«حمد الله على السلامة يا سارة.. كان لازم نخرجك قبل ما الفيلا تتحول لمقبـ,ـرة.» بصيت حواليا، كنت في أوضة غريبة، جدرانها عازلة للصوت، وفيها شاشات مراقبة كتير. سألته بصوت مبحوح: «فين حسام؟ فين محمود وأميرة؟» روماني رد بجمود وهو بيجهز حقنة تانية: «الظابط حسام في العناية المركزة.. محمود وأميرة “اتحفظنا” عليهم في مكان سري. أما “أبوكي”.. فده القصة اللي أنتي متعرفيش عنها حاجة.» لعبة الأمم قعد قدامي وشغل شاشة كبيرة. ظهرت صور لبابا في بلاد كتير، وصور لمحمود وهو بيستلم شنط فلوس.
«أبوكي يا سارة مكنش مجرد رجل أعمال.. أبوكي كان “عميل مزدوج”. والوثائق اللي في الخزنة مكنتش فلوس ولا أرض.. دي كانت “قائمة بأسماء” خلايا نايمة في المنطقة كلها. محمود وأميرة مكنوش بيتحركوا بأمر أبوكي.. دول كانوا بيتحركوا بأمر “الجهة” اللي خطفت أبوكي من عشر سنين وبتمثل صوته عشان يوصلوا للقائمة دي!» صرخت بذهول: «يعني بابا.. بابا حي؟ ومخطوف؟ والمكالمة دي كانت مزيفة؟» روماني هز راسه: «المكالمة “ذكاء اصطناعي” متطور جداً.. وهما استخدموا بصمة عينك عشان يفتحوا الخزنة، بس اللي ميعرفوشه إن الخزنة مبرمجة إنها تبعث “إشارة استغاثة” ليا أول ما تتفتح بصمتك أنتي بالذات.»
الفخ المزدوج روماني قام وفتح درج وطلع منه مسـ,ـدس واداهولي: «دلوقتي يا سارة.. “الجهة” دي عرفت إنك معاكي القائمة (اللي أنا لحقت أسحبها على فلاشة قبل الانفـ,ـجار). هما دلوقتي بيحاصروا المبنى ده. محمود وأميرة “باعوا” مكاننا مقابل حريتهم.» سمعنا صوت ضـ,ـرب نـ,ـار بره.. وصوت انفجار قريب جداً. روماني مسك إيدي وقالي: «قدامنا طريق واحد للهروب.. بس لازم تقتـ,ـلي “الخوف” اللي جواكي. محمود وأميرة مش هيمـ,ـوتوا بالرصـ,ـاص.. هيمـ,ـوتوا بالحقيقة اللي هكشفها ليكي دلوقتي.» الحقيقة المرة
فتح شاشة تانية.. كانت كاميرا مراقبة في الممر اللي بره الأوضة. شفت محمود وأميرة واقفين مع ناس ملثمين، محمود كان بيمسح دمه وبيضحك وهو بيستلم “شنطة” تانية، وأميرة كانت بتبـ,ـوس راسه! روماني همس في ودني: «محمود وأميرة هما اللي قتـ,ـلوا “نور” التوأم في الشقة.. وهما اللي حطوا القنبلة لخالد. هما مش ضحايا لأبوكي.. هما “رؤوس الأفعى” الحقيقيين اللي شغالين لحساب المخابرات الأجنبية!» المواجهة الأخيرة بدأت الباب الحديدي بتاع الأوضة بدأ يتخبط عليه بعنف. صوت محمود جه من بره، بس المرة دي كان صوت شـ,ـيطان حقيقي:
«سارة.. اخرجي يا حبيبتي. الفلاشة اللي معاكي دي تمنها مـ,ـوتك.. سلميها وهخليكي تعيشي “خادمة” تحت رجلي أنا وأميرة في اليونان!» بصيت لروماي، ولقيت في عينه نظرة “وداع”. «سارة.. الخزنة كان فيها “زرار تدمير ذاتي” للمبنى ده كله. أنا هعطلك محمود والكلاب اللي معاه.. وأنتي هتهربي من النفق اللي ورا الدولاب ده. الفلاشة دي لازم توصل لـ “جهاز المخابرات العام”.. ده أمانة باباكي الأخيرة.» مسكت المسدس، وبصيت للنفق، وبصيت لروماني اللي بدأ يفتح النار على الباب اللي بينكسر.
جريت جوه النفق المظلم، وأنا سامعة صراخ محمود وهو بيدخل الأوضة، وصوت ضـ,ـرب نـ,ـار عـ,ـنيف.. وفجأة.. سمعت صوت “تكة” جهاز التدمير! خرجت من فتحة النفق في وسط جنينة مهجورة، وبصيت ورايا شفت المبنى بيتحول لكتلة لهب.. بس اللي رعبني بجد، إني شفت “خيالين” خرجوا من وسط النار قبل ما المبنى يقع تماماً.. وكانوا بيجروا ورايا! … خرجت من فوهة النفق والتراب يملأ رئتي، وصوت الانفجار خلفي كان يعلن نهاية حقبة كاملة من الخداع. التفتُّ خلفي لأرى المبنى يتهاوى، لكن من وسط الدخان، ظهر محمود وأميرة كالشياطين التي لا تمـ,ـوت، وجوههما مشوهة بالسواد والحقد، وبأيديهما أسلحة موجهة نحوي.
توقفتُ مكاني. لم أعد أركض. شعرت ببرود غريب يغزو أطرافي، برود القوة لا الخوف. وضعت يدي في جيبي وأخرجت “الفلاشة” ورفعتها عالياً في ضوء الفجر المترقب. المواجهة الصفرية محمود صرخ بصوت مبحوح وهو يلهث: «هاتيها يا سارة! دي تمن حريتنا.. دي تمن كل اللي ضاع مننا!» أميرة كانت تبكي بدموع تماسيح، وقالت بصوت مهتز: «سارة.. إحنا إخوات.. بلاش ننهيها بالدم، بابا هو السبب في كل ده، إحنا ضحايا زيك!» نظرت إليهما بشفقة، وقلت بصوت هادئ هز أركان المكان:
> «أنتم لستم ضحايا.. أنتم “اختياراتكم”. بابا لم يجبر محمود على خـ,ـيانتي، ولم يجبر أميرة على بيع دمي. الإنسان لا يصنعه ماضيه، بل تصنعه قراراته في اللحظات الحاسمة.» > السقوط العظيم فجأة، بدأت أضواء كشافات قوية تحاصرنا من كل اتجاه. مروحيات هبطت من السماء، ورجال العمليات الخاصة انتشروا كالنمل. لم يكن روماني وحده هو من يراقب، بل كان “الجهاز” بأكمله ينتظر لحظة خروج الرؤوس الكبيرة. محمود حاول رفع سلاحه في يأس أخير، لكن رصاصة دقيقة من قناص بعيد أصابت كتفه فسقط سلاحه في التراب. أميرة جـ,ـثت على ركبتيها تصرخ وتطلب الرحمة.
اقترب مني الضابط حسام، الذي كان يرتدي سترة واقية ووجهه مضمد، وقال بوقار: «سارة.. المهمة انتهت. الفلاشة دي هترجع حق باباكي اللي مات وهو بيحمي بلده من “الخلايا” دي.. وهتكون الدليل اللي يخلي محمود وأميرة يتمنوا المـ,ـوت وما يطولوهوش في السجن.» كلمة الوداع نظرت لمحمود وأميرة وهما يُقادان بالكلبشات نحو سيارات الترحيلات. محمود نظر إليّ بعينين مكسـ,ـورتين، فقلت له الكلمة الأخيرة: «الخـ,ـيانة يا محمود زي النار.. بتبدأ باللي حواليك، بس في الآخر مبيفضلش غير الرماد.. وأنت دلوقتي رماد.»
أما أميرة، فلم أنظر إليها. فخيـ,ـانة الأهل جـ,ـرحٌ لا يداويه عتاب، بل يداويه “النسيان”. الخاتمة: الحكمة من الحكاية جلستُ على رصيف الطريق، أنظر للشروق الذي بدأ يغسل سواد الليل. أدركتُ حينها أنني فقدتُ زوجاً، وأختاً، وبيتاً.. لكني استعدتُ “نفسي”. > الحكمة من هذه الرحلة: > لا تمنح ثقتك المطلقة لأحد لمجرد أنه يحمل اسمك أو يشاركك فراشك؛ فالمعادن الحقيقية لا تظهر في “الضحك والوعود”، بل تظهر حين توضع “المصالح” فوق المبادئ. > والشر مهما طال ليله، ومهما كان ذكاء أصحابه، فإنه يحمل دائماً بذور فنائه بداخله؛ لأن “الخائن لا يثق حتى في شريكه”، وفي النهاية.. لا يصح إلا الصحيح.
> تمت.