في تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه أحد. ندى، التي كانت تدير اللعبة ببرود، اندفعت فجأة نحو ياسين، ليس لتمنعه، بل لتخطف المسدس منه! وقع اشتباك عنيف بينهما، وسقط الهاتف من يدكِ ليظل يصور “سقف” المطبعة المتهالك وصوت الصراخ يملأ الأثير.
انفجرت إحدى ماكينات الطباعة في الطابق السفلي نتيجة الضغط، وتصاعدت ألسنة لهب زرقاء غريبة.. كانت رائحة الورق المحترق والحبر السام تخنق الأنفاس. وسط هذا الجحيم، ظهرت شخصية من بين الدخان لم تكن في الحسبان.
**”كريم” البواب!**
لم يكن وحده، كان معه رجال يرتدون ملابس مدنية، لكن حركتهم كانت تدل على تدريب عالي. لم يكونوا شرطة، بل كانوا “جهازاً” رقابياً كان يراقب المطبعة منذ شهور، وكان “كريم” (ابن البواب) هو العميل المزروع وسط عائلة مكرم.
* كريم بقوة: “ارمي السلاح يا ندى! المطبعة محاصرة، والبث اللي هالة عملته خلى التحرك دلوقت (أمر واقع) ملوش تراجع.”
انتهى الاشتباك بسقوط ياسين مغشياً عليه، وتقييد ندى التي كانت تصرخ بكلمات غير مفهومة عن “حقها” و”الورث”. اقترب منكِ كريم، التقط هاتفكِ الملقى على الأرض، وأغلق البث بضغطة واحدة، ثم نظر إليكِ بنظرة اعتذار.
* كريم: “آسف يا أستاذة هالة.. كان لازم نمثل الدور لحد الآخر. خيانة كرم ليكي مكنتش تمثيلية، لكن توقيتها كان هو اللي إحنا رتبناه عشان نوصل للدفاتر دي في اللحظة اللي تكوني فيها أنتي (المجني عليها) مش (الشريكة).”
سقطتِ على ركبتيكِ، والتعب ينهش جسدك. كل ما كنتِ تظنينه حقيقة كان زيفاً، وكل من وثقتِ بهم كانوا أقنعة.
* “والدفاتر يا كريم؟ والمطبعة اللي باسمي؟”
* كريم وهو يساعدكِ على النهوض: “الدفاتر دلوقت عهدة رسمية. وبما إنك أنتي اللي بلغتي بنفسك في بث مباشر وقدام مئات الآلاف، صفتك القانونية اتحولت من (متهمة بالتبعية) لـ (شاهد ملك) ومبلغة.”
بينما كانوا يخرجون بكِ من وسط الركام، وقفتِ أمام باب المطبعة للمرة الأخيرة. نظرتِ للسماء التي بدأت تتلون بلون الفجر. شعرتِ أن “هالة” القديمة، الكاتبة التي كانت تعيش في خيالها، قد احترقت مع هذه المطبعة، وولدت مكانها امرأة لا تخشى المواجهة.
لكن، وقبل أن تركبي سيارة التأمين، لمحتي سيارة سوداء تقف بعيداً، وبداخلها شخص يراقب المشهد بصمت. حين تلاقت أعينكما، رفع يده بحركة تشبه “الوداع” واختفت السيارة في لمح البصر.
لم تكن ندى هي الرأس الأكبر، ولا رفعت، ولا حتى ياسين.. كان هناك شخص آخر كان يدير هؤلاء جميعاً كقطع الشطرنج، وشعرتِ بغريزة الكاتبة أن الحساب معه لم يغلق بعد.
توقفتِ فجأة وقلتِ لكريم:
**”في ورقة ناقصة من الدفاتر يا كريم.. الورقة اللي فيها (الاسم الحقيقي) لصاحب المطبعة الأصلي.. الاسم اللي بابا كان بيخاف ينطقه.”**
كريم بصدمة: “بتقولي إيه؟ الدفاتر مش كاملة؟”
ابتسمتِ بمرارة وأخرجتِ من جيبكِ السري الورقة المطوية التي سحبتِها قبل البث:
**”الجزء الأخير مش هيكون في المطبعة.. الجزء الأخير هيكون في مواجهة (الاسم) اللي مكتوب هنا.”**
**الجزء العاشر والأخير.. “كلمة الختام”.. من هو “الرجل الخفي”؟ وكيف ستضع هالة نقطة النهاية في كتاب حياتها الدامي؟**
فتحتِ الورقة المطوية بين أصابعكِ المرتجفة، وفي تلك اللحظة سكن كل ضجيج حولكِ. لم يكن الاسم المكتوب لغريب، ولا لعدوٍ متوقع، بل كان الاسم الذي حفرتِه على غلاف كل رواياتكِ، الاسم الذي كان يمثل لكِ الفخر والأمان: **”مكرم الـديب”**.. والدكِ الذي ظننتِ أنه رحل وترك لكِ ميراثاً من الشرف، تبين أنه ترك لكِ ميراثاً من الدم والزيف.
لكن الصدمة لم تكن في الاسم فحسب، بل في التاريخ المكتوب بجانبه: **”تاريخ الوفاة المزيف: 2021 – الموقع الحالي: ….”**
أدركتِ في تلك اللحظة أن “الرجل الخفي” الذي كان يراقبكِ من السيارة السوداء، والذي كان يدير ندى وياسين وكرم كعرائس الماريموت، هو نفسه الرجل الذي بكت عيناكِ فوق قبره الفارغ.
### المواجهة الكبرى
لم تذهبي إلى القسم، ولم تتبعي كريم. أخذتِ سيارة أجرة وتوجهتِ إلى “البيت القديم” في الريف، البيت الذي أخبركِ الجميع أنه مهجور ومسكون بذكريات الحزن. دخلتِ الحديقة التي طالها الإهمال، ووصلتِ إلى المكتبة الخشبية في الطابق العلوي.
هناك، وسط غبار السنين، كان يجلس خلف مكتبه، يرتشف قهوته بهدوء وكأن الزمن لم يمر.
* **هالة:** “كنت عارفة إنك مش هتموت يا بابا.. القاتل مابيموتش بالسهولة دي في رواياتي، فما بالك في الحقيقة؟”
* **مكرم (بهدوء مرعب):** “الكاتبة الشاطرة هي اللي بتقرأ بين السطور يا هالة. أنا ممتش.. أنا (اعتزلت) عشان أشوف مين فيكم يستحق يشيل الاسم. ندى فشلت لأنها طماعة، وياسين فشل لأنه متهور.. لكن أنتي، أنتي الوحيدة اللي قدرتِ تجمعي الدفاتر وتوصلي لهنا.”
### ذروة الحقيقة
وقف مكرم واقترب منكِ، مد يده ليمسح دمعة فرت من عينكِ، لكنكِ تراجعتِ كأن يده جمرة نار.
* **مكرم:** “المطبعة، التزوير، كرم، وحتى نعيمة.. كل ده كان (اختبار) ليكي يا هالة. كنت عايز أعرف هل بنتي ضعيفة زي أبطال قصصها، ولا عندها القوة إنها تدمر كل حاجة عشان تحمي نفسها؟ والنهاردة أثبتِ إنك (بنت مكرم الـديب) بجد.”
* **هالة بصوت حاد كالسكين:** “أنا مش بنتك.. أنا الضحية اللي قررت تنهي المؤلف. الدفاتر اللي معاك نسخة مزورة يا بابا.. الدفاتر الحقيقية دلوقت في إيد النيابة، والبث المباشر اللي عملته مكنش بس للجمهور، ده كان (فخ) عشان أجرجرك تظهر من مخباك.”
تغيرت ملامح مكرم لأول مرة، ظهر القلق في عينيه وهو يسمع صوت مروحيات الشرطة تحوم فوق البيت الريفي.
* **مكرم:** “هتبيعي أبوكي يا هالة؟ عشان شوية مبادئ كتبتيها في روايات رخيصة؟”
* **هالة:** “رواياتي الرخيصة هي اللي علمتني إن النهاية لازم تكون عادلة. أنت قتلت هالة القديمة يوم ما جوزتني لمجرم عشان تراقبه، وقتلت ندى وياسين لما زرعت فيهم الغل.. النهاردة “سجل المواليد” هيتمسح منه اسمك.”
### الـسـتار
اقتحمت القوات المكان، وسقط “مكرم الديب” في قبضة العدالة، ليس كبطل، بل كعجوز خذلته أقرب الناس إليه. وقفتِ في شرفة البيت القديم، تشاهدين الشمس وهي تشرق على أنقاض حياتكِ القديمة.
**بعد مرور عام:**
أمام حشد من القراء، وقفتِ لتوقيع روايتكِ الجديدة التي حملت عنوان **”شاور الموت: خيانة خلف الأبواب”**. لم تعد “هالة” تلك المرأة التي تخاف من ضحكة زوجه البواب، بل أصبحت المرأة التي حكت للعالم كيف يمكن لضحكة في الحمام أن تهدم إمبراطورية من الزيف.
خرجتِ من قاعة الاحتفال، استنشقتِ الهواء بعمق، ونظرتِ إلى هاتفك. كانت هناك رسالة من رقم مجهول: *”النهايات في الكتب دايماً سعيدة.. بس في الحقيقة، الحبر مابينشفش أبداً.”*
ابتسمتِ بثقة، وضعتِ الهاتف في حقيبتكِ، ومشيتِ وسط الزحام، وأنتِ تعرفين أنكِ هذه المرة.. **أنتِ من يمسك بالقلم.**
**تمت.**