فتحت اللابتوب بتاعي، ودخلت على حساب “Cloud” المشترك اللي بينا. قعدت أدور في الملفات، لحد ما لقيت ملف متسجل بتاريخ “النهاردة الصبح” الساعة ١٠:٣٠.. يعني بعد خناقتها مع أمي بساعة. فتحت الملف.. كان تسجيل صوتي. فتحت الصوت، وسمعت صوت هدير وهي بتنهج وبتبكي:
* “كريم.. لو بتسمع ده، فأنا خلاص مابقتش قادرة. مامتك جاتلي الصبح، وقالتلي كلام يهد جبال. قالتلي إنها عرفت السر اللي أنا مخبياه عنك من سنين.. السر اللي يخليك تطلقني وترميني في الشارع لو عرفته. هي خيرتني.. يا أما أمشي وأسيبلك البنات وأختفي من حياتكم خالص، يا أما هي هتقولك الحقيقة اللي هتكسرك وتكسرني.. أنا اخترت أحميك من الحقيقة دي يا كريم، بس كان لازم أقولك تسألها.. عشان تعرف إنها هي اللي طردتني.” قفلت التسجيل وإيدي بتترعش.
إيه هو السر اللي يخلي أمي تبتز مراتي وتطردها من البيت؟ وإيه الحقيقة اللي أغلى عند هدير من بناتها ومني؟ نزلت جري للعربية، مش رايح لأمي المرة دي.. رايح لـ “صلاح”، أخو هدير الوحيد، اللي عايش في المقطم. هو الوحيد اللي أكيد عارف “السر” ده. وصلت قدام باب بيته، خبطت بهستيريا. فتحلي وهو وشه شاحب، أول ما شافني قال جملة واحدة وقعت قلبي في رجلي: * “كنت عارف إنك هتيجي.. بس صدقني يا كريم، هدير عملت كده عشانك.”
وقفت قدام صلاح وأنا مش شايف قدامي، مسكته من قميصه وزعقت بصوت هز السلم: * “سر إيه يا صلاح؟ انطق! أمي قالتلي إنها كانت عايزة تهرب وتسيبني، وهدير بتقول إن أمي هي اللي طردتها.. أنا بدمر، انطق الحقيقة!” صلاح سحب إيدي بالراحة وهو بيبص يمين وشمال، ودخلني الشقة وقفل الباب. كانت الشقة مكركبة، والسكوت فيها يقلق. * “هدير عندي يا كريم.. نايمة جوه تحت تأثير مهدئ.” جيت أجري على الأوضة بس هو وقفني: * “اسمعني الأول عشان تفهم اللي هتشوفه.. الحكاية مش سفر ولا طموح، الحكاية بدأت من ٧ سنين، قبل ما تتجوزوا بشهر.”
قعدت على الكرسي وأنا حاسس إن جسمي كله بيترعش. صلاح كمل وصوته مخنوق: * “فاكر الحادثة اللي حصلت لخالك الله يرحمه؟ اللي مات فيها لوحده في شقته وقالوا إنه تسرب غاز؟” * “أيوه طبعاً.. ودي علاقتها إيه بهدير؟” * “الحقيقة إن ده ماكانش غاز يا كريم.. خالي كان سايب أمانة كبيرة مع أمك، فلوس وأوراق تخص ورث العيلة، وأمك وقتها كانت بتمر بضائقة مالية صعبة وضيعت جزء من الفلوس دي. لما خالك كشف الموضوع، حصلت بينهم مشادة كبيرة.. وهدير كانت هناك بالصدفة، كانت رايحة تودي أمانة لوالدتك، وشافت كل حاجة.”
نفسي بدأ يضيق، وصلاح كمل بمرارة: * “هدير شافت والدتك وهي بتزق خالك في لحظة غضب، وقع خبط دماغه في طرف المكتب.. ومات. أمك اتصدمت، وهدير من خوفها ورعبها ساعدتها تداري الموضوع وتفتح المحبس عشان تبان حادثة غاز. ومن يومها وأمك ماسكة على هدير السر ده، وبتقنعها إنها ‘شريكة في الجريمة’ لأنها سكتت وساعدت في التغطية.” * “إنت بتقول إيه؟ أمي؟ مستحيل!”
* “الصبح لما أمك راحت لهدير، عرفت إن هدير بدأت تكتب مذكراتها، وخافت إن السر يطلع.. فهددتها إنها هتبلغ عنها هي الأول بصفتها الشاهدة اللي أخفت الحقيقة، وهتلبسها القضية لوحدها وتتحرم من البنات للأبد.. هدير ما استحملتش الوجع ده، وقررت تختفي عشان ماتكونش سبب في سجن أمك أو تدمير صورتها قدامك.” قمت وقفت، الدنيا بتسود في عيني. دخلت الأوضة، لقيت هدير نايمة، وشها ذبلان ودموعها لسه معلمة على خدها. بصيت في وشها وحسيت بوجع يقطع القلب.. الست دي شالت هم ما تشيلهوش جبال عشان تحميني من صدمتي في أمي.
تليفوني رن.. كانت أمي. رديت وصوتي ميت: “أيوه يا أمي.” * “يا حبيبي قلقت عليك، إنت فين؟ البنات ناموا خلاص، تعال اتعشى معايا.” بصيت لهدير، وخدت قرار هيغير حياتنا كلنا. * “أنا جاي يا أمي.. بس مش لوحدي. أنا جاي ومعايا ‘الحقيقة’ اللي إنتي دفنتيها من ٧ سنين.” حكمة الجزء الثالث: > “الجدران التي نبنيها من الأكاذيب لتحمينا، هي نفسها التي تسقط فوق رؤوسنا في النهاية.. فالصدق وإن كان موجعاً، يظل هو النجاة الوحيدة.” >
سُقت العربية وأنا حاسس إن الطريق ملوش نهاية، هدير كانت قاعدة جنبي، سانده راسها على الشباك ومغمضة عينيها بتعب، إيديها كانت لسه بتترعش كل ما تفتكر المواجهة اللي جاية. وصلنا بيت أمي. ركنت العربية ونزلت فتحت لهدير الباب، مسكت إيديها وضغطت عليها: * “ماتخافيش.. طول ما أنا عايش، مفيش حد هيلمس شعرة منك.” فتحنا الباب بالمفتاح اللي معايا، ودخلنا. الصالة كانت هادية، وأمي قاعدة على الكرسي الهزاز بتاعها، بتسبح وفي هدوء غريب على وشها. أول ما شافت هدير واقفة جنبي، المسبحة وقعت من إيدها، وملامحها اتخضت بس حاولت تتماسك بسرعة.
* “كريم؟ إيه اللي جاب دي هنا؟ مش قلتلك إنها..” قاطعتها وأنا برمي الملف الصوتي اللي سجلته هدير على التربيزة، وصوتي كان طالع ببرود مرعب: * “قلتِ لي إنها هربت؟ ولا قلتِ لي إنها خاينة؟ ولا نسيتِ تقولي لي إنك كنتِ هتسجنيها عشان تداري على اللي عملتيه في خالك؟” أمي وشها اتقلب لونه أبيض زي الورقة، وبصت لهدير بنظرة غل وكره: * “إنتي نطقتي يا هدير؟ بعتِني؟ أنا اللي دخلتك بيتي وعملتك ست هانم؟”
* “إنتي اللي دمرتيها يا أمي!” صرخت فيها وأنا مش قادر أسيطر على أعصابي. “دمرتيها ودمرتيني. كنتِ مستعدة تخسري ابنك وأحفادك وتشريدهم، بس عشان “صورتك” تفضل نضيفة؟ الحادثة كانت قضاء وقدر.. لكن اللي عملتيه بعدها كان جريمة مع سبق الإصرار.” أمي وقفت، وظهرها اللي كان محني اتفرد فجأة بقوة غريبة، وبصت لنا بجمود: * “وعايز تعمل إيه يا كريم؟ هتبلغ عن أمك؟ هتروح تقول للشرطة إن أمك هي السبب في موت خالك من ٧ سنين؟ فكر في البنات.. فكر في اسمك وشغلك لما الناس تعرف إن جدتهم..”
* “أنا مش هبلغ يا أمي.” قلتها بكسرة حقيقية. “أنا مش ههدم اللي فاضل، مش عشانك.. عشان بناتي مايعيشوش بلقب ‘بنات القاتلة’. بس البيت ده ملوش وجود في حياتنا تاني. من اللحظة دي، إنتي بالنسبة لنا ماتتِ.. زي ما خالي مات.” خدت هدير من إيدها ولفيت عشان أمشي، بس وقفت لما سمعت صوت أمي وهي بتضحك ضحكة مكتومة، ضحكة خلت شعري يقف: * “فاكر إنك عرفت كل حاجة؟ فاكر إن هدير “ضحية” وبس؟” لفيت بصيت لها، لقيتها بتبص لهدير بنظرة انتصار مرعبة:
* “اسألها يا كريم.. اسألها هي ليه راحت لخالك الشقة اليوم ده أصلاً؟ وليه خالك كان غضبان منها لدرجة إنه كان هيفضحها قدامي؟ الحقيقة يا ابني إن الورق اللي ضاع من خالي.. ماكانش معايا أنا بس.” بصيت لهدير، لقيت وشها رجع يصفر تاني، ونزلت عينيها في الأرض وهي بتبكي بهستيريا وتهمس: * “كفاية يا طنط.. أرجوكي كفاية.” قلبي رجع يتقبض تاني. هو فيه قاع تاني للمصيبة دي؟