أنا وجوزي حكايات رومانى مكرم 3

فتحت أمل الشنطة بيد ترتجف، وهي تنظر لخالد بريبة. لم تكن تتوقع أن يقف “سلفها” في صفها ضد شقيقه بهذه السرعة. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الألف جنيه التي استردتها، بل في الأوراق المطوية بعناية أسفل المال. سحبت أمل ورقة رسمية مختومة، وقرأت محتواها ليتسع بؤبؤ عينها بذهول: — “ده.. ده إقرار بتنازل؟” خالد هز رأسه بأسى وقال:

— “مدحت كان مديون ليا بمبالغ كبيرة بسبب خساراته القديمة، وعشان يضمن حقي، كان كاتب لي (عقد بيع ابتدائي) لنصيبه في الشقة دي من سنتين. أنا مكنتش عايز أخرب بيتكم وكنت ساكت، بس لما عرفت إنه بيلعب بيكي وبالبنت اللي كان قاعد معاها، وشوفته بيس,,رق فلوس حماكي.. قولت لأ، لحد هنا والدم يحن، بس الحق أحق أن يُتبع.” السند الحقيقي أمل لم تصدق؛ الشقة التي كانت تخشى أن يشاركها مدحت في ملكيتها رغم دفعها للأقساط، أصبح نصيبه فيها الآن تحت تصرف خالد.

قالت بصوت مخنوق: — “وإنت بتديني الورقة دي ليه يا خالد؟” رد خالد بشهامة: — “الورقة دي أمانة عندك.. تقدري ترفعي بيها قضية (صحة ونفاذ) وتنقلي الشقة كلها باسمك وباسم العيال. مدحت ملوش مكان هنا، والفلوس اللي س,,رقها من حمايا رجعت، وأنا ضامن ليكي إن أي مليم هيصرفه على الأرض اللي اشتراها من وراكي، هطلعهولك من عينه بالقانون.” عودة “الوحش” الجريح في تلك اللحظة، رن جرس الباب بهستيرية. كان مدحت قد عاد من الكافيه بعد فضيحته، مكسور العين لكن قلبه يملؤه الغل.

فتح خالد الباب ببرود، ليجد مدحت يصرخ: — “اطلعي بره يا أمل! الشقة دي نصها بتاعي، والقانون هيرميكي في الشارع لو مسمعتيش الكلام!” خالد وقف سدًا منيعًا أمام الباب ومنعه من الدخول: — “نصيبك في الشقة مابقاش بتاعك يا مدحت.. بعتهولي من سنتين فاكر؟ واليوم أمل استلمت العقد، يعني إنت هنا (ضيف) غير مرغوب فيه.” الانهيار الكبير سقط مدحت على ركبتيه في طرقات العمارة. خسر العروسة الجديدة، وخسر هيبته أمام أهله، والأهم.. خسر “الفرخة التي تبيض ذهبًا” التي كان يظن أنه يمتلكها.

نظر لأمل بنظرة انكسار زائفة وقال: — “هتشريديني يا أمل؟ هترمي أبو عيالك في الشارع عشان خاطر شوية ورق؟ أنا عملت كل ده عشان أأمن مستقبلنا، الأرض كانت هتبقى لينا كلنا!” أمل وقفت خلف خالد، ونظرت لمدحت بجمود لم تعهده في نفسها: — “اللي بيأمن مستقبل عياله مبيس,,رقش لقمة جدهم المريض. والبيت اللي بيتبني على “كسرة” الست، بيقع على دماغ صاحبه. إنت مش مطرود يا مدحت.. إنت اللي اخترت تخرج من حياتنا يوم ما مدت إيدك على شنطتي.”

بداية النهاية خرج مدحت يجر أذيال الخيبة، وأغلقت أمل الباب. لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن الهواء في الشقة نقي. توجهت فورًا لوالدها، أعطته الدواء والمال وقبلت يده وهي تقول: — “بنتك بقت (ست بكيانها) فعلاً يا بابا، ومحدش هيكسرها تاني.” لكن، وبينما هي تجلس في هدوء الليل، وصلتها رسالة من “المحاسب هاني” تقول: — “خدي بالك يا أمل.. مدحت مش هيسكت، وعرف إن الأرض اللي اشتراها باسم أمه عليها (نزاع قانوني) كبير، وممكن يلبس قضية نصب لو مسددش مبلغ ضخم خلال ٤٨ ساعة.. وهو دلوقتي بيخطط لحاجة “مجنونة” عشان يلم الفلوس دي منك بأي طريقة.”

يا ترى إيه هي “الحاجة المجنونة” اللي مدحت ممكن يعملها وهو في حالة يأس؟ وهل خالد فعلاً صادق في مساعدته لأمل، ولا الشنطة السوداء كانت “فخ” لمؤامرة أكبر بين الأخوات؟ دقت الساعة الثانية صباحًا، والهدوء في شقة أمل كان هدوءًا يسبق العاصفة. أمل كانت جالسة في الصالة، وبجانبها الأوراق التي أعطاها لها خالد، لكن كلم,,ات المحاسب هاني كانت ترن في أذنها كجرس إنذار: “مدحت بيخطط لحاجة مجنونة”.

فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن الشقة بالكامل. ساد ظلام دامس، وقفز قلب أمل من مكانه. جرت نحو غرفة الأطفال لتطمئن على ياسين وسلمى، لكنها قبل أن تصل، سمعت صوت مفتاح يدور في الباب ببطء شديد.. مدحت لم يسلم مفتاحه كما ظنت! ليلة الحساب دخل مدحت، لكن ملامحه لم تكن ملامح الرجل الذي عرفته. كان شعره مبعثرًا، وعيناه غائرتين من أثر الصدم,,ات المتتالية. لم يصرخ، بل قال بصوت هادئ ومخيف:

— “الكهرباء قطعت يا أمل.. زي ما قطعتي عني كل السبل. الأرض اللي اشتريتها طلعت مبيوعة لاتنين غيري، وصاحبها هرب، والمكتب اللي كنت بضارب فيه بفلوس القروض خسر كل حاجة. أنا دلوقتي مش بس مديون، أنا مهدد بالسج,,ن.” أمل تراجعت للخلف وهي تمسك هاتفها: — “وإنت جاي تقولي أنا ليه؟ اخرج بره يا مدحت، إحنا ملناش علاقة بمشاكلك.” مدحت ضحك ضحكة هستيرية:

— “لا ليكي.. وليكي نصيب كبير كمان. الشنطة اللي خالد ادهالك، فاكرة إن أخويا عمل كدة جدعنة؟ خالد كان شريكي في الأرض دي يا أمل، والورقة اللي معاكي دي (فخ).. خالد عايزك ترفعي قضية التمكين عشان يثبت إن الشقة بقت ملكية متنازع عليها، ويقدر هو يسحب الفلوس اللي دفعها من البنك بضمان نصيبي اللي باعهوله.” خيانة الأخوة تسمرت أمل في مكانها. هل يعقل أن خالد، الذي ظهر بمظهر المنقذ، كان مجرد لاعب آخر في اللعبة؟ مدحت اقترب منها والسكي,,ن في يده ليس لل-,,-، بل لتهديدها لتمضي على “تنازل” عن القرض الذي سحبته باسمها لصالح سداد ديونه هو وأخوه.

— “إمضي يا أمل.. إمضي على التنازل ده، وخدي العيال واطلعي بره حياتي خالص. الأرض دي لو متسددش تمنها الصبح، أنا وخالد هنروح ورا الشمس، وإنتي مش هتهربي مننا.” في تلك اللحظة، ظهر خيال خلف مدحت في الظلام. صرخة سلمى الصغيرة هزت أرجاء المكان، مما شتت انتباه مدحت لثانية واحدة، كانت كافية لأمل لتندفع نحو الباب، لكنها وجدت “خالد” يقف هناك، يمنعها من الخروج!

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
12