قصه واقعيه 3

كانت الصدمة في القاعة لا توصف، فقد تحول المشهد من ساحة للقضاء والقصاص إلى درس في الإنسانية يفوق طاقة البشر. القاضي نظر إلى الزوجة الصالحة بذهول ممزوج بالاحترام، وسألها بصوت متهدج: “يا سيدتي، هذه المرأة .ت أطفالكِ الذين ربيتيهم، واتهمتكِ زوراً وكادت أن تنهي حياتكِ على حبل المشنقة، فكيف تطلبين تربية ابنها؟”.

أجابت الزوجة والدموع تنهمر على خديها: “يا سيادة المستشار، الطفل الذي مات كتب في كراسته أنه يتمنى لو كنتُ أمه، وأنا الآن أحقق أمنيته في أخيه الذي لم يولد بعد. هذا الجنين لم يختار أمه القاتلة، ولا يصح أن يخرج للدنيا ليجد نفسه منبوذاً بسبب جريمة لم يرتكبها. أريد أن أربيه على الحب والخير الذي كان يحبه إخوته، أريد أن أثبت للجميع أن كراسة التعبير التي أنقذتني كانت رسالة من الله لأستكمل طريقي مع طفل جديد يحتاج للرحمة”.

في تلك الأثناء، وفي مستشفى السجــ,,ـــــن، كانت الأم القاتلة تمر بحالة من الجنون والندم الممتزج بالحقد. حينما وصلها خبر طلب الزوجة الصالحة، ثارت بجنون وحاولت إيذاء نفسها، صرخت في وجه السجانين: “لن تأخذه! سأ.ه في بطني كما .ت الآخرين! لن أسمح لها أن تكون أماً لابني وتنتصر عليّ في مــ,,ـــــوتي كما انتصرت في حياتي!”.

لكن الحراسة كانت مشددة، وتم تقييدها ووضعها تحت رقابة طبية ونفسية صارمة على مدار الساعة. بدأت النيابة العامة تدرس الطلب، وكان العائق القانوني هو وجود الأب الحقيقي لهذا الجنين، وهو ذلك المجرم الذي كانت الأم على علاقة به.

وهنا ظهرت مفاجأة قانونية أخرى فجرها المحامي الشاطر؛ فقد بحث في سجلات ذلك “المجهول” واكتشف أنه قُتل في مشاجرة بين مسجلين خطر بعد القبــ,,ـــــض على الأم بأيام قليلة، مما يعني أن الطفل سيولد يتيماً مجهول الأب قانوناً، أو “بلا عائل”.

مرت الشهور ثقيلة كأنها سنوات. الزوجة الصالحة كانت تذهب كل أسبوع لزيارة السجــ,,ـــــن، ليس لترى القاتلة، بل لتطمئن على صحة “الجنين” من خلال الأطباء، وتدفع من مالها الخاص لتوفير أفضل الرعاية الصحية والغذائية للأم السجينة من أجل سلامة الطفل المنتظر. كانت تشتري ملابس المولود الجديد وتضعها بجوار كراسة التعبير والصور الباقية للأطفال الراحلين.

أما الأب، فكان يعيش صراعاً داخلياً مريراً، بين كرهه لامرأة دمرت حياته، وبين حبه لزوجته التي يراها “ملاكاً” يمشي على الأرض. وفي يوم ولادة الطفل، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. نُقلت الأم القاتلة إلى غرفة العمليات وهي مقيدة من قدم واحدة بالسرير، وفي الخارج كانت الزوجة الصالحة تنتظر بلهفة وقلق كأنها هي الأم الحقيقية.

وُلد الطفل، صبي جميل الملامح، يشبه كثيراً أخاه الذي مات مسموماً. وبمجرد أن رأت الأم القاتلة وجه طفلها، انهار حصن الحقد بداخلها وتفجرت في غريزة الأمومة المتأخرة. احتضنته وبكت بكاءً مراً، وقبل أن يتم سحب الطفل منها ليوضع في الحضانة، طلبت رؤية الزوجة الصالحة.

دخلت الزوجة الغرفة، فكانت المفاجأة أن القاتلة انحنت بضعف وقبلت يدها وقالت بصوت مكسور: “سامحيني.. الآن فقط عرفت لماذا أحبكِ أطفالي أكثر مني. خذيه يا “أمي”، ربيه بعيداً عن غلي وسوادي، علّميه أن يقرأ ويكتب، واجعليه يكتب في كراسته أنكِ أنتِ أمه الحقيقية.. أنا لا أستحق حتى أن يتذكر اسمي”.

خرجت الزوجة بالطفل وهي تضمه إلى صدرها، وفي خلفية المشهد كان المحامي ينهي الإجراءات القانونية لتبني الطفل أو كفالته رسمياً. لكن في اللحظة التي كانت الزوجة تهم فيها بمغادرة المستشفى، ظهر شخص غريب عند الباب يطالب بالطفل، ويدعي أنه يملك سراً سيقلب موازين “نسب” هذا الطفل تماماً!

 

توقف الجميع في ممر المستشفى، حيث وقف رجل في الخمسين من عمره، يبدو عليه الوقار رغم علامات الحزن التي تكسو وجهه، وادعى أنه جد هذا الطفل وأن لديه ما يثبت ذلك. كان هذا الرجل هو والد الأم القاتلة، الذي هجر أسرته منذ سنوات طويلة بسبب سوء سلوك ابنته، لكنه عاد حينما قرأ عن الفاجعة في الصحف.

قال الرجل بصوت مرتعش: “أنا لا أريد مشاكل، ولا أريد أن أدافع عن ابنتي التي سودت وجهي، لكنني علمت بطلب السيدة الفاضلة بتربية الطفل، وجئت لأقول كلمة حق أمام الله والقانون.. هذا الطفل ليس ابن ذلك المجرم كما ادعت ابنتي في محاولة يأسها لتأجيل حكم الإعدام!”.

ساد الصمت التام، وأكمل الأب: “ابنتي كانت تكذب حتى في حملها، لقد كانت متزوجة سراً من رجل بسيط يعمل في مدينة أخرى، وحينما وقعت الجريمة، ادعت أن الطفل ابن مجرم لتكسب تعاطفاً أو تأجيلاً، لكن الحقيقة أن زوجها هذا توفي في دــ,,ـــــادث منذ أشهر، وهذا الطفل هو حفيد شرعي لي، وهذا عقد الزواج الرسمي”.

هنا تدخل المحامي بسرعة وأخذ الأوراق ليفحصها، والتفت للأب المكلوم ولزوجته الصالحة وقال: “هذا يغير المسار القانوني تماماً، الطفل الآن له نسب معلوم وجد شرعي، وطلبه للوصاية مقدم على أي غريب، لكن..”. نظر المحامي للجد وأكمل: “هل أنت قادر على تربيته في ظل هذه الوصمة؟”.

بكى الجد وقال: “أنا جئت لأسلم الأمانة لمن هي أحق بها. أنا رجل وحيد وعجوز، وقد رأيت ما فعلته هذه السيدة من أجل أحفادي الذين قُتلوا، ورأيت كيف صانت عرض ابنتي وهي في السجــ,,ـــــن. أنا أتنازل عن حقي في الحضانة لهذه السيدة العظيمة، وأريدها أن تربيه ليكون كفارة عن ذنوب أمه”.

في هذه الأثناء، صدر القرار النهائي من محكمة الجنايات بعد استنفاد كل طرق الطــ,,ـــــعن، وتحدد موعد تنفيذ حكم الإعدام في الأم القاتلة. وفي ليلتها الأخيرة، طلبت أن ترى الزوجة الصالحة للمرة الأخيرة. ذهبت الزوجة ومعها الطفل الصغير، الذي أسمته “جابر” تيمناً بـ “جبر الخواطر” الذي كان سبباً في نجاتها.

خلف القضبان، كانت الأم القاتلة قد تحولت إلى حطام إنسان. نظرت للطفل ولمست يده من وراء الشباك وقالت: “غداً سألقى ربي بذنوب لا يحملها جبل، لكن الشيء الوحيد الذي سيجعلني أتحمل حبل المشنقة هو أنني أعلم أنه بين يديكِ.. يا زوجة زوجي، لقد كنتِ أنتِ (الأم) الحقيقية حتى لأولادي الذين .تهم، وأرجوكِ.. لا تحكي لـ (جابر) عني إلا عندما يكبر، وقولي له إن أمه ماتت بمرض الغل، لعلّه يشفى منه بالحب الذي ستزرعينه فيه”.

خرجت الزوجة من السجــ,,ـــــن في فجر اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تشرق، كان حكم الإعدام يُنفذ في القاتلة. عادت الزوجة إلى بيتها، وفتحت كراسة التعبير القديمة، ووضعتها في صندوق صغير بجانب شهادة ميلاد الطفل الجديد، وقالت لزوجها: “موضوع التعبير لم ينتهِ يا محمد.. الطفل الذي مات كتب الحروف، وهذا الطفل سيعيش الكلمات”.

وبدأوا حياة جديدة، بطلها طفل ولد من رحم الظلام ليعيش في نور الرحمة، محاطاً بزوجة أب أثبتت للعالم أن الأمومة ليست “بطاقة شخصية” أو “صلة دم”، بل هي “جبر خاطر” وروح تمنح الحياة لمن حولها.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
6