فجأة، النور في الشارع كله قطع. والهدوء اللي ساد كان يقطع الأنفاس. لمحنا خيال شاب واقف في نص الجنينة اللي بتفصل بين البيتيم. كان هو.. دانيال.
مشيت ناحيته زي المسحورة، مش خايفة، مش شايفة غير ابني اللي ضاع مني. “كارل” كان بيصرخ ورايا: “ماري.. ارجعي! متقربيش منه!”
وقفت قدامه على بعد خطوة واحدة. في ضلمة الليل، كانت عينيه (الواحدة زرقا والتانية بني) بيلمعوا بشكل مش طبيعي. بص لي وابتسم ابتسامة باردة، وقرب من ودني وهمس:
“وحشتني الفطيرة يا ماما.. بس إنتي اتأخرتي أوي. 10 سنين وأنا مستني اليوم اللي أشوف فيه كارل وهو بيدفع تمن اللي عمله فيا.”
طلعت من جيبه سك,ينة صغيرة، نفس السك,ينة اللي كان دانيال بيلعب بيها وهو صغير ويقطع بيها الخشب. بص لـ “كارل” اللي كان واقف متجمد مكانه، وقال بصوت عالي:
“أنا مش جي عشان أرجع لحض,نك يا ماري.. أنا جي عشان أسأل ‘أبويا’ سؤال واحد: كنت بتنام إزاي وإنت عارف إنك قب,ضت تمن مو,تي بالحيا؟”
قبل ما حد فينا يتحرك، دانيال طلع مفتاح من جيبه، وقال بهدوء يرعب:
“أنا معايا مفاتيح البيت ده من شهر.. وعارف كل ركن فيه. الليلة دي، مفيش حد هيخرج من هنا غير وهو بيقول الحقيقة كاملة.. حتى إنتي يا ماما، فيه حاجات لسه معرفتيهاش عن الحا,دثة!”
وفجأة، سمعنا صوت سرينة بوليس بتقرب من بعيد، والست جارتنا صرخت: “هما جم! هما جم ياخدوه تاني!”
دانيال بص للسما وضحك: “خليهم ييجوا.. المرة دي مفيش جنازة مزيفة.”
صوت السرينة كان بيقرب بسرعة، والنور اللي طالع من العربيات بدأ يقطع ضلمة الشارع. الجارة كانت بتلطم على وشها وبتقول كلام مش مفهوم، ودانيال واقف مكانه ببرود مريب، كأنه هو اللي مستدعي البوليس بنفسه.
كارل قرب مني وحاول يشدني لورا: “ماري، ادخلي جوه، دانيال مابقاش ابننا اللي نعرفه.. دانيال ده خطر!”
دانيال لف لـ “كارل” وبص له بصه خلت كارل يترجع لورا من الرعب، وقال بصوت هادي ومرعب:
“خايف يا بابا؟ خايف يكتشفوا إنك مش بس بعتني، إنت اللي كنت سايق العربية اللي خبطتني؟”
الجملة وقعت عليا زي الصاعقة. بصيت لكارل وأنا حاسة إن قلبي هيتوقف: “كارل؟ إنت كنت بتقول إنك كنت في الشغل وقت الحا,دثة! إنت قولت إنك عرفت الخبر من المستشفى!”
كارل وقع على ركبه وبدأ يهذي: “مكنش قصدي يا ماري.. الشمس كانت في عيني، ملمحتوش وهو بيجري ورا الكورة.. لما شفته تحت العربية حسيت إن روحي بتتسحب.. الشخص اللي جالي المستشفى مكنش صدفه، ده كان ‘المحامي’ بتاع الست دي، وهما اللي عرضوا يغطوا على الجـ,ـريمة ويخـ,ـلوني أهرب من السج,ن مقابل إنهم ياخدوا دانيال!”
دانيال ضحك ضحكة عالية ووجع:
“شوفتي يا ماما؟ باباكي العزيز ضحى بيا مرتين.. مرة لما داس عليا بعربيته، ومرة لما باعني عشان يهرب من المسؤولية. والست دي وجوزها استخدموني كفار تجارب عشان يرجعوا ابنهم اللي م,ات فعلاً، بس التجربة فشلت.. وطلعوني مسخ، بجسم إنسان وعقل شايل كل السواد اللي في الدنيا.”
البوليس وصل، ونزلوا بسرعة وهما رافعين السلاح. بس الغريبة إنهم ملقوش سلاح في إيد دانيال.. دانيال كان ماسك في إيده “جهاز تسجيل” صغير.
الجارة صرخت في الظباط: “ده مجنون! ده هددنا بالق,تل! خدوه من هنا!”
دانيال رفع إيده وبدأ يشغل التسجيل.. وصوت كارل وهو بيعترف بكل حاجة من شوية كان طالع واضح جداً. دانيال بص للظابط وقال:
“أنا مش هقاوم.. أنا اللي بلغت عن نفسي وعنهم. أنا عايز الكل يدفع التمن. بس قبل ما أمشي، فيه مفاجأة تانية في الصالون جوه يا ماري.. مفاجأة كارل كان مخبيها في الصندوق الحديد اللي تحت أرضية الأوضة.”
الظباط خدوا كارل والجارة وهم بيقاووا، ودانيال بص لي نظرة أخيرة قبل ما يركب عربية الترحيلات.. نظرة كانت مليانة ندم وحب مكسور، وقال لي:
“فطيرة التفاح كانت ريحتها حلوة أوي يا ماما.. زي ما كنت فاكرها بالظبط.”
دخلت البيت وأنا جسمي بيترعش، روحت لصالون البيت، وشيلت السجادة.. لقيت فعلًا بلاطة مهزوزة. رفعتها ولقيت صندوق حديد قديم. فتحته بإيد بتترعش، ولقيت جواه ورق رسمي، وصور..
صور ليا وأنا نايمة، وصور لدانيال وهو في المستشفى، ومعاهم شهادة ميلاد تانية خالص.. باسم طفل “أخ” لدانيال، وتاريخ ميلاده كان بعد الحا,دثة بسنة واحدة!
قمت مفزوعة وأنا بسأل نفسي: “مين الطفل ده؟ وفين هو دلوقتي؟”
فجأة سمعت صوت عياط طفل جاي من البدروم.. صوت طفل صغير جداً مكملش سنتين.