تحولت نظرات القاضي القاسية إلى الأم الحقيقية، التي بدأت ترتجف وتتراجع إلى الخلف محاولة الهروب من نظرات الحاضرين، لكن رجال الأمن أحاطوا بها فوراً بناءً على أمر المحكمة.
صاح المحامي في وجهها: “لقد خططتِ لكل شيء بدقة، استغللتِ حب الأطفال للشوكولاتة، واستغللتِ كره المجتمع لزوجة الأب لتكون كبش فداء، لكنكِ نسيتِ أن براءة طفل لا تكذب، وأن قلم الصغير كان يسطر حتفك وهو لا يدري!”.
بدأ استجواب الأم الحقيقية رسمياً، وفي البداية حاولت الإنكار والادعاء بأن الزوجة هي من وضعت السم في الشوكولاتة، لكن المحامي باغتها بسؤال قاتل:
“إذا كانت زوجة الأب هي القاتلة، فكيف عرف الطفل أنكِ أنتِ من أعطيتِه إياها؟ وكيف كتب في كراسته أنكِ هددتِهما؟ والأهم من ذلك، من أين حصلتِ على هذا النوع النادر من الزرنيخ الذي لا يباع إلا بتصاريح طبية خاصة، وأنتِ تعملين ممرضة في عيادة للسموم؟”.
هنا ساد الصمت التام في القاعة، وبدأت الأم تنهار تماماً، وبدلاً من الدفاع عن نفسها، بدأت في صب لعناتها على طليقها وزوجته صائحة: “كان لازم يحس بالوجع اللي حسيته لما سابني واتجوز! كان لازم يعرف إن السعادة اللي عايش فيها مع دي ثمنها غالي!”.
كانت هذه الكلمات بمثابة اعتراف صريح وواضح أمام الجميع. أمر القاضي بتحويل الأم الحقيقية إلى قفص الاتهام وتغيير صفتها من شاكية إلى متهمة بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وقرر إخلاء سبيل زوجة الأب فوراً بضمان محل إقامتها لحين صدور الحكم النهائي.
خرجت الزوجة من القفص، ولم تذهب لبيتها، بل ارتمت في أحضان زوجها وهي تبكي ليس فرحاً ببراءتها، بل حزناً على “أطفالها” الذين راحوا ضحية غل وحقد امرأة لم تعرف معنى الأمومة، وظلت تتردد في أذنيها جملة الطفل في موضوع التعبير: **”كان نفسي تكوني أنتي أمي”**.
بعد خروج الزوجة من القفص بضمان التحقيقات، لم تنتهِ القضية عند هذا الحد، فقد كانت هناك تفاصيل قانونية وتقنية مرعبة كشفتها تحقيقات النيابة العامة مع الأم القاتلة.
بدأ المحققون في تتبع مصدر السم، وبالفعل تم التوصل إلى الصيدلية والمستشفى الذي تعمل به الأم، حيث تبين أنها قامت باختلاس كميات صغيرة من الزرنيخ على فترات متباعدة حتى لا تثير الشبهات، مما أثبت “سبق الإصرار والترصد” في أبشع صوره.
لكن المفاجأة التي هزت الرأي العام كانت في “المواجهة الكبرى”. طلب المحامي مواجهة الأم بوالد الأطفال وزوجته داخل مكتب التحقيق. وقفت الأم الحقيقية بجمود وجفاء غريب، بينما كانت زوجة الأب تنهار من البكاء وتقول لها: **”ليه؟ أنا كنت ببعتلك صورهم وهما بيضحكوا عشان أطمنك عليهم.. كنت بخلي الأب يوديهم ليكي رغم إنه كان رافض، عشان يبروا بيكي.. ليه تحرقي قلبي وقلب أبوهم وتقتلي روحين ملهمش ذنب؟”**.
ردت الأم ببرود قاتل جمد الدماء في العروق: **”عشان كنتي بتاخدي مكان مش ليكي، وعشان هما بدأوا يحبوكي وينسوني.. كنت بقرأ في عينيهم نظرة الامتنان ليكي، فقررت إنهم ميكونوش ليكي ولا ليا، ويكونوا تحت التراب أحسن”**.
في هذه اللحظة، استدعى القاضي مفاجأة لم تكن في الحسبان؛ وهي شهادة “الصيدلي” الذي اشترت منه الأم المادة السامة تحت ستار أنها مبيد حشري قوي، ولكنه ارتاب في أمرها وقام بتسجيل الكاميرات ليوم الشراء، وظهرت فيه وهي تبتسم وهي تستلم المادة التي ستنهي حياة فلذات أكبادها.
وعندما ظن الجميع أن القضية انتهت، ظهر خيط جديد في كراسة التعبير.. ورقة مطوية في آخر الكراسة لم يلحظها أحد من قبل، كانت مخبأة داخل تجليد الكراسة، كتبها الطفل الصغير بخط مرتعش كأنه كان يشعر بدنو أجله.