حكايات نور محمد 3

الجزء الثامن: غسيل العـ,ـار بالدـ,ـم خرجت من المستشفى والدوامة بتلف بيا.. عبير مـ,ـاتت بكسـ,ـرة النفس، ومنى في المصحة بين الحياة والمـ,ـوت، وأمي في السجن بتهمة هي مش قدها. “حمادة الزفر” مش بس سـ,ـرق بيتي، ده سـ,ـرق عيلتي كلها وشتتها. رجعت المنطقة، لقيت الرجالة واقفين على القهوة بيبصوا لي بنظرات فيها شماتة على خذلان، ونظرات تانية فيها خوف. دخلت البيت المهجور، طلعت شقتي فوق، قعدت في الضلمة وماسكة في إيدي “الطـ,ـبنجة” المرخصة اللي كنت شايلها للزمن.

فجأة، تليفوني رن.. “عصام” من البحث الجنائي: — “طارق، اسمعني كويس. إحنا راقبنا تليفون الزفر، ولقيناه بيكلم حد في الصعيد.. حد من قرايب “سلمى”!” انتفضت من مكاني: “قرايب سلمى؟ دول مقطوعين عنها من سنين!” — “الزفر مش غبي يا طارق، ده شيـ,ـطان. عرف إن نقطة ضعفك هي سلمى، فراح جاب “ابن عمها” اللي كان عايز يتجوزها زمان ورفضته عشانك، وأوهمه إن سلمى “ماشية بطال” في القاهرة وإنك مغفل ومخبي عليها، وإن الشقة دي حق “العيلة” اللي اتداس على شرفها.”

قفلت السكة وأنا حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجلي. يعني الحكاية مش بس فلوس وشقة، دي “تار بايت” ولعبة شرف وسخ محبوكة صح. مكملتش نص ساعة، وسمعت صوت “كلاكسات” عربيات نقل كتير تحت البيت، وصوت ضـ,ـرب نـ,ـار في الهوا. بصيت من البلكونة، لقيت 3 عربيات محملة رجالة بجلابيات وشوم وسلاح، وفي وسطهم “حمادة الزفر” وجنبه واحد وشه غريب عليا، بس ملامحه فيها غدر الصعيد.. “منصور” ابن عم سلمى. منصور صرخ بصوت رج المنطقة:

— “يا طارق.. انزل يا مغفل! انزل سلمنا “الأمانة” اللي خنتها، سلمنا اللي وسخت شرفنا في المحاكم والأقسام! البيت ده دلوك حقنا، والبت دي ملهاش غير “الذبح” عشان نغسل عارنا!” الزفر كان واقف وراهم بيضحك وهو بيدخن سيجارته، كان عارف إن “النـ,ـار” اللي ولعها النهاردة، مش هتنطفي غير بالدم. نزلت السلم وأنا حاطط الطبنجة في جنبي، وفتحت باب البيت الحديد بمنتهى الثبات. وقفت قدامهم لوحدي، قدام 20 راجل مسلح. — “منصور.. إنت جاي تدور على شرفك عند اللي صانته في غيابك؟ الزفر ده ضحك عليك، الزفر ده هو اللي كان عايز ينهب شقة ابن عمك ويشغل إخواتي البنات في الحرام!”

منصور بغل: “الصور والورق مبيكدبوش يا ولد بحري! الزفر وراني صور سلمى وهي في المستشفى مع “عشيقها” اللي هو المحامي بتاعك!” ضحكت بمرارة: “المحامي بتاعي اللي كان بيحميها من إخواتي؟ إنتو اتجننتوا؟” في اللحظة دي، الزفر طلع طبـ,ـنجته وضـ,ـرب طلقة في الهوا وقال: — “خلصنا يا منصور، ملوش لازمة الكلام. البيت ده بقا ملكي بالورق، والبت دي ملكك تخلص حقك منها. اخلصوا!” الرجالة بدأت تهـ,ـجم بالشوم، وأنا طلعت طبنـ,ـجتي وضـ,ـربت أول طلقة في الأرض: — “اللي هيقرب خطوة، روحه هتطلع قبل ما يلمس عتبة البيت ده!”

المنطقة كلها كانت بتتفرج من البلكونات، ومحدش جرؤ يتدخل. العصبية اللي في دـ,ـمي اتحولت لـ “انتـ,ـحارية”.. مكنش يهمني أمـ,ـوت، كان يهمني إن “سلمى” اللي في المستشفى تفضل عايشة. فجأة، ظهرت “سلمى” في مدخل الشارع! كانت جاية في تاكسي، وشها شاحب، وماسكة بطنها بوجع، ونزلت وسط الرجالة المسلحين وهي بتصرخ: — “يا منصور! يا ابن عمي! لو عايز تذبـ,ـح، اذبـ,ـحني أنا، بس بلاش تقتـ,ـل الراجل الوحيد اللي صانني لما الكل خذلني!” منصور اتجمد مكانه لما شاف “بنت عمه” قدامه بالمنظر ده.. الوجع اللي في عينيها كان أقوى من أي ورق متفبرك.

الزفر لما لقى الخطة بتبوظ، والرجالة الصعايدة بدأوا يترددوا، فقد أعصابه.. وجه الطبنجة بتاعته ناحية “سلمى” وصرخ: — “لو ممـ,ـوتش النهاردة يا طارق، همـ,ـوتلك اللي محـ,ـروق عشانها!” ضغط على الزناد.. الطلقة خرجت، بس في اللحظة دي “منصور” ابن عمها، بدمه اللي غلي من كلمة “الزفر” وإهـ,ـانته لبنت عمه قدامه، رمى نفسه قدام سلمى! الطلقة جت في كتف منصور، والشارع كله اتقلب لـ “مجزرة”. أنا مديت إيدي وضـ,ـربت النـ,ـار على “الزفر” في رجله عشان ميهربش، والرجالة بتوع الصعيد لما شافوا ابن عمهم اتصاب من الغريب، اتقلبوا على الزفر ورجالته في لحظة!

الدم سال في الشارع، والبوليس وصل في نص المعمعة.. الكل اتقبض عليه، والزفر وقع في إيدي وهو بينـ,ـزف. — “خلصت يا زفر.. الحق اللي إنت كنت فاكر إنك دسته بالرجل، طلع له أنياب.” بس وسط الهيصة دي، سلمى وقعت في الأرض وهي بتنـ,ـزف نـ,ـزيف شديد: — “طارق.. ابني.. ابني بيروح مني يا طارق!” شلتها وجريت وسط الصراخ والدم، وعرفت إن الثمن اللي دفعناه عشان نكشف الحقيقة كان غالي أوي.. أغلى مما كنت أتخيل! سلمى هتعيش؟ وابني لسه ليه نصيب في الدنيا؟ وأمي هتعمل إيه لما تعرف إن بنتها مـ,ـاتت والبيت راح؟

النهاية قربت.. بس النهاية دايمًا بتبقى أصعب من البداية! الجزء التاسع: أنقاض الروح المستشفى تحولت لساحة انتظار المـ,ـوت.. “سلمى” في العمليات بين الحياة والمـ,ـوت بعد النزيف الحاد اللي حصل لها في المعركة، و”منصور” ابن عمها في الأوضة اللي جنبها برصاصة في كتفه، والشرطة محاصرة المكان كله. كنت قاعد على الكرسي، هدومي غرقانة دم، وعيني ثابتة على باب العمليات. فجأة، لقيت “عصام” جالي وهو وشه فيه علامات نصر باهتة:

— “طارق، مبروك.. “حمادة الزفر” اعترف بكل حاجة تحت الضغط. اعترف بالابتـ,ـزاز، وبالتـ,ـزوير، وبتحريض عبير الله يرحمها. المحامي “سليمان” اللي اشترى البيت طلع مجرد “واجهة” للزفر، والعقود كلها باطلة وهترجع لك بقرار نيابة في خلال 48 ساعة.” مردتش عليه.. كان عقلي في حتة تانية خالص. البيت؟ الفلوس؟ الورق؟ كل ده ملوش طعم والروح اللي صانتني بتمـ,ـوت جوه. — “يا عصام.. البيت رجع، بس أهلي ضاعوا. أمي في الحجز، وعبير تحت التراب، ومنى عقلها طار. الثمن كان “عيلتي”، تفتكر البيت يستاهل؟”

عصام طبطب على كتفي وسكت، لأنه عارف إن الوجع أكبر من أي مواساة. في اللحظة دي، خرج الدكتور، وشه كان مجهد جداً. جريت عليه وقلبي بيدق في راسي: — “طمني يا دكتور.. سلمى؟ والجنين؟” الدكتور اتنهد وقال بصوت واطي: — “المدام حالتها استقرت، قدرنا نوقف النزيف.. بس للأسف يا أستاذ طارق، الجنين “نزل”. الصدمات المتتالية والجري والتعب اللي شافته كان أكبر من قدرة جسمها على التحمل.” وقعت على ركبي في نص الممر. ابني؟ اللي كنت شقيان عشانه؟ اللي كان المفروض يبقى الفرحة اللي بتمسح سنين الغربة؟ راح.. راح بسب غل أهلي وجشع الغرباء.

طلعت من المستشفى زي المجنون، رحت “التخشيبة” اللي فيها أمي. طلبت أدخل لها، والظابط وافق تقديراً لظرفي. دخلت لقيت أمي قاعدة في الركن، وشها بقى شاحب وكأنها عجزت 20 سنة في يومين. أول ما شافتني بكت بحرقة: — “سامحني يا طارق.. سامحني يا بني، الشيطان دخل بيتنا وضحك علينا. عبير ماتت بسببي، وأنا اللي ضيعت ابنك.” وقفت قدامها والدموع في عيني بس صوتي كان ميت: — “يا أمي، أنا كنت ببعت لك “أمانة”، وإنتي بعتيها للزفر. كنت ببعت لك “سكن”، وإنتي حولتيه لـ “جحيم”. ابني مـ,ـات، وأختي ماتت، والبيت اللي كنتي عايزة تملكيه بقى مجرد “حيطان” باردة ملهاش صاحب.”

أمي صرخت: “خرجني من هنا يا طارق، أمـ,ـوت في بيتي أحسن من هنا!” بصيت لها بنظرة أخيرة وقلت لها: — “البيت هيرجع باسمي يا أمي، بس إنتي مش هتدخليه تاني. أنا هأجر لك شقة بعيد عننا، وهبعت لك مصاريفك كل شهر “أمانة” زي ما كنت بعمل، بس مش عايز أشوف وشك ولا وش منى تاني. إنتوا اللي اخترتوا تبقوا “أغراب”، وأنا هحترم اختياركم.” خرجت من القسم وأنا حاسس إني غسلت إيدي من الماضي كله. رجعت المستشفى لسلمى، كانت فاقت وعينيها غرقانة دموع. قعدت جنبها ومسكت إيدها:

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
16