— “حقك رجع يا سلمى.. الزفر في السجن، والبيت رجع، ومنصور ابن عمك شهد معاكي وطلب السماح.” سلمى بصوت مخنوق: “والطفل يا طارق؟” بست إيدها وقلت لها: “ربنا هيعوضنا.. المهم إننا لسه مع بعض. إحنا هنقفل البيت ده، وهنسافر بعيد، هنبدأ من جديد في مكان ميعرفناش فيه حد.” لكن القدر كان لسه شايل “مفاجأة” أخيرة في شنطة “حمادة الزفر” اللي الشرطة لسه بتفرزها.. ورقة واحدة قلبت موازين الحقيقة كلها، وخلتني أشك حتى في “ظلي”! الورقة دي كانت “تحليل دي إن إيه” (DNA) باسمي أنا، ومكتوب عليها “غير مطابق”!
— “يعني إيه؟ يعني مين اللي كان بيلعب اللعبة دي من البداية؟” الجزء العاشر والأخير: رماد الماضي ونور الفجر مسكت الورقة وإيدي بتترعش، “غير مطابق”؟ يعني إيه؟ هل “حمادة الزفر” كان بيشككني في شرف مراتي حتى وهي بتمـ,ـوت؟ ولا الموضوع فيه لغز أكبر؟ جريت على “عصام” في القسم، حدفت الورقة قدامه على المكتب وقلت له بصوت مخنوق: — “فهمني يا عصام.. الورقة دي كانت بتعمل إيه في شنطة الزفر؟ وليه باسمي؟” عصام بص للورقة بعمق، وبعدين بص لي بنظرة إشفاق وهدوء:
— “اهدى يا طارق.. الورقة دي هي “القنبلة” اللي كان الزفر ناوي يفجرها في المحكمة لو الأمور اتعقدت. دي مش تحليل ليك ولا لسلمى.. دي “لعبة قذرة” عملها الزفر بالاتفاق مع “دكتور” معدوم الضمير عشان يوهمك إن الجنين مش ابنك، فتقوم إنت تقتـ,ـل سلمى وتخلص له عليها، وبكده يضمن إن مفيش “وريث” يطالب بالشقة بعد مـ,ـوتك أو سجنك!” وقعت على الكرسي وأنا بنهج.. الشيطان ده كان راسم لكل حاجة. كان عايزني أدبح مراتي بإيدي تحت مسمى “الشرف” عشان يفضى له الجو.
— “يعني ابني اللي نزل كان ابني فعلاً؟” عصام: “طبعاً يا طارق.. إحنا قبضنا على الدكتور واعترف إن التحليل ده “مضروب” وفبركة من الزفر. سلمى أشرف من الكل، وهي الضحية الوحيدة الحقيقية في الحكاية دي.” غمضت عيني وحسيت بوزن جبل انزاح من على صدري، بس الوجع على ابني اللي راح زاد أضعاف. بعد مرور شهر.. البيت اللي كان ساحة معركة، بقى هادي تماماً. العمارة رجعت ملكي بالقانون، والمستأجرين الغرب مشوا. “حمادة الزفر” خد حكم رادع بالأشغال الشاقة، و”منصور” ابن عم سلمى رجع الصعيد بعد ما اعتذر لنا ودموعه سبقت كلامه، ووعد إنه هيكون “ظهر” لسلمى هناك لو احتاجت أي حاجة.
أما “منى”، فخرجت من المصحة بس بقت إنسانة تانية، ساكتة طول الوقت ورافضة تتكلم مع حد. وأمي.. أمي قاعدة في شقة إيجار في منطقة بعيدة، ببعت لها مصاريفها كل أول شهر مع المحامي، وبسأل عليها في التليفون “تأدية واجب” بس قلبي لسه مش قادره يسامحها.. يمكن الزمن يداوي، بس الجـ,ـرح لسه بينزف. دخلت الشقة على “سلمى”، كانت واقفة في البلكونة بتبص للشمس وهي بتشرق. رحت وقفت وراها وحـ,ـضنتها: — “جاهزة يا سلمى؟” بصت لي بابتسامة حزينة بس فيها أمل:
— “جاهزة يا طارق. البيت ده فيه ذكريات توجع، والحيطان دي شهدت على ظلم ميتنسيش.” — “إحنا مش هنبيع البيت، أنا هخليه “دار أيتام” صدقة جارية على روح ابني وروح عبير.. عشان الحيطان اللي شافت ظلم، تشوف حنان.” شيلنا شنطنا، وقفلت باب الشقة بالمفتاح لآخر مرة. ونزلنا السلم وإحنا ماسكين إيد بعض بقوة. “طارق” العصبي اللي دمه حامي، اتعلم إن القوة مش بالصوت العالي ولا بالخناق، القوة إنك تحمي “أمانتك” وتعرف تفرق بين اللي من دمك وبين اللي بيصون عرضك.
ركبنا العربية، وسبنا المنطقة ورا ضهرنا. وأنا سايق، بصيت لسلمى وقلت لها: — “الغربة المرة دي هتبقى غير يا سلمى.. الغربة المرة دي وإنتي معايا، هنبني حياتنا بعيد عن كيد القرايب وغدر الغرباء.” سلمى سندت راسها على كتفي وقالت: “المهم إننا سوا يا طارق.. والرزق بيجي مع الصبر.” مشينا والطريق كان طويل، بس لأول مرة من سنين، أحس إني “حر”. النـ,ـار اللي كانت هتحرق الكل، انطفت، وطلع مكانها نور هدوء مكنتش أعرف طعمه قبل كده.
تمت.