار على الموبايل.. رسالة من رقم أمي من جوه الحجز: > “فتحت الفلاشة يا كريم؟ شفت الحقيقة؟ دلوقتِ عرفت ليه كان لازم أخلص من خالك؟ عشان السر ده يفضل مدفون.. وعشان إنت وهدير تفضلوا مع بعض والفلوس تفضل في جيبنا. لو كنت سمعت كلامي من الأول، ماكنش كل ده حصل.” > رميت الموبايل في الحيطة بكل قوتي لحد ما اتمهك. بصيت لهدير اللي كانت لسه واقعة على الأرض بتعيط بمرارة.. السواد غطى كل حاجة. الحب اللي بينا بقى “خطيئة”، والبنات اللي حلمنا بيهم بقوا “لعنة” الماضي.

  وقفت في نص الصالة، الحيطان بتلف بيا، وصوت صرخات هدير المكتومة بتقطع في قلبي زي السكاكين. بصيت للفلاشة اللي مرمية على الأرض، وبصيت للبنات وهم نايمين في الأوضة التانية ببراءة ملهومش ذنب فيها. الدنيا اسودت في عيني، وكنت خلاص هفقد عقلي، لولا إني لمحت ملف تاني “مخفي” جوه الفلاشة.. ملف مساحته صغيرة جداً، مكتوب عليه: “التاريخ الحقيقي – اقرأني يا كريم”. فتحت الملف وإيدي بتترعش، وقريت السطور اللي خلتني أقع على ركبي وأنا بنهج:

> “كريم.. أنا عارف إن الفيديو اللي شفته دمرك، وعارف إن أمك شافت نسخة منه وهددتني بيه. بس الحقيقة اللي أمك ما تعرفهاش، إني صورت الفيديو ده وأنا تحت تهديدها! هي اللي أجبرتني أقول إنك ابني عشان تذلني وتمنعني أطالب بحقي فيك أو في هدير.. الحقيقة يا ابني إنك ‘ابن حلال’ وأبوك هو الراجل اللي اتجوز أمك فعلاً، وتحليل الـ DNA اللي عملته وأرفقته في الملف ده بيثبت إن مفيش أي صلة قرابة بينك وبين هدير غير إنكم ولاد خالة.. أمك كانت عايزة تفرقكم أو تكسركم لو فكرتم تخرجوا عن طوعها.. هي كانت الشيطانة اللي رسمت الفيلم ده كله.”

> بصيت لهدير، ورفعت اللابتوب قدام عينيها، وقرأنا التحليل سوا.. النتيجة سلبية 100%. إحنا مش إخوات. الخطيئة كانت مجرد وهم زرعته أمي في دماغ خالي ودماغنا عشان تفضل مسيطرة على الكل بالخوف والفضيحة. خدت هدير في حضني وبكينا بدموع كانت بتغسل كل السواد اللي فات. الفجر بدأ يشقشق، ونور الشمس دخل الشقة الجديدة.. نور حقيقي المرة دي. المشهد الختامي: بعد سنة.. واقف قدام البحر في إسكندرية، ماسك إيد هدير، والبنات بيجروا قدامنا على الرمل. أمي خدت حكمها بالسجن المؤبد، وصلاح لسه بيقضي عقوبته في التزوير والاختلاس.

مبقتش “كريم” القديم اللي بيخاف من الأسرار. بقيت “رومانى مكرم” اللي بيحكي الحكايات عشان الناس تتعلم إن الحق مهما استخبى ورا جبال من الكدب، لازم في يوم يظهر ويحرق اللي بناه. بصيت لهدير وقلت لها: “تفتكري كان ممكن نصدق الكدبة ونضيع؟” ردت بابتسامة صافية: “الحب الحقيقي يا كريم بيبقى عنده حاسة سادسة للصدق.. وأنا قلبي ما صدقش غيرك.” حكمة الحكاية كاملة:

> “لا تبنِ حياتك على أنقاض أسرار الآخرين، فالحقيقة كالبحر؛ مهما حاولت طمرها بالرمال، سيعود الموج يوماً ليكشف كل ما واراه التراب. تذكر دائماً أن أشد أنواع السجون ليس خلف القضبان، بل هو العيش في كذبة صنعها لك غيرك.. فالحرية الحقيقية تبدأ بكلمة صدق، ولو كانت مُرة.” > تمت الحكاية. حكايات رومانى مكرم  

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8