الريحة كانت بتقطع النفس، ريحة بنزين صافي مع غاز بدأت تتسرب من فتحات المنور وتدخل المطبخ والحمام.. طارق جرى زي المجنون قفل المحبس العمومي للغاز، وأنا خدت “نور” في حــ,,ـــــضني وطلعت بيها للصالة وأنا بصرخ: “الحقينا يا طارق.. الشقة هتولع بينا!” طارق فتح باب الشقة وبص في المنور، لقى “كنزة” بنزين مرمية ومشتعلة في شوية كراكيب قديمة تحت ماسورة الغاز بالظبط! النــ,,ـــــار بدأت تمسك في الخشب القديم والدخان الأسود ملى المكان. * طارق (بيزعق للجيران): “يا ناس.. حد يجيب طفايات حريق! عبير ولعت في البيت!”
الجيران اتلموا، والرجالة بدأت تنزل بطفايات الحريق وخراطيم المية، وقدروا يسيطروا على النــ,,ـــــار قبل ما توصل للمواسير الرئيسية وتنفجر العمارة كلها. طارق كان وشه مأسود من الدخان وهدومه اتبهدلت، بس عينيه كان فيها نظرة “خلاص.. مفيش رجوع”. نزل طارق جرى على تحت، لقى “عبير” واقفة بعيد شوية ومعاها أمها “فوزية” بيتفرجوا على المنظر بذهول، كأنهم مكنوش متوقعين إن النــ,,ـــــار هتكبر كدة أو إن الجيران هيلحقوها. * طارق (مسك عبير من كتفها): “انتي كنتي هتمــ,,ـــــوتينا يا كافرة؟ كنتي هتحــ,,ـــــرقي أخوكي وبنت أخوكي عشان حتة شقة؟”
* فوزية (ببتدافع عنها): “دي غلبانة يا طارق، كانت بس بتخوفكم عشان تمشوا، مكنتش تقصد تولع فيكم!” * طارق: “تخوفنا بالبنزين والغاز؟ دي (شروع في .).. والمرة دي مفيش ستر ولا فيه (عيلة).. المرة دي فيه كلبشات!” طارق مكلمش المحامي، المرة دي كلم “النجدة” فوراً. البوليس جه وعاين المكان، ولقوا “ولاعة” عبير واقعة في المنور، والجيران كلهم شهدوا إنها كانت واقفة بتهدد بـ “النــ,,ـــــار” قبل ما الريحة تطلع بـ 5 دقائق. * الظابط: “يا مدام عبير، اتفضلي معانا على القسم.. وانتي كمان يا ست فوزية، مطلوب منكم أقوالكم في محضر رسمي بتهمة التخريب المتعمد وتعريض حياة المواطنين للخطر.”
“فوزية” بدأت تصوت وتلطم في نص الشارع: “يا فضيحتنا.. ابني بيحبس أمه وأخته! يا ناس شوفوا الجبروت!” لكن المرة دي محدش من الجيران تعاطف معاها.. الكل شاف النــ,,ـــــار وهي بتطلع، والكل خاف على بيوته وعياله من جنان عبير. في القسم، الحاج “جابر” جه وهو مكسور تماماً، دخل لطارق المكتب وهو بيبكي: * الحاج جابر: “يا ابني.. ابوس ايدك بلاش حبس، عبير حامل وعيالها هيتشردوا.. امسحها فيّ أنا.” * طارق (بجمود): “يا بابا.. هي لو كانت مــ,,ـــــوتت نور النهاردة، كانت عبير هتمسحها فيك؟ هي اختارت طريقها، والسكوت عنها هو اللي وصلها لكده.”
وهما في عز الكلام، دخل المحامي بتاع طارق وهو معاه “مفاجأة” تانية قلبت الموازين تماماً. * المحامي: “أستاذ طارق.. فيه حاجة لازم تعرفها بخصوص (عبير) وجوزها اللي مختفي بقاله شهور.. أنا عملت تحريات وعرفت إن عبير مش حامل ولا حاجة، دي (تمثيلية) عشان تستعطف الكل وتقعد في الشقة، وإن جوزها هربان من ديون كبيرة والناس بتدوره عليه، وهي كانت عاوزة الشقة تبيعها وتاخد الفلوس تهرب له بره مصر!” الصدمة كانت صاعقة على الحاج جابر وعلى “فوزية” اللي كانت مصدقة بنتها.
طارق بص لأخته اللي كانت قاعدة ورا القضبان ووشها بقى “أزرق”: “حتى دي كذبتي فيها يا عبير؟ حتى دي؟” عبير صرخت بانهيار: “أيوه.. أنا محتاجة الفلوس! جوزي هيمــ,,ـــــوت لو مخدش الفلوس، وإنت عندك كتير.. ليه مستخسر فيّ أعيش؟” طارق سابهم وخرج وهو حاسس بقرف مش قادرة الكلمات توصفه. رجعنا البيت، وقفنا في نص الصالة اللي ريحتها لسه دخان، وبصينا لبعض.. * أنا: “خلاص يا طارق؟ الحكاية خلصت؟”
* طارق: “لأ يا رانيا.. لسه فيه “طرف تالت” إحنا نسيناه تماماً.. جوز عبير الهربان ده، هو اللي كان بيبعت لها الرسايل وبيحرضها على كل ده، وهو دلوقتي مراقب بيتنا ومستني “اللحظة المناسبة” عشان ينتقم مننا كلنا!” وفجأة.. سمعنا صوت “تكسير قزاز” جاي من أوضة نور جوه! قلبي اتخلع من مكانه وطلعت أجري على أوضة “نور” وأنا بصرخ باسمها، طارق سبقني بخطوات وهو ماسك فازة ورد كانت على التربيزة.. دخلنا الأوضة لقينا شباك البلكونة مكسور ميت حتة، وراجل ملثم وضخم واقف وماسك “نور” من دراعها، وحاطط “كتر” على رقبتها!
* الرجل (بصوت فحيح): “ولا حركة يا طارق.. الشقة دي تمنها هيدفع دلوقتي، يا إما البنت دي مش هتشوف الشمس تاني!” طارق وقف مكانه زي الصنم، عينيه كانت بتطلع شرار ونفسه عالي، بس مقدرش يقرب خطوة عشان بنته. * طارق: “إنت “سيد” جوز عبير؟ سيب البنت يا سيد، عبير في القسم دلوقتي وهتتلبس قضية حريق، إنت كدة بتمحي مستقبلك خالص!” * سيد (بضحكة جنون): “مستقبلي؟ أنا مستقبلي ضاع لما خسرت فلوسي في السوق، ومراتي الغبية فشلت تاخد منك مليم.. أنا مش خارج من هنا إلا ومعايا ورق التنازل عن الشقة دي، أو روح بنتك!”
نور كانت بتبص لنا بدموع ساكتة، جسمها كله كان بيتنفض بس مكنتش قادرة تصرخ من الرعب. أنا كنت حاسة إن الدنيا بتلف بيا، ورجلي مش شايلاني. * أنا (بترجي): “خد اللي إنت عاوزه يا سيد.. الشقة فداها، بس سيبها، دي طفلة ملهاش ذنب في طمعكم!” سيد طلع ورقة مجعدة من جيبه ورماها لطارق: “إمضي هنا.. تنازل نهائي وتوكيل بالبيع للنفس والغير، وإلا وقسماً بالله هخلص عليها والبوليس يجي يشيل الجثث!” طارق مسك القلم، وإيده كانت بتترعش.. بص لي بصه غريبة، بصه كان فيها “وداع” أو “خطة” مكنتش فاهماها. بدأ يوطي عشان يمضي على التربيزة اللي جنب الباب، وفجأة..
سمعنا صوت “خبط” عنيف على باب الشقة البرهاني، وصوت “فوزية” حماتي وهي بتصرخ بهستيريا: “يا سيد افتح يا مجنون! عبير اعترفت عليك في القسم والبوليس جاي ورايا! سيب البنت يا مخبل!” سيد اتشتت لحظة وبص ناحية الباب، وفي اللحظة دي طارق انقض عليه زي النمر. مسك إيده اللي فيها الكتر وضــ,,ـــــرب كوعه في صدره بكل قوته. سيد اتراجع لورا وهو بيحاول يضــ,,ـــــرب طارق، ونور قدرت تفلت وتجري في حــ,,ـــــضني.
المعركة كانت حامية.. طارق وسيد بيضــ,,ـــــربوا في بعض، والبيت بيتهد فوق دماغنا. سيد زق طارق وطلع “مطواة” من جيبه وكان لسه هيغرسها في طارق، لكن فجأة دخلت “فوزية” وهي شايلة “طفاية حريق” وضــ,,ـــــربت سيد على راسه من ورا بكل قوتها! سيد وقع على الأرض غرقان في دمه، وطارق قام وهو بينهج وبص لأمه بذهول.. * فوزية (وهي بتبكي بحــ,,ـــــرقة): “سامحني يا ابني.. بنتي ضاعت وجوزها كان هيضيعك ويضيع بنتك.. أنا كنت عمية بس فوقت لما شفت عبير بتنهار في القسم وبتحكي على بلاوي سيد ده.. إحنا كنا بنخرب بيتنا بإيدنا!”
طارق خد أمه في حــ,,ـــــضنه، ولأول مرة شفته بيعيط.. عياط قهر وندم على كل اللي حصل. البوليس دخل وقبــ,,ـــــض على سيد وهو مغمى عليه، وخدوا “فوزية” عشان يكملوا التحقيقات. قعدنا في الصالة المحروقة، أنا وطارق ونور.. البيت اللي كان تمنه 10 مليون جنيه، بقى عبارة عن “خرابة” من الوجع والغل. * طارق: “يا رانيا.. الشقة دي لازم تتباع.” * أنا: “ليه يا طارق؟ إحنا حاربنا عشانها!” * طارق: “المكان اللي يدخله الحقد والسحر والنــ,,ـــــار والدم ميبقاش بيت.. إحنا هنبيعها، وهنشتري بيت صغير في مكان بعيد، مكان محدش يعرفنا فيه، ونبدأ من جديد.. الفلوس مش كل حاجة لو خسرنا روحنا.”
بصيت لـ “نور” اللي كانت نايمة في حــ,,ـــــضني من التعب، ووافقت.. بس قبل ما نمشي من الشقة، طارق لقى “ظرف” صغير كان واقع من جيب “سيد”.. فتحه ولقى جواه “صورة” قديمة جداً خلت لون وشه يختفي تماماً! فتح طارق الظرف وإيده بتترعش، وطلّع منه صورة قديمة متهالكة، لونها باهت وكأن الزمن أكل أطرافها. كانت صورة للحاج “جابر” وهو شاب، واقف جنب راجل غريب ملامحه قريبة جداً من “سيد”.. وفي ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة بخط إيد مهزوز: “حق الدم مبيضيعش يا جابر، والأرض اللي بنيت عليها عمارة الـ 10 مليون دي، مدفون تحتها شقايا وعمري اللي سرقته مني.”
طارق بص للصورة وبص لوالده اللي كان داخل الشقة ووشه في الأرض من الخزي. * طارق (بصوت مكسور): “يا حاج جابر.. مين الراجل اللي في الصورة ده؟ وإيه علاقة سيد بالموضوع؟” * الحاج جابر (انفجر في البكاء): “ده كان شريكي يا ابني من 40 سنة.. الأرض دي كانت ملكنا إحنا الاتنين، وأنا استغليت سفره وطمعت فيها وسجلتها باسمي.. سيد يبقى حفيده، وجاي ينتقم لورث جده اللي أنا أكلته.”
الصمت ساد المكان.. الحقيقة المرة نزلت علينا زي الصاعقة. كل المشاكل، والغل، والنــ,,ـــــار، والسحر اللي حصل في البيت ده، مكنش بس طمع من “عبير” أو جنون من “سيد”.. ده كان “ذنب” قديم بيطارد العيلة كلها. البيت اللي كنا فاكرينه أمان، كان مبني على “مال حرام”.