قال الدكتور حسن بصوت منخفض:
– “فريدة.. المادة اللي كانت في جسمك مكنتش بس بضعف القلب، دي كانت بتتفاعل مع أدوية تانية لقيتها في درج مكتبك في البيت القديم.. أدوية ضغط كان باباكي بياخدها بانتظام.”
التفتُّ إلى أبي الذي كان يقف بعيداً عند النافذة، ظهره لنا، وكأنه غائب عن العالم. أكمل الدكتور:
– “التحاليل بتقول إنك كنتي بتاخدي الأدوية دي بالخطأ، أو حد كان بيبدلها لك.. بس الصدمة مش هنا. الصدمة إن التحاليل الجينية اللي عملناها عشان نشوف مدى تضرر عضلة القلب، كشفت إن فصيلة دمك وبصمتك الوراثية فيها “اختلاف” جذري عن رانيا وعن والدتك.”
ساد صمت مرعب.. صمت أشد وطأة من صوت صرخات رانيا. الشخص المرافق للدكتور تقدم خطوة وقال:
– “أنا المحامي الخاص بجدتك “هانم”، الله يرحمها. الوصية مكنتش بس أرض وفلوس يا فريدة.. الوصية كانت “اعتراف”. جدتك كتبت إنك مش بنت السيدة اللي واقفة قدامك دي.”
وقعت أمي على الكرسي وهي تخفي وجهها بيدها، بينما التفت أبي ببطء، وعيونه غارقة في الدموع. المحامي أكمل ببرود:
– “فريدة هي ابنة السيدة “نادية”، الزوجة الأولى والمخفية لوالدك، اللي ماتت وهي بتولدك. وبسبب جبروت الست دي (أشار إلى أمي) وخوف والدك، تم تسجيلك باسمها عشان الورث ميروحش لبره، وعشان تعيشي “خادمة” لبنتها رانيا من غير ما تعرفي الحقيقة.”
في تلك اللحظة، انهار كل شيء. لم تكن القسوة مجرد تفضيل ابنة على ابنة.. كانت عملية محو ممنهجة لهويتي. كنت أتعرض للقتل بالسم من رانيا، وبالتجاهل من “أمي” المزيفة، وبالصمت الجبان من أبي الحقيقي.
ضحكتُ بصوت عالٍ.. ضحك هستيري قطع سكون الغرفة. كنتُ أضحك على الـ 35 سنة التي قضيتها أحاول إرضاء امرأة ليست أمي، وأنتظر حباً من عائلة قامت على كذبة وجريمة.
نظرتُ إلى أمي (المزيفة) وقلت:
– “دلوقتي فهمت.. فهمت ليه كنتي بتنهدي بضيق لما بتشوفيني. كنتي بتشوفي فيا “نادية”.. الست اللي بابا حبها بجد. وفهمت ليه كنتي عايزة رانيا تخلص مني.. عشان دم “نادية” مياخدش حق بنتك في ورث جدتي.”
رانيا حاولت أن تتكلم، لكنني أشرت لها بيدي أن تصمت:
– “انتهى يا رانيا. السجن مش بس عشان السم.. السجن كمان عشان تزوير أوراق رسمية وانتحال صفة. والمحامي اللي معايا ده، معاه أمر بالحجز التحفظي على كل أملاك البيت ده، لأنها في الأصل من ورث أمي الحقيقية اللي إنتوا نهبتوه.”
التفتُّ إلى أبي وقلت له جملة واحدة:
– “أنا مسمحاك على ضعفك.. بس مش هقدر أشوف وشك تاني. إنت قتلت أمي مرتين، مرة لما سكت على موتها، ومرة لما سبتني أعيش ميتة وسطكم.”
أخذتُ حقيبتي وقبل أن أخرج، نظرتُ إلى “الورقة” الأربع سطور التي كانت لا تزال في يد أمي، خطفتها منها ومزقتها مائة قطعة ونثرتها في الهواء.
– “الورقة دي كانت لفريدة القديمة.. فريدة الجديدة معندهاش كلام تقوله ليكم.”
خرجتُ مع الدكتور حسن، وأنا أشعر بحمل الجبال ينزاح عن كتفي. لكن قبل أن نصل إلى السيارة، توقف الدكتور ونظر إليّ بتوجس:
– “فريدة.. لسه فيه خطوة أخيرة. المحامي معاه مفتاح “صندوق” جدتك سابته في البنك.. قالت إنه ميتفتحش إلا لما تعرفي الحقيقة كاملة. الصندوق ده فيه حاجة هتغير انتقامك كله.”
نظرتُ إلى مفتاح الصندوق في يد المحامي، وقلبي الذي كان يصارع الموت قبل أسابيع، بدأ يدق بقوة.. قوة لم أعرفها من قبل. ماذا تركت لي “نادية”؟ وماذا سأفعل بكل هذا الحطام؟
ذهبتُ إلى البنك في اليوم التالي، يرافقني الدكتور حسن الذي أصبح الشاهد الوحيد على ولادتي الثانية. فُتح باب الخزنة الحديدية، وُضع الصندوق الخشبي أمامي، وبيد ترتعش أدخلت المفتاح.
لم أجد ذهبًا ولا عقودًا إضافية، وجدتُ رسالة بخط يد أمي “نادية”، وصورة لها وهي تحمله بين يديها وتنظر إليّ بنظرة حب لم أرها في حياتي قط، ومعها “مذكرات” يومية. بدأتُ أقرأ، وفي كل سطر كنتُ أكتشف أن “نادية” لم تمت ميتة طبيعية، بل ماتت قهراً وهي تحاول حمايتي من تدبير تلك المرأة التي ظننتها أمي سنوات طويلة.
أغلقتُ الصندوق، ووقفتُ في وسط ساحة البنك، وشعرتُ بأن روحي قد اكتملت. لم أعد فريدة الضحية، ولا فريدة المنتقمة.. أصبحتُ فريدة “الحرة”.
### المشهد الختامي: المواجهة الأخيرة
عدتُ إلى البيت القديم للمرة الأخيرة، ليس للسكن، بل للتنفيذ. كان الشرطة هناك بناءً على بلاغ محامي جدتي بخصوص التزوير ومحاولة القتل. رانيا كانت تُقاد مكلومة الأيدي، تصرخ وتتوسل، وأمي (المزيفة) كانت تجلس على الأرض بذهول وهي ترى تاريخها الأسود يُكشف أمام الجيران.
نظرتُ إليهم جميعاً، ومن خلفي وقف الدكتور حسن كأنه جداري الجديد. قلتُ بصوت هادئ وصل لكل ركن في البيت:
– “أنا مش هسجنكم.. التنازل عن المحضر في إيدي، بس بشرط واحد.”
سكت الجميع، وتعلقت العيون بشفتي. أكملت:
– “البيت ده هيتحول لـ “دار نادية”.. ملجأ للبنات اللي العيلة كسرتهم، للبنات اللي عاشوا “عاقلين” بزيادة لحد ما خسروا نفسهم. رانيا هتتنازلي عن كل مليم، وإنتي يا ست “سعاد” هتخرجي بشنطة هدومك بس، تروحي تعيشي في الشقة اللي رانيا كانت مديونة بسببها.. عيشوا مع بعض النتيجة اللي صنعتوها بإيدكم.”
أما أبي، فقد اقتربتُ منه وقبلتُ رأسه، ثم همستُ في أذنه:
– “أنا أخدت حقي وحق نادية.. دلوقتي تقدر تعيش اللي فاضل من عمرك وإنت عارف إن بنتك “بتتصرف” فعلاً.. بس المرة دي لنفسها، مش ليكم.”
### الرحيل إلى الحياة
خرجتُ من باب البيت، ولم أنظر خلفي أبداً. استنشقتُ هواء شارعنا القديم، وشعرتُ بقلبي يدق بانتظام مذهل، كأنه يشكرني لأنني حررته من عبء حب لم يكن له.
بعد عام واحد..
افتتحتُ “دار نادية”، وأصبحتُ كاتبة مشهورة أحكي قصص المظلومين. وفي كل مرة كنتُ أوقع فيها كتاباً جديداً، كنتُ أكتب تحت اسمي: **”فريدة حسن.. ابنة نادية، البنت التي لم تعد عاقلة، بل أصبحت حقيقية.”**
الدكتور حسن كان يجلس دائماً في الصف الأول، يبتسم لي، وكأن نبض قلبي الذي أنقذه يوماً، قد أصبح الآن هو اللحن الذي نعيش به حياتنا الجديدة معاً.
**تمت.**