وقفت قدام المحامي فريد وأنا مش مصدق.. صلاح؟ الأخ الحنين؟ السند اللي هدير كانت بتستخبي فيه؟ الاسم في التوكيل كان واضح زي الشمس، وتاريخه قبل وفاة خالي بـ ٢٤ ساعة بس. * “يعني إيه يا أستاذ فريد؟” سألت وصوتي بيترعش من الغضب. “يعني صلاح كان عارف إن هدير بنت خالي من زمان؟ وكان بيقبض ثمن سكوته؟” المحامي هز راسه بأسف:
* “مش بس كدة.. التوكيل ده بيدي له حق التصرف في حسابات خلك ‘السرية’ اللي أمك أصلاً ماكنتش تعرف عنها حاجة. صلاح كان بيمتص ثروة خلك بالراحة وعلى مدار سنين، ولما الحكاية بدأت تطلع للعلن والشرطة ممكن تتدخل، قرر يسحب ‘القرشين اللي فاضلين’ ويهرب.” خرجت من المكتب وأنا حاسس إن العالم كله عبارة عن مسرحية غش. ركبت العربية ورحت لبيت صلاح.. كنت عايز أهده فوق دماغه. دخلت الشقة ولقيتها “مقيرة”.. مفيش حد. الهدوم مش موجودة، والدواليب مفتوحة، وهدير قاعدة في نص الصالة بتبكي وهي ماسكة ورقة في إيدها.
* “راح فين يا هدير؟” زعقت فيها. رفعت عينيها ليا وهي منهارة ورمت لي الورقة: * “سآب لي دي.. وهرب.” قريت الورقة بخط صلاح: > “سامحيني يا هدير.. أنا مش أخوكي، أنا كنت مجرد ‘حارس’ عليكي بأمر من أبوكي. خالي دفع لي كتير عشان أربي بنته وأسكت، وأم كريم دفعت لي أكتر عشان أفضل مراقبك وأخوفك منها. أنا أخدت نصيبي من اللعبة دي وقررت أمشي.. ما تدوريش عليا، وعيشي حياتك مع كريم.. هو الوحيد اللي ‘نضيف’ في القصة دي.”
> رميت الورقة على الأرض. “نضيف”؟ أنا اللي حياتي كلها طلعت مبنية على صفقات وسكوت مدفوع الثمن؟ * “كريم..” هدير قربت مني ومسكت إيدي. “أرجوك.. كفاية. الفلوس تغور، وصلاح يغور، وأمك خلاص بعدت.. خلينا نعيش اللي فاضل لنا في هدوء. البنات مش ذنبهم يعيشوا في الغابة دي.” بصيت في عينيها، وكنت لسه ههدي، لولا إن تليفوني رن برقم “مجهول”. رديت بضيق: * “أيوة؟”
* “أستاذ كريم؟” صوت راجل غريب، هادي ورزين. “أنا المقدم أحمد من مباحث الأموال العامة. إحنا قبضنا على واحد اسمه صلاح وهو بيحاول يهرب برا البلد بمبالغ ضخمة بالعملة الصعبة.. وفي التحقيق، قال كلام خطير جداً يخص ‘واقعة وفاة’ قديمة ويخص والدتك.. ومحتاجين حضرتك وهدير هانم فوراً في المديرية.” بصيت لهدير.. الكابوس اللي افتكرت إنه خلص، طلع لسه في أوله. الحقيقة مش بس بتوجع، الحقيقة “بتسحب” الرجلين للقاع. * “يلا يا هدير..” قلتها وأنا بلبس جاكتي بجمود.
* “على فين يا كريم؟” * “على المحطة الأخيرة.. عشان الحساب يقفل على الكل، وما يبقاش فيه ‘وليس الأخير’ تاني.” وصلنا المديرية، ودخلنا مكتب المقدم أحمد. صلاح كان قاعد في الركن، متبلنش بالكلبشات، ووشه في الأرض. والمفاجأة.. إن أمي كانت قاعدة على الكرسي التاني، ووراها عسكري، وشكلها كبر ٢٠ سنة في ليلة واحدة. المقدم أحمد بص لنا وقال: * “صلاح اعترف بكل حاجة.. بس فيه مفاجأة تانية خلتنا نفتح ملف القضية من أول وجديد.. تقرير الطب الشرعي لوفاة خالك اللي اتقدم زمان، تم تبديله.. والحقيقة اللي في التقرير الأصلي بتقول إن خلك ‘ماتش’ مخنوق بالغاز، ولا مات من الخبطة..”
حبست نفسي.. “مال مات من إيه؟” المقدم أحمد بص لأمي وقال بأسى: * “مات مسموم.. سم بطيء كان بيتحط له في الأكل على مدار شهور.” حكمة الجزء الثامن: > “عندما تتشابك خيوط الجريمة، يصبح الضحية والجلاد وجهين لعملة واحدة.. والسم الذي تضعه للآخرين، لابد أن تتذوق مرارته يوماً ما.” السكوت اللي ساد المكتب كان يقطع الأنفاس. بصيت لأمي، ملامحها كانت خاوية تماماً، مفيش حتى دموع، كأن روحها غادرت جسمها وسابت مجرد جثة قاعدة على الكرسي. وبصيت لصلاح، اللي كان بيفك ويداري وشه بعيد عن عينينا.
المقدم أحمد كمل ببرود: * “صلاح اعترف إن التقرير اللي في الملف تم تزويره بمساعدة موظف مرتشي كان شغال في المشرحة وقتها.. بس الموظف ده قبل ما يموت من شهر، ساب اعتراف مسجل في النيابة الإدارية، وهو ده اللي خلانا نفتح القضية تاني.” * “مين اللي كان بيحط السم؟” صرخت بأعلى صوتي وأنا بضرب المكتب بإيدي. “انطقوا! مين اللي قتل خالي؟” صلاح رفع راسه ببطء، وعينيه كانت مليانة غدر: * “مش أنا يا كريم.. والله ما أنا. أنا كنت مجرد وسيط، كنت بشتري ‘الدوا’ اللي هي قالتلي عليه إنه مجرد منشط للقلب عشان حالته الصحية.. أنا كنت فاكر إني بساعده!”
شاور بصابعه المرتعش ناحية أمي. * “هي اللي كانت بتديني الفلوس، وهي اللي كانت بتسهر معاه كل يوم وتعمله الأكل والشرب بحجة إنها بتراعي أخوها الوحيد.. أنا اكتشفت الحقيقة متأخر، ولما واجهتها، هددتني إنها هتبلغ عني بتهمة التزوير اللي أنا عملتها عشانها في ورق الشركة.. فضلنا شغالين بعض، نبتز بعض، لحد ما خالي مات.” أمي رفعت راسها فجأة، وضحكت ضحكة هستيرية عالية، خلت العسكري اللي واقف وراها يتخض:
* “قتلته؟ أيوه قتلته! قتلته عشان كان هيضيع كل حاجة على ‘بنت حرام’ جابها من نزوة قديمة.. كان عايز يكتب لها نص أملاكه ويحرم ابني الوحيد من حقه. أنا كنت بحمي ورثك يا كريم! كنت بضمن إنك تعيش ملك، مش شغال عند بنت خادمته!” * “بنت خادمته؟” هدير نطقت الكلمة وهي مش مصدقة. “خالي كان متجوز أمي رسمي يا طنط.. إنتي اللي زورتي الحقيقة في عينيكي عشان تبرري لنفسك القتل.” أمي قامت وقفت وهي بتنهج:
* “لا.. أنا اللي عملتكم! أنا اللي خليتكم بني آدمين! وإنت يا كريم.. إنت هتبلغ عن أمك؟ هتقف تشهد عليا في المحكمة؟” بصيت لها بوجع عمري ما حسيته قبل كدة. الست اللي كانت بتبوس راسي كل يوم وتدعيلي، هي نفسها اللي كانت بتحط السم في أكل أخوها بدم بارد. * “يا سيادة المقدم..” قلتها وصوتي مخنوق. “أنا مش هشهد.. أنا مش محتاج أشهد. الحقيقة قدامك، والاعترافات قدامك. أنا بس عايز آخد بناتي ومراتي وأمشي من هنا.. مش عايز أشوف الوجوه دي تاني.”
خرجت من المديرية وأنا حاسس إن الهوا برا تقيل. هدير كانت ماشية جنبي زي الخيال، مش عارفة تفرح إن حقها ظهر، ولا تحزن على الخراب اللي شفته. * “كريم..” قالت هدير وهي بتركب العربية. “هنروح فين؟” * “هنروح نبدأ من الصفر يا هدير. كل قرش من ورث خالي، أو من فلوس أمي، هيرجع ليكي أو يتصرف في أعمال خير.. أنا مش عايز مليم واحد ملوث بالدم ده.” سقت العربية لبيت أمي للمرة الأخيرة. دخلت ولميت هدوم البنات، وهدومي، وكل حاجة تخصنا. وبصيت للبيت اللي عشت فيه أجمل وأصعب أيام حياتي.. وقفلت الباب ورايا ورميت المفاتيح في جنينة البيت.
واحنا ماشيين في الطريق، لمحنا “بوكس” الشرطة داخل ناحية بيت أمي عشان يفتشوه ويجمعوا الأدلة الأخيرة. * “بابا؟” سارة نادتني من الكرسي اللي ورا. “إحنا رايحين فين؟ هي تيتة مش هتيجي معانا؟” بصيت لهدير في المراية، لقيت عينيها بتقولي “بلاش تكسر قلبهم دلوقتي”. * “تيتة سافرت يا حبيبتي.. سافرت مكان بعيد أوي، وإحنا رايحين مكان جديد، فيه جنينة كبيرة، ومافيهوش أسرار.” وصلنا شقة صغيرة كنت مأجرها من فترة قصيرة كأني كنت حاسس باللي هيحصل. دخلنا، والبيت كان فاضي تماماً، بس كان فيه “نور” غريب.
قعدنا كلنا على الأرض، وهدير مسكت إيدي وقالت: * “تفتكر الحكاية خلصت هنا يا كريم؟”