حكايات نور محمد

رجعت من السفر فجأة من غير ما أقول لحد عشان أعملهم مفاجأة، لقيت شقتي اللي شقيت فيها متأجرة لناس غُرب، ومراتي الحامل نايمة في “عشة كراكيب” على السطوح في عز البرد، ومسحوب منها تليفونها عشان متعرفش تشتكيلي! أنا “طارق”، شاب مصري دمي حامي وعصبي جداً، مبعرفش أسكت على الغلط حتى لو من أقرب الناس ليا. اتجوزت “سلمى”، بنت أصول ومتربية، وبعد جوازنا بشهرين جاتلي فرصة عمل في الخليج. سافرت وسبت عروستي أمانة في رقبة أمي وإخواتي البنات في بيت العيلة. كنت ببعت تحويشة رزقي وعرق جبيني كل شهر باسم أمي، عشان تصرف على سلمى وتكمل فرش الشقة.

كل ما أكلمهم في التليفون، أمي تقولي: “مراتك دي في عنينا، دي قاعدة هانم ومبتعملش حاجة”. ولما كنت بكلم سلمى، كان صوتها دايماً مخنوق، بس عشان هي عارفة إني عصبي وممكن أهد الدنيا لو حسيت إن حد داس لها على طرف، كانت بتكتم في نفسها وتقولي: “أنا بخير يا حبيبي، ركز في شغلك”. مكنتش أعرف إن سكوتها ده كان عشان تحافظ على علاقتي بأهلي، وإنها بتدفع التمن غالي أوي من صحتها وكرامتها. لحد ما في يوم قلبي اتقبض، حسيت إن في حاجة غلط ومراتى بقالها أسبوع تليفونها مقفول.

حجزت تذكرة ونزلت مصر فجأة. وصلت بيت العيلة الساعة 2 بالليل، طلعت على شقتي الأول أطمن على مراتي.. بحط المفتاح في الباب لقيته مش راضي يلف! خبطت، فتحلي راجل غريب! سألته بصدمة: “أنت مين وبتعمل إيه في شقتي؟” قالي: “شقتك إيه يا أستاذ؟ أنا مأجرها من الحاجة والدتك بقالي 6 شهور!” الدم غلى في عروقي، وعقلي طار. نزلت شقة أمي زي المجنون، كسرت الباب ودخلت. أمي وإخواتي صحيوا مخضوضين. سألتهم بصرخة رجت العمارة: “مراتي فييييين؟”

بصوا لبعض برعب ومحدش نطق. طلعت أجري أدور في البيت، لحد ما لقيت باب السلم اللي بيطلع على السطوح مقفول بقفل من برة. كسرته وطلعت، وهناك شفت المنظر اللي كسر وسطي وخلى دموعي تنزل غصب عني.. سلمى نايمة على مرتبة متقطعة في أوضة كراكيب، متغطية ببطانية خفيفة وهي حامل وبتترعش من البرد، وهدومها متبهدلة من شغل البيت!

عرفت ساعتها إن أهلي استغلوا غيابي، أخدوا فلوسي كلوها، أجروا شقتي اللي هي شرعاً وقانوناً “مسكن الزوجية” اللي من حق مراتي، وشغلوها خدامة ليهم ولما اعترضت حبسوها وسحبوا تليفونها. شرع ربنا اللي بيقول “استوصوا بالنساء خيراً” انداس عليه بالرجلين، وقانون ربنا في الأمانة اتخان. بس أنا عصبيتي المرة دي مكنتش زعيق وصوت عالي وخلاص.. عصبيتي كانت نـ,ـار هتحـ,ـرق كل اللي ظلمني وظلم مراتي. قفلت باب الشقة علينا، وطلعت تليفوني، وكلمت المحامي بتاعي وبلغت النجدة، وقررت أعمل معاهم تصرف قانوني وشرعي لا يخطر على بال عفريت عشان أرجع حق مراتي وحقي وأربيهم من أول وجديد!

وقفت في وسط الصالة، وصوتي اللي كان بيهز الحيطان فجأة هدي.. وهدوئي ده كان أرعب من صراخي. أمي كانت واقفة ماسكة في طرف طرحتها وبترتعش، وإخواتي البنات “عبير” و”منى” مستخبيين وراها، وعينيهم في الأرض مش قادرين يرفعوها في عيني. نطقت بكلمة واحدة لجمت الكل: “السكوت ده معناه إنكم عارفين إن اللي عملتوه جنـ,ـاية.. مش مجرد خناقة عائلية”. دخلت “سلمى” وهي ساندة على الحيطة، كانت بتمشي بوجع، وأول ما شافتني انهارت، بس المرة دي مش من الخوف، دي كانت بتبكي دموع قهر سكنت عينيها شهور. سحبت كرسي وقعدتها عليه، ووقفت قدام أمي وقلت لها:

— “يا أمي، أنا كنت ببعت لك الشقا والتحويشة عشان تشتري كرامة ابنك في غيابه، مش عشان تدوسي على كرامة مراته. الشقة اللي أجرتیها للغرب دي، دي بيتي، وسكني، وحرمة حياتي. والفلوس اللي أكلتوها، دي حق طفل لسه مجاش الدنيا.” أمي حاولت تستعطفني بدموع مزيفة وقالت: “يا طارق يا بني، إحنا كنا بنأمن مستقبلك، الفلوس كانت يدوب بتكفينا، والناس اللي في الشقة دول قرايبنا من بعيد ومحتاجين..”

قاطعتها بضحكة وجع: “قرايبنا يدفعوا إيجار 6 شهور مقدم؟ ومستقبلي يتأمن بمراتي وهي نايمة وسط الكراكيب في البرد؟ لا يا ست الكل.. الحكاية مش حكاية فلوس، الحكاية إنكم استقويتم على واحدة غريبة ملهاش ظهر غيري، ونسيتوا إن ليها رب مبيغفلش.” في اللحظة دي، خبط باب البيت بقوة. فتحت الباب، ودخل المحامي بتاعي ومعاه اتنين من أمناء الشرطة. أمي صرخت: “يا مصيبتي! جايب لنا الشرطة يا طارق؟ عايز تسجن أمك وإخواتك؟”

بصيت للمحامي وقلت له بصوت مسموع للكل: “يا أستاذ “رفعت”، أثبت الحالة. عندك عقد إيجار باطل لشقتي من غير صفتي كمالك أصلي، وعندك احتجاز قسري لمراتي وسحب تليفونها لمنعها من التواصل معايا، وده في القانون “تقييد حرية”. والأهم من ده كله، تبديد أمانة في الفلوس اللي كانت بتتبعت لغرض معين وتم صرفها في غرض تاني.” المحامي بدأ يكتب، وأنا عيني كانت على إخواتي اللي بدأوا يلوموا بعض وصوتهم يعلى. “عبير” صرخت في “منى”: “مش قلت لك بلاش موضوع السطوح ده؟ مش قلت لك طارق لو عرف هيطربقها علينا؟”

قلت لها ببرود يقتلع القلوب: “لسه يا عبير.. التطربيق لسه مبدأش. أنا مش هسجنكم، لأنكم في الآخر أهلي، بس أنا هطبق شرع ربنا وقانونه بطريقة تانية خالص.” طلبت من أمناء الشرطة ينتظروا ثانية، ودخلت الأوضة، طلعت ورق كنت مجهزه من الخليج وبعته للمحامي قبل ما أوصل بساعات. رميت الورق على التربيزة وقلت:

— “من اللحظة دي، البيت ده كله، اللي مسجل باسمي وبفلوس شقايا من سنين، بقى تحت تصرف “سلمى”. أنا عملت لها عقد بيع وشراء وتوكيل عام بإدارة كل أملاكي. يعني من بكرة الصبح، “سلمى” هي اللي هتقرر مين يسكن ومين يمشي، وهي اللي هتحاسبكم على المليم اللي اتصرف من غير وجه حق.” أمي برقت بعينيها: “إنت بتسلمنا لمرأتك يا طارق؟”

رديت عليها وأنا باخد “سلمى” في حـ,ـضني وبستعد عشان أخرجها من البيت ده تماماً لحد ما الشقة
تفضى: “أنا بسلم الأمانة لصاحبها. اللي صانتني في غيابي وشالت سري هي اللي تستحق تشيل مفاتيح حياتي. أما اللي خان الأمانة، فمكانه مش في قلبي ولا في بيتي.. والناس اللي في شقتي، قدامهم 24 ساعة يخلوا، وإلا المحضر اللي في إيد الأمين ده هيتحول لنيابة فوراً بتهمة اقتحام ملك غير.”

خرجت بـ “سلمى” من البيت، والبرد اللي كان في جسمها بدأ يدفا بحمايتي ليها، بس وأنا نازل السلم، سمعت صوت أمي بتنادي عليا وهي منهارة.. بصيت ورايا بصه أخيرة، وعرفت إن المعركة لسه فيها جولات، لأن الحق لما بيرجع، بيوجع أوي. الجزء الثالث: جمر الانتقام الهادئ نزلت بسلمى وحجزت لها في أغلى مستشفى للاطمئنان على الجنين، والحمد لله الدكاترة طمنوني إن الحالة استقرت بس محتاجة راحة تامة. قضيت الليل جنبها في المستشفى وعيني مغمضتش، والغل في قلبي بياكلني مش بس من اللي حصل، لكن من “بجاحة” أهلي اللي بدأت تظهر في رسايلهم وتليفوناتهم اللي مكسكتش طول الليل.

الصبح طلع، وصممت أبدأ التنفيذ. روحت للمستأجر اللي في شقتي، الراجل كان لسه بيفوق من الصدمة، بس لما شافني ومعايا “رفعت” المحامي وبدأنا في إجراءات الإخلاء الإداري، وشه جاب ألوان. — “يا أستاذ طارق، أنا دافع إيجار 6 شهور مقدم للحاجة والدتك، والبيت بيتها، أنا ذنبي إيه؟” رديت عليه بمنتهى الثبات: — “ذنبك إنك استأجرت من “لا يملك”، القانون بيقول العقد باطل لأن الأرض والحيطان والعدادات باسمي أنا. خد فلوسك من اللي قبضها، أنا قدامي عمال هيشيلوا العفش ده ويحطوه في نص الشارع لو مخلصتش في خلال ساعتين.”

الراجل عرف إني مش بهزر، وبدأ ينقل عفشه وهو بيتحسبن في أمي وإخواتي، والفضايح بدأت تملا المنطقة كلها. أمي نزلت من شقتها تلطم وتصوت: — “يا فضيحتنا يا طارق! بتطرد الناس في الشارع وبتشهر بينا قدام الجيران؟ يرضيك إخواتك البنات سيرتهم تبقى على كل لسان؟”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
34