عمري ما قلـت لمرات أخويا إني كنت رتبه عاليه في الجيش. بالنسبالها كنت بس جنديه فاشله..خصوصًا إن أبوها كان مدير الأمن في المحافظة…
في عز لمة العيلة في حفلة كبيرة، وقفت مصدومة وأنا شايفة وسام الشجاعة بتاعي بيتحدف جوه الفحم المولع.
قبل ما أتحرك، ابني يوسف اللي عنده ٨ سنين صرخ:
“يا ماما! طنط نجلاء خدته من الشنطة!”
الرد كان فوري…منها…قلم نازل على وشه بكل قوة.
“اخرس يا واد!” قالتها وهي بتزعق…وقع على الأرض… وما اتحركش.حكـايات أسمـا السيـد
ومع كده، فضلت واقفة بتبصلي باستهزاء:
“زهقت من تمثيل البطولات الفاضية دي.
وسام إيه بس….”
ساعتها… طلعت موبايلي وكلمت الشرطة.
ضحكت في وشي… لحد ما أبوها وصل… وركع على ركبته قدامي بيترجاني اني أسامحها..
كان يوم العيد، والمفروض الناس فرحانة… بس أنا حسيت إني غريبة في بيت أخويا.
أنا اسمي سلمى. بالنسبة للناس هناك، كنت مجرد أخت محمود… الست اللي عايشة على حسابه. اللي يتشفق عليها شوية… ويتريقوا عليها شوية.
كنت واقفة على الشواية بصمت. محمود دخل يتفرج على الم,,اتش وسابني أخدم الضيوف. ده الاتفاق: أعيش هنا… بس من غير ما أظهر…
“يلا يا شاطرة!
اللي عايشين ببلاش ما بيرتاحوش!”
صوت نجلاء المقزز كالعادة…قولتلها “كنت بريح من الدخان شوية”
صرخت: خلصي بسرعة. بابا جاي، وعايز الأكل مظبوط…
ضحكوا. وأنا سكت.
بصيت على يوسف… قاعد لوحده بيرسم. رأسه في الأرض. عارف القواعد: ما يزعلش طنط…فجأة
“إيه ده؟!”
لفيت… لقيتها ماسكة شنطتي… وفي ايدها علبة صغيرة.
قلبي اتق,,بض صرخت: “سيبيها مكانها.”
ما سمعتش الكلام وفتحتها. الوسام لمع في الشمس.
الكل سكت… صاحبتها سالت: “ده حقيقي؟”.
قالت بسخرية: أكيد شارياه. هي دي شكل واحدة تاخد وسام؟
قربت منها خطوة:”هاتيه.”
بصتلي بتحدي: إنتي فاكرة هنصدقك؟
إنتي حتى بتترعشي من صوت الألعاب الن,,ارية…
قلت بهدوء:”الوسام ده لناس ضحت بحياتها… مش لعبة.”
صرخت:” بطلي شعارات!”وفجأة… رمت الوسام في الن,,ار.
الشريط اتح,,رق الأول… والدخان طلع… والوسام غاص في الفحم…لحظة صمت…وبعدين:”لأ!”
يوسف جري على الشواية. “ماما تستاهله! طنط هي اللي أخدته!”مد إيده ناحية الن,,ار…
حكـايات أسمـا السيـد
بس نجلاء ضـ,ـربته…القلم صوته دوى في المكان كله.
يوسف وقع على الأرض… ساكت.
الدنيا وقفت.
#أسـما_السـيد
جريت عليه وأنا مرعوبة:”يوسف! حبيبي! رد عليا!”
مفيش رد.الناس سكتت. محدش عارف يعمل إيه.
رفعت عيني عليها…لسه واقفة بنفس الاستهزاء.
طلعت موبايلي…المرة دي…
مش هزار.
بعد شوية، عربية الشرطة وصلت.
ضحكت وقالت: “فاكرة نفسك مين؟”لكن أول ما الظابط نزل…
وشها اتغير…كان أبوها.حكـايات أسمـا السيـد
بص حواليه… شاف يوسف على الأرض… شافني…
وبعدين بصلي كويس…وسكت… وقال اللي صدمها:
صلي على محمد وال محمد وتابع
بص حواليه شاف يوسف مرمي على الأرض وشافني واقفة وأنا جسمي كله بيرتعش من الخضة والغض,,ب وبعدين ثبت عينه عليا كأنه بيحاول يفتكر ملامحي من زمن بعيد وفجأة وشه اتبدل خالص وقال بصوت واطي لكنه مسموع لكل اللي واقفين
سلمى هانم
نجلاء ضحكت ضحكة متقطعة وقالت بسرعة
بابا دي واحدة بتعمل مشاكل وبتكدب علينا من أول اليوم والواد وقع من نفسه
لكنه ما بصش لها حتى
قرب خطوتين ناحيتي وقال
إنتي سلمى فؤاد
بلعت ريقي بصعوبة وقلت
أيوه
وساعتها حصل اللي محدش في المكان كان
يتخيله
الراجل اللي طول عمر نجلاء بتتكلم عنه كأنه بيملك الدنيا كلها وقف قدامي وعدل وقفته وبعدين رفع إيده بالتحية العسكرية قدام الكل
الصمت وقع على المكان زي حجر تقيل
الضحك اختفى
والنظرات اختلفت
حتى الدخان اللي طالع من الشواية حسيت إنه وقف لحظة
قال بصوت ثابت
سيادة الرائد سلمى فؤاد القوات الخاصة سابقا صاحبة عملية الواحات الغربية سنة ألفين وتسعتاشر وصاحبة وسام الشجاعة من الطبقة الأولى
نجلاء فتحت بوقها ومقدرتش تنطق
صحابها بصوا لها وبعدين بصوا لي وكأنهم أول مرة يشوفوني
محمود أخويا خرج من جوه البيت على صوت الناس
وسأل بتوتر
في إيه يا ج,,ماعة
لكن محدش رد عليه
لأن أبو نجلاء كان لسه مكمل كلامه
وقال وهو باصص لها بنظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده
إنتي رميتي وسام الدولة في النـ,ـار وضـ,ـربتي طفل قدام شهود
وبعدين لف للعساكر اللي نزلوا معاه وقال
حد يطلب إسعاف حالا والطفل يتحول لأقرب مستشفى والست دي تتحفظ لحد ما النيابة تيجي
نجلاء رجعت لورا وهي مش مستوعبة وقالت
بابا إنت بتقول إيه دي مرت محمود يعني من أهلنا
رد عليها بحدة
اللي يمد إيده على طفل يبقى خارج عن أي أهل
واللي يهين وسام الدولة يهين البلد كلها
في اللحظة دي حسيت إن رجلي هتخذلني
لكن مكنش ينفع أقع
يوسف كان مرمي على الأرض ووشه شاحب بشكل خلاني أحس إن قلبي بيتسحب من ص,,دري
جريت عليه وشلته في حـ,ـضني وأنا بنادي عليه
يوسف
يوسف يا حبيبي افتح عينك
مفيش رد
بس نفسه كان موجود خفيف ومتقطع
أبو نجلاء قرب وقال
م,,اتقلقيش يا سلمى الإنعاش جاي في الطريق
قلت وأنا بصعوبة ببلع دموعي
أنا هاخده بعربيتي أسرع
قال
العربية الطبية وصلت
وفعلا عربية الإسعاف دخلت من البوابة بسرعة
المسعفين نزلوا جري وحطوا يوسف على السرير المتحرك
وأنا فضلت ماسكة إيده لحد ما ركبوه
الناس كانت واقفة متسمرة
محدش بيتكلم
محدش عنده الجرأة يبصلي في عيني
قبل ما أركب مع يوسف سمعت صوت محمود ورايا
سلمى استني
لفيت له
وشه كان تايه وخايف
قال
هو كل ده حقيقي
إنتي فعلا كنتي ضابط
بصيت له ثواني طويلة
ثواني فيها سنين من القهر والخذلان والسكوت
وقلت
وقت السؤال ده فات يا محمود
وركبت مع ابني وسيبته واقف مكانه كأنه أصغر من نفسه بعشرين سنة
في
الطريق للمستشفى كنت ماسكة إيد يوسف وبافتكر أول مرة شلته فيها وهو لسه رضيع
افتكرت ازاي وعدت نفسي وقتها إن مهما حصل مش هخلي الدنيا تكسره
لكن الدنيا كانت دايما أسرع مني
مرة لما م,,ات أبوه
ومرة لما سيبت الخدمة
ومرة لما اضطرينا نعيش في بيت أخويا بعد ما اتقفلت كل الأبواب
كنت فاكرة إني بختار الذل المؤقت عشان الأمان
لكن الليلة دي فهمت إن الذل عمره ما كان مؤقت
الذل لو فتحتي له الباب مرة بيقعد
دخلنا المستشفى ويوسف اتحول بسرعة على الطوارئ
الأطباء دخلوا به وأنا واقفة برا الباب
إيدي كلها بتترعش
هدومي ريحتها فحم ودخان
وفي قلبي ن,,ار أحر من الشواية اللي اتح,,رق فيها وسامي
بعد شوية وصل أبو نجلاء بنفسه
دخل عليا في الانتظار وقال بهدوء
أنا قدمت محضر بالواقعة بنفسي وتم التحفظ على نجلاء وممنوع حد يكلمها قبل التحقيق
ما رديتش
فكمل وقال
أنا عارف إن مفيش كلام هينفع دلوقتي
لكن لازم تعرفي إن اللي حصل ده أنا عمري ما هسامح فيه
بصيت له أخيرا وقلت
ولا أنا
هز راسه وقال
أنا افتكرتك من الصورة اللي كانت في ملف التكريم المركزي
اسمك عمره
ما كان سهل يتنسي
لكن كنت متوقع أشوفك في منصب كبير مش في بيت أخوكي بالشكل ده
ضحكت ضحكة مرة وقلت
الحياة بتعرف تنقل الناس من مكان لمكان أسرع من أي قرار
سكت شوية وبعدين قال
تحبي أفهم
لو الكلام مش هيتعبك
قعدت على الكرسي الحديد وقلت
التعب الحقيقي إني سكت سنين
يمكن حان الوقت أتكلم
وبدأت أحكي
قلت له إني بعد عملية الواحات اتصبت إص,,ابة قوية في كتفي الشمال ورجلي
العملية نجحت لكن أنا خرجت منها بنص القوة اللي دخلت بيها
أصروا يكرموني
وأنا كنت فاكرة
إن التكريم بداية جديدة
لكن الحقيقة إنه كان نهاية مرحلة كاملة
بعدها بشهور اتجوزت فؤاد
كان رائد مهندس في سـ,ـلاح الإشارة
راجل محترم وهادئ وبيفهمني من غير ما أتكلم
معاه حسيت لأول مرة إني مش مضطرة أبقى حديد طول الوقت
خلفنا يوسف بعد سنتين
وبعدين في مأمورية على الحدود حصل انفجار
ورجعولي فؤاد في صندوق مقفول
وأنا بقول الجملة دي حسيت نفسي راجعة لنفس الحفرة اللي وقعت فيها يومها
لكن كملت
قلت إن المعاش كان ضعيف
وإن العلاج الطبيعي أخد كل اللي وراه وقدامه
وإن الشركة اللي كنت
حاطة فيها تحويشة فؤاد نصبت علينا واتصفّت
حاولت أشتغل
مرة في الأمن الإداري
مرة في التدريب الرياضي
مرة في شركة نقل أموال
لكن كل مكان كان عايز القوة من غير المسؤولية
والولاء من غير تقدير
ولما يوسف تعب ودخل حضانة خاصة ومصاريفه زادت اتزنقت
ساعتها محمود قال لي تعالي اقعدي معانا كام شهر لحد ما ظروفك تتظبط
ضحكت وأنا باصة قدامي
وقلت
الكام شهر بقوا ثلاث سنين
أبو نجلاء كان ساكت يسمع من غير مقاطعة
فكملت
في الأول نجلاء كانت بتعاملني كويس قدام الناس
وبعدين بدأت
تلمح إني عبء
مرة على الكهربا
مرة على الأكل
مرة على وجود يوسف
ومحمود كان كل مرة يقول استحملي دي دماغها ناشفة
ومرة على مرة بقيت أنا والولد خدامين في البيت بشكل غير معلن
هي تتأنق وأنا أشيل
هي تستقبل الضيوف وأنا أطبخ
هي تتفاخر بأبوها وأنا أبلع الإهانة
سألني
وليه مخبيتي ماضيكي
قلت
عشان ماكنتش عايزة نظرات شفقة ولا أسئلة من نوع
إزاي ضابط وتقعدي على قلب أخوكي
أنا كنت عايزة أنجو من غير ما أشرح كل يوم مين كنت
وبصراحة
كنت تعبت من
البطولة
البطولة ما دفعتش إيجار
ولا جابت علاج
ولا حمت ابني من الذل
هنا سكتنا
وأنا حسيت إني لأول مرة بقول الحقيقة بصوت مسموع
قطع الصمت صوت دكتور خارج من الطوارئ
جريت عليه
قال
الطفل فاق الحمد لله
عنده ارتجاج بسيط وكدمة قوية في الفك لكنه مستقر
هنحتاج نتابعه لحد الصبح
حسيت رجلي بترجع لي
ولأول مرة من وقت اللي حصل دموعي نزلت فعلا
دخلت له لقيته نايم وعينيه مفتوحين نص فتحة
بص لي وقال بصوت ضعيف
ماما
حـ,ـضنته بحذر وبست راسه
قلت
أنا هنا يا حبيبي
همس
أنا قلت الحقيقة
قلت
عارفة
وأشجع ولد في الدنيا قال الحقيقة
قال
هو الوسام اتح,,رق
سكت شوية
بعدين قلت
حتى لو اتح,,رق يا يوسف
الشجاعة نفسها ما بتتحـ,ـرقش
ابتسم ابتسامة
صغيرة ورجع نام
فضلت قاعدة جنبه لحد الفجر
وفي الصبح دخل أبو نجلاء ومعاه ظرف
قال
دي نسخة من محضر الشرطة وتقارير الشهود
أنا طلبت يتضاف فيها إتلاف متعلقات رسمية واعت,,داء على قاصر وسب وقـ,ـذف
ولو حبيتي نزود دعوى مدنية من حقك
قلت
هكمل للآخر
قال
أتمنى
بعدها بساعة وصل محمود
كان باين عليه إنه ما نامش
دخل الأوضة بخطوات بطيئة
بص ليوسف الأول وبعدين لي
وقال
هو عامل إيه
قلت
أحسن
واقف شوية وبعدين قال
أنا آسف
الجملة كانت
قصيرة جدا
لكنها كانت جاية متأخرة جدا
قلت له