دكتور القلب حكايات رومانى مكرم 1

مرت الساعات في العناية المركزة وأنا معلقة بين السماء والأرض. الدكتور حسن يحكي لي لاحقاً أن وجهي كان شاحباً لدرجة العدم، بينما كان هاتفي الموجود في أمانات المستشفى لا يتوقف عن الرنين.. لم يكن أهلي المتصلين، بل كانت “رانيا” ترسل رسائل متتالية تسألني فيها عن مكان “عقد الألماظ” الخاص بي، لأنها تريده لتكمل به أناقتها في الحفلة، وحين لم أرد، أرسلت رسالة أخيرة: “طول عمرك أنانية وبتحبي تخربي فرحتي.. خليكي في درامتك.”

في تلك الليلة، حين اشتد الألم وقرر الدكتور إجراء جراحة طارئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كنت قد استسلمت تماماً. لم أعد أريد النجاة. طلبت من الممرضة ورقة وقلماً، ويداي ترتعشان، وكتبت الكلمات التي ظلت تنزف في ذاكرتهم للأبد.

عند الساعة الثالثة فجراً، وصلوا أخيراً. دخلت الأم وهي تضحك بصوت خافت مع رانيا، يجرون فساتين السهرة خلفهم في ممرات المستشفى الباردة، وبمجرد وصولهم لغرفة العناية، استقبلهم الدكتور حسن بوجه كأنه قطعة من الرخام.

– “البقاء لله.. في ضميركم.”

قالها الدكتور وهو يشير إلى السرير الفارغ. تجمدت الضحكة على وجه أمي، وسقطت حقيبة رانيا من يدها. لم يجدوا جسدي، فقد كنت قد نُقلت لغرفة العمليات في محاولة أخيرة يائسة، لكنهم ظنوا أنني رحلت حقاً.

اندفعت أمي نحو السرير الخالي، تلمس الوسادة الباردة بذهول، وهناك وجدت “الورقة”. أربع سطور، بخط مهتز، لكنه حاد كالمشرط:

“أنا مشيت.. بس مش عشان متّ، أنا مشيت عشان مفيش مكان ليا في زحمة احتفالاتكم.

المرة دي مش هبقى القوية، ولا العاقلة، ولا اللي بتستنى.

يوم ما سألتوني ‘فريدة فين؟’ عشان العقد، كنت أنا بسأل ‘أهلي فين؟’ وأنا بواجه الموت.

مبروك يا رانيا.. دلوقتي البيت كله ليكي، مفيش حد هيزاحمك في الصورة.”

وقعت أمي على الأرض وهي تصرخ باسمي لأول مرة بحرقة، بينما رانيا كانت تنظر للورقة وهي ترتعش، تدرك لأول مرة أن “العقد” الذي بحثت عنه كان أغلى بكثير مما تخيلت.

لم يدركوا وقتها أنني ما زلت أتنفس في غرفة العمليات، وأن “مشيت” في الورقة لم تكن تعني الموت.. بل كانت تعني شيئاً أقسى بكثير.

مرت الساعات داخل غرفة العمليات وكأنها دهر كامل. الدكتور حسن كان يقاتل لإنقاذ مضخة قلبي التي أرهقها الحزن قبل المرض. وفي الخارج، كان الممر المظلم يشهد على انهيار “الأسطورة” التي عاشوا فيها لسنوات.

أمي كانت تحتضن الورقة وتضرب رأسها في الحائط، تصرخ بأنني لا يمكن أن أرحل قبل أن تسمعني أقول “خلاص مسامحة”. أما رانيا، فكانت تجلس على الكرسي بفساتينها اللامعة، تنظر إلى يديها وتتذكر كيف كانت تطلب مني إعداد الفطور لها وهي ترى التعب في عيني، وكيف كانت تأخذ مصروفي لتشتري به أشياء تافهة بينما كنت أنا أشتري به كتبي.

خرج الدكتور حسن من العمليات، غارقاً في عرقه. لم يقل “مبروك”، بل قال بجمود:

– “فريدة رجعت للحياة.. بس قلبي بيقولي إنها مش هترجع ليكم.”

نُقلت لغرفة معزولة، ومنع عني الزيارة بأمر منه. كان يعلم أن رؤيتهم هي “السم” الذي سيفشل العملية. خلال الـ 48 ساعة التالية، بدأوا يدركون حجم الفراغ الذي تركته “البنت العاقلة”.

في البيت، اكتشفوا أنهم لا يعرفون مكان أوراق البيت المهمة، ولا كيفية دفع الفواتير، ولا حتى صيدلية المنطقة.. كل شيء كان مسجلاً في عقلي أنا، العقل الذي قرر أخيراً أن يستقيل.

أبويا دخل مكتبه، ووجد أجندة صغيرة كنت قد تركتها على مكتبه قبل مرضي بيوم واحد. فتحها ليجد حسابات دقيقة لكل قرش دفعته في البيت منذ أن بدأت العمل، وفي نهاية الصفحة كتبت:

“هذا نصيبي من الإيجار والطعام حتى نهاية العام.. لكي لا أكون مَدينة لأحد بلقمة حين أرحل.”

بكى أبي كما لم يبكِ من قبل. أدرك أنني كنت أعيش بينهم كغريبة تدفع ثمن وجودها، بينما رانيا كانت تستهلك وجودهم بالمجان.

في المستشفى، استعدت وعيي ببطء. أول ما رأيته كان وجه الدكتور حسن. حاولت الكلام، فوضع يده على كتفي وقال:

– “ارتاحي يا فريدة.. الورقة عملت مفعولها. هما برا، بيموتوا في اليوم ألف مرة عشان يشوفوا طرف عينك.”

نظرت إلى الباب الزجاجي، رأيت أمي وهي تتوسل للممرضة لتدخل لثانية واحدة. شعرت ببرود غريب يغزو صدري، برود أقوى من بنج العمليات. لم أشعر بالشفقة، ولا بالشماتة، شعرت فقط بـ “الفراغ”.

قلت للدكتور بصوت مبحوح:

– “مش عايزة أشوف حد.. وبلغهم إن فريدة اللي كانت بتستحمل، ماتت فعلاً في العمليات.”

وعندما حاولت رانيا الدخول بالقوة وهي تبكي وتعتذر، أدرت وجهي للجهة الأخرى، وأخرجت من تحت وسادتي هاتفي الذي استعدته، وقمت بعمل “حظر” (Block) لرقم كل واحد فيهم.. واحداً تلو الآخر.

كنت أضع حجر الأساس لحياتي الجديدة، حياة ليس فيها مكان لـ “نجمة واحدة” في البيت.. لأنني قررت أن أكون أنا المجرة بأكملها، بعيداً عن مدارهم الخانق.

خرجت من المستشفى بعد أسبوعين، لكنني لم أعد إلى “البيت”. طلبت من الدكتور حسن أن يساعدني في تنسيق خروجي سراً من باب الطوارئ، بينما كان أهلي ينتظرون عند الباب الرئيسي بزهور اعتذارهم المتأخرة.

ذهبت إلى شقة صغيرة كنت قد استأجرتها وادخرت ثمنها لسنوات في صمت، تحسباً للحظة التي يفيض فيها الكيل. أغلقت الباب خلفي، ولأول مرة منذ 35 سنة، شعرت أن الهواء الذي يدخل صدري ملكي وحدي، لا يشاركه فيه أحد، ولا أستأذن أحداً لكي أتنفسه.

في البيت القديم، كانت الصدمة قد تحولت إلى ذهول. حكى لي “حارس العقار” لاحقاً أن أمي كانت تدخل غرفتي كل ليلة، تجلس على السرير، وتفتح خزانة ملابسي لتجدها فارغة تماماً إلا من شيء واحد: “فواتير”.

كل فاتورة كانت تحكي قصة.. فاتورة دروس رانيا الخصوصية التي دفعتها أنا من عملي السري في المدرسة، فاتورة إصلاح سيارة أبي التي ادعيت أنها “خصم من الشركة”، وفاتورة علاج أمي القديم الذي كنت أوفر ثمنه من وجبات غدائي.

أدركوا أن “فريدة” لم تكن مجرد ابنة عاقلة، كانت “العمود الفقري” الذي لولاه لسقط سقف البيت فوق رؤوسهم.

بدأت رانيا تتصل من أرقام غريبة، وحين أجبت على أحدها بالصدفة، سمعت صوتها منكسراً، غاب عنه الدلع لأول مرة:

– “فريدة.. البيت بيغرق. ماما مش بتاكل، وبابا تايه، وأنا.. أنا مش عارفة أعمل أي حاجة من غيرك. الموردين بتوع شغلي بيطالبوني بفلوس وأنا مش فاهمة الحسابات اللي كنتي بتعمليها.”

رددت عليها بهدوء مرعب:

– “يا رانيا، إنتي كنتي دايمًا النجمة.. والنجمة بتلمع لوحدها في السما، مش محتاجة حد يسندها. اتصرفي.. مش دي الجملة اللي كنتوا بتسمعوهالي؟ دلوقتي جه دورك تصدقيها.”

أغلقت الخط، وبدأت أركز في عملي الخاص. في غضون شهر واحد، بدأت صحتي تتحسن بشكل أذهل الأطباء. قلبي الذي كان يضعف بسبب “الحزن” بدأ يقوى بالاستغناء.

لكن المفاجأة كانت في اليوم الذي طرقت فيه أمي باب شقتي الجديدة. لا أعرف كيف وصلت للعنوان، لكنها كانت تقف هناك، بملابس مهلهلة لم أعتد رؤيتها بها، وعينين غارقتين في الندم. لم تطلب مني العودة، بل قالت جملة واحدة جعلتني أتوقف عن التنفس للحظة:

– “فريدة.. رانيا قررت تبيع نصيبها في البيت عشان تسدد ديونها، وباباكي وقع من طوله لما عرف.. إحنا ملناش غيرك يلمنا من الشارع.”

نظرت إليها، ولم أشعر بتلك “النغزة” القديمة في قلبي. شعرت فقط ببرود من يرى حطاماً لا يخصه. وقبل أن أنطق بكلمة، ظهر الدكتور حسن خلفها في الممر، كان قد جاء لزيارتي للاطمئنان على الجرح، ونظر إليّ نظرة فهمتُ منها أن الاختبار الحقيقي بدأ الآن:

هل سأعود “للبنت العاقلة” التي تنقذهم مرة أخرى وتضحي بنفسها؟ أم أن فريدة الجديدة ستكمل طريقها وتترك المركب يغرق بمن فيه؟

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
16