العربية كانت بتنهب الأرض في طريق صحراوي مقطوع، و”عادل” بيسوق ببرود أعصاب يحرق الدم. بصيت له بذهول وقلت له: “إزاي؟ أنا شفت البوليس وهو بيكبلك بالكلابشات!”
ضحك عادل وهو بيبص لي في المراية اللي قدامه: “الكلابشات دي كانت لزوم العرض المسرحي قدام الجيران يا سارة.. العساكر اللي شفتيهم دول بيقبضوا مرتباتهم من (المنظمة) مش من الوزارة. إحنا دولة جوه الدولة.”
مسكت الفلاشة في إيدي وضغطت عليها لحد ما ضوافري علمت في كفي. كان لازم أفكر بسرعة. عادل مش عايز يقتلني دلوقتي، هو عايز “الكود” اللي بيفتح الملفات المشفرة على الفلاشة، وأنا الوحيدة اللي أعرفه من وصية أحمد.
فجأة، نور كشافات عالية ظهر ورا العربية. عربية دفع رباعي ضخمة كانت بتطاردهم وبتخبط في شنطة عربيتنا بقوة. عادل شتم بأبشع الألفاظ وهو بيحاول يسيطر على الدريكسيون: “ولاد الكلب.. (عزت) بعت حد يخلص عليا وياخد الفلاشة لحسابه!”
**الحرب بقت “بينهم”.. ودي كانت فرصتي.**
في وسط المطاردة، وضرب النار اللي بدأ يكسر الإزاز اللي ورا، العربية لفت بينا وانقلبت مرتين لحد ما استقرت في رملة ناعمة بعيد عن الطريق. الدنيا كانت بتلف بيا، والدم نازل على عيني، بس شفت عادل وهو بيحاول يخرج من الشباك المكسور وهو بيعرج.
قبل ما يوصل لي، العربية التانية وقفت ونزل منها تلاتة ملثمين. عادل رفع إيده عشان يضرب نار، بس رصاصة كانت أسرع منه واستقرت في كتفه. وقع على الأرض بيصرخ، وواحد من الملثمين قرب منه وقلع القناع..
**الصدمة المرة دي كانت فوق الاحتمال:**
اللي واقف قدامي كان “أحمد”!
أيوه.. أحمد جوزي.. واقف على رجله، ماسك سلاحه باحترافية، وعينه مفيهاش أي أثر للضعف أو المرض اللي شفته من ساعات.
جريت عليه وأنا مش مصدقة، كنت عايزة أرمي نفسي في حضنه، بس وقفته الباردة خلتني أقف مكاني. بص لي بنظرة غريبة، نظرة فيها عتاب وقسوة، وقال بصوت قوي:
“الفلاشة يا سارة.. هاتيها.”
رجعت خطوة لورا وأنا برتعش: “أحمد؟ إنت واقف إزاي؟ وإيه اللي بيحصل؟ الحاجة فاطمة قالت إنك في المستشفى!”
أحمد قرب مني وسحب الفلاشة من إيدي بهدوء مرعب وقال: “الحاجة فاطمة ماتت من 3 سنين يا سارة.. اللي كانت معاكي في البيت دي تبقى (دوبليرة) زارعاها المنظمة عشان تراقبك وتراقبني. أنا فوقت من الغيبوبة من سنتين، بس كان لازم أمثل إني لسه غايب عشان أقدر أبني جيشي الخاص وأهدم المنظمة من جوه.”
قلت بذهول: “يعني إنت كنت بتشوفني وأنا بتعذب جنبك؟ كنت بتشوفني وأنا بتهان وبخاف وبلاقي هدوم رجالي غريبة؟”
أحمد ضحك بسخرية وهو بيبص لعادل المرمي على الأرض: “الهدوم والبرفان والسجاير.. دي كانت طريقتي عشان أخليكي تشكي وتتحركي. كنت محتاج (دافع) يخليكي تدوري على الفلاشة اللي أنا خبيتها ومبقتش عارف مكانها بسبب الأدوية اللي كانت ندى بتديهالي. إنتي كنتِ مجرد (مفتاح) يا سارة.”
**الدنيا اسودت في عيني.**
الشخص اللي ضيعت عمري بخدمه وببكي عليه، كان بيستخدمني كطعم.. كأداة في حرب قذرة.
أحمد لف لرجالته وقالهم: “خلصوا على عادل، وخدوا سارة على (المقر).. لسه محتاجينها عشان توقع على تنازلات المصنع القديمة.”
صرخت فيه: “إنت وحش يا أحمد! إنت أوحش من عزت ومن عادل!”
بص لي وهو بيركب العربية التانية وقال ببرود: “في اللعبة دي يا سارة.. مفيش وحوش وملائكة.. في بس اللي معاه الفلاشة، واللي تحت التراب.”
العربية اتحركت بيا وأنا متكتفة في الكرسي اللي ورا، وجنبي أحمد اللي بقيت بخاف منه أكتر من أي عدو شفته. بس وهو بيقلب في الفلاشة، ملامح وشه اتغيرت فجأة.. وشه بقى أصفر زي الكفن.
بص لي بزعيق وقال: “إيه ده؟ فين ملفات غسيل الأموال؟ الفلاشة مفيهاش غير صورنا وإحنا متجوزين وفيديو قديم!”
ابتسمت من وسط وجعي ودموعي وقلت له:
“النسخة الأصلية يا (بطل) مكانتش تحت السجادة.. أحمد اللي أنا حبيته كان أذكى منك بكتير.. كان عارف إنك ممكن تتغير وتبيع الكل.. عشان كده ساب لي رسالة حقيقية في مكان تالت خالص.. مكان عمرك ما هتتخيله.”
وفجأة.. سمعنا صوت طيارات هليكوبتر فوق العربية.. وصوت ميكروفون بيقول:
**”أحمد منصور.. سلم نفسك.. المكان كله محاصر!”**
حكايات رومانى مكرم
صوت الهليكوبتر كان بيزلزل العربية، والأرض بدأت تتملي بقوات خاصة نزلت من السما زي الصقور. أحمد وشه اتحول لكتلة من الغل، بص للفلاشة اللي في إيده ورماها في أرضية العربية وداس عليها بجزمته لحد ما اتفتتت.
مسكني من شعري بقسوة وهو بيقرب وشه من وشي، وأنفاسه كانت سريعة ومضطربة:
“فين النسخة الأصلية يا سارة؟ انطقي! لو “المنظمة” أو “الجهاز” وصلوا لها قبل ما أخلص صفقتي، هقتلك وهقتل نفسي!”
في اللحظة دي، عربية الدفع الرباعي اللي كنا فيها اتضربت بقنبلة دخان، الرؤية انعدمت تماماً، وصوت ضرب النار بقى في كل حتة. الباب اللي جنبي اتفتح فجأة، وإيد قوية سحبتني لبره العربية ورمتني ورا صخرة كبيرة.
فتحت عيني وأنا بكح من الدخان، ولقيت قدامي الدكتورة **ندى شريف**!
بس مكنتش لابسة البالطو الأبيض، كانت لابسة لبس ميداني أسود، وماسكة جهاز لاسلكي. بصت لي بجدية وقالت:
“اثبتي يا سارة.. اللعبة أكبر منك ومن أحمد ومن الكل. أحمد مش بيبني جيش خاص، أحمد اتجنن وقرر يبيع الملفات دي لجهة أجنبية مقابل إنه يهرب بره مصر بهوية جديدة.”
قلت لها بذهول: “وإنتي؟ إنتي طلعتي إيه في الفيلم ده؟”
ردت وهي بتضرب نار ناحية رجالة أحمد: “أنا اللي كنت بحافظ على حياة أحمد من “المنظمة” طول الـ 6 سنين.. الأدوية اللي كنت بديها له مكنتش بتخدره، دي كانت بتحميه من سموم حقيقية عزت الدمنهوري كان باعتها مع الحاجة فاطمة المزيفة عشان يصفوه.”
**وسط الضرب، أحمد ظهر من وسط الدخان.**
كان زي المجنون، بيضرب نار في كل اتجاه، لحد ما رصاصة جت في كتف ندى ووقعت السلاح من إيدها. قرب مننا وهو بيعرج، وصوت ضحكته كان مرعب:
“ندى.. العميلة المزدوجة.. فاكرة إنك هتقدري توقفي الصفقة؟ سارة هي اللي معاها المفتاح.. والمفتاح ده غالي أوي.”
بص لي وقال بلهجة فيها تهديد أخير:
“الرسالة اللي سبتها لك يا سارة.. المكان التالت.. انطقي وإلا هنهي كل حاجة هنا!”
بصيت لأحمد.. الراجل اللي كنت بموت عشان يفتح عينه ثانية واحدة.. ولقيت نفسي بضحك بقهر. ضحكة وجع خلت أحمد يقف مكانه مذهول.
قلت له بصوت هادي:
“المكان التالت كان قدام عينك يا أحمد.. طول الـ 6 سنين وإنت نايم.. كنت بتسمعني وأنا بقرأ لك “روايتي” اللي بكتبها.. كنت فاكر إني بقرأ عشان أسليك في غيبوبتك، بس الحقيقة إني كنت بسجل فيها كل كود وكل ملف إنت قلته وأنت بتهلوس تحت تأثير الأدوية.”
**أحمد عينيه وسعت: “الرواية؟”**
قلت له: “أيوه.. الرواية اللي ندى كانت بتساعدني أنشرها على الإنترنت.. الملفات متوزعة في شكل فصول أدبية.. مفيش فلاشة، ومفيش ورق.. الملفات في عقول آلاف القراء اللي قروها ونشروها وهم مش فاهمين إن دي شفرات لجرائم “المنظمة”.”
أحمد صرخ بغضب وجري عليا، بس في اللحظة دي، رصاصة قناص جت في رجله التانية ووقع على الأرض.
قوات الأمن بدأت تضيق الخناق، وعزت الدمنهوري ظهر من بعيد وهو متكلبش، وجنبه الحاجة فاطمة (الدوبليرة) وهي بتعيط.
ندى قامت بصعوبة ومسكت إيدي وقالت:
“لازم نمشي يا سارة.. الرواية بقت خطر عليكي.. “المنظمة” عرفت الشفرة، والقراء دلوقتي بقوا أهداف. إنتي حطيتي حياة آلاف الناس في خطر عشان تحمي الملفات.”
بصيت لأحمد وهو مرمي على الأرض، والبوليس بيحاصره، وبصيت لندى اللي طلعت هي كمان بتلعب دور تالت.. ولقيت نفسي بسأل سؤال واحد:
**”لو الرواية هي المفتاح.. يبقى مين اللي كمل كتابة الفصل الأخير ونشره النهاردة الصبح.. وأنا أصلاً كنت مخطوفة؟”**
التليفون في جيب ندى رن.. بصت للشاشة ووشها اتخطف، وادتني التليفون بوجل.
فتحت الخط، وسمعت صوت “أحمد”.. بس مش أحمد اللي واقع على الأرض.. صوت أحمد منصور الحقيقي، الهادي، اللي بحبه:
**”سارة.. اللي قدامك ده مش أنا.. ده أخويا التوأم اللي (المنظمة) صنعته بعمليات تجميل عشان يحل محلي.. أنا لسه مستنيكي يا سارة.. في المكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة.”**
بصيت للراجل اللي واقع على الأرض، وبصيت لندى.. ولقيت نفسي وسط دوامة ملهاش آخر.
الرصاصة مأصابتش الشاشة بس، دي اخترقت قلب “السيرفر” اللي كان متوصل بفيشة الكهرباء المفتوحة، وانفجر المكان بشرار كهربي عمى العيون لثواني. الدخان بدأ يملى الفيلا المهجورة، وصوت إنذار الحريق اختلط بصريخ أحمد اللي كان بيحاول يقوم من كرسيه وهو بيحاول يلحق اللابتوب قبل ما الداتا تضيع.
“عملتي إيه يا سارة! دمرتي شغل سنين!” صرخ أحمد وهو بيزحف على الأرض، ملامحه اللي كانت وسيمة في يوم من الأيام بقت مشوهة ب الغل والهزيمة.
بصيت له ببرود تام، والمسدس لسه في إيدي: “أنا ما دمرتش شغل سنين يا أحمد.. أنا حررت نفسي من سجنك. الرواية اللي إنت كنت فاكر إنك بتتحكم في خيوطها، قراءها مكنوش مجرد “ناقلين سر”.. دول كانوا شهود عيان.”
ندى حاولت تقرب مني وهي بتطلع سلاحها، بس في اللحظة دي، الباب اتكسر ودخلت قوة حقيقية.. مش “منظمة” ولا “جهاز” مشبوه. دخلت “النيابة العامة” ومعاهم قوة من مكافحة الجرائم الإلكترونية.
**المفاجأة الصادمة:**
من وسط العساكر، ظهرت “الحاجة فاطمة”.. بس المرة دي كانت حقيقية، بملامحها الطيبة اللي أنا عارفاها. جريت عليا وخدتني في حضنها وهي بتبكي:
“سامحيني يا بنتي.. كان لازم نفضل مراقبين من بعيد لحد ما نوصل للراس الكبيرة.. وأحمد طلع هو الراس، وهو اللي كان عامل التوأم ده عشان يغسل جرايمه فيه.”
**الحقيقة الكاملة ظهرت في الفصل الأخير:**
أحمد مكنش في غيبوبة حقيقية إلا أول سنة بس.. الخمس سنين اللي بعدهم كان بيخطط، وبيستخدم “ندى” عشان توهمه إنه غايب عن الوعي قدامي، بينما هو بيدير عمليات “المنظمة” من قلب أوضة نومي! الهدوم والبرفان اللي كنت بشمهم مكنوش غلطة، كان بيخرج ويرجع ولما يحس بيا، يرمي أي حاجة عشان يشغلني في دوامة الشك، فيفضل هو “المجني عليه” المظلوم في نظري ونظر القانون.
أحمد اتسحب بالكلابشات وهو بيبص لي بنظرة كره مش هنساها، وندى اتقبض عليها بتهمة التواطؤ والقتل العمد لضحايا “المنظمة”.
**بعد شهور..**
قعدت في شقتي القديمة، الأوضة اللي كان فيها سرير المستشفى بقت أوضة مكتب واسعة، والشباك اللي كنت بقف تحته مرعوبة، بقى بيدخل منه ضوء الشمس.
فتحت اللابتوب بتاعي، وكتبت الجملة الأخيرة في روايتي “سجل مواليد 88”:
> “أحياناً، الغيبوبة مابتكونش للمريض.. الغيبوبة بتكون للي بيحب بزيادة، لدرجة إنه بيغمض عينيه عن الحقيقة اللي واضحة زي الشمس. بس لما بنفوق.. الوجع بيبنينا من جديد.”
>
قشرت سيجارة -مبقتش بخاف من ريحتها لأنها بقت فكرى مش خوف- وبصيت لصور تخرجنا أنا وأحمد، ورميتها في سلة الزبالة.
تليفوني رن.. كان إشعار من صفحة الروايات بتاعتي:
**”تم تسجيل 500,000 قراءة للفصل الأخير.. الجميع يتساءل: هل سيعود أحمد؟”**
ابتسمت وقفلت الجهاز. أحمد مش هيرجع، لأن “أحمد” اللي أنا حبيته مكنش موجود أصلاً.. كان مجرد شخصية في رواية فاشلة، وأنا النهاردة، قفلت الكتاب للأبد.
**تمت.**
#الكاتب_رومانى_مكرم