* “البنات في الحفظ والصون.. بس قولي الأول، قطعت الورق ولا لسه؟”
طلعت الموبايل وفتحت “اللايف” (البث المباشر) على صفحتي اللي بيتابعها آلاف الناس، وقلت لها بصوت عالي وواضح:
* “الورق ما اتقطعش يا أمي.. والناس كلها دلوقتي هتسمع الحكاية من أولها.”
أمي وقفت مذهولة، وعينيها برقت بالرعب وهي شايفة الموبايل متوجه ليها.
وقفت أمي في نص الصالة، ملامحها اتجمدت تحت ضوء الشمعة الباهت. الموبايل في إيدي، والناس بدأت تدخل على البث بالآلاف.. التعليقات بتجري زي النار: “في إيه يا رومانى؟”، “مين الست دي؟”، “إيه الحكاية؟”.
* “نزل الموبايل ده يا كريم!” صرخت وهي بتحاول تداري وشها بيديها. “إنت اتجننت؟ عايز تفضحنا قدام الدنيا؟”
* “الفضيحة هي اللي إنتِ عملتيه يا أمي.” قلتها وأنا بقرب منها والموبايل موجه عليها. “الناس لازم تعرف إن ‘الست المثالية’ اللي الكل بيحلف بأدبها، هي اللي استولت على حق يتيمة، وهي اللي خبت سر موت أخوها ٧ سنين عشان الفلوس. انطقي يا أمي..
قولي للناس فين بناتي؟”
أمي بدأت تنهار، ملامحها القوية انكسرت فجأة، ووقعت على الكرسي وهي بتبكي بنشيج مرعب:
* “كنت خايفة عليك يا كريم! كنت عايزة أأمن مستقبلك.. خالي كان هيضيع كل حاجة، والبت دي كانت هتاخد نصيب الأسد وهي مش محتاجة.. أنا عملت كل ده عشانك!”
* “عشاني؟” ضحكت بوجع. “عشاني تكسري مراتي وتطرديها وتيتمي بناتي وهم أمهم عايشة؟ عشاني تخليني أعيش في كذبة كبيرة؟”
فجأة، سمعت صوت “خبط” جاي من أوضة الخزين اللي تحت السلم. جريت عليها وأنا لسه فاتح البث، كسرت القفل بكتفي ودخلت..
لقيت سارة ومريم قاعدين على المرتبة القديمة، عيونهم منفوخة من العياط، وأول ما شافوني رموا نفسهم في حضني:
* “بابا! تيتة قالت لنا نلعب استغماية هنا وما نطلعش خالص.”
بصيت للموبايل وقلت للناس بصوت مخنوق:
* “شفتوا؟ دي بناتي.. اللي اتسجنوا عشان ‘السمعة’. الحكاية خلصت يا جماعة.. والحق هيرجع لأصحابه.”
قفلت البث، وخدت البنات وخرجت. أمي كانت لسه قاعدة مكانها، بتبص للفراغ وهي بتهذي بكلام مش مفهوم.
* “يا أمي.. أنا مش هبلغ البوليس. مش عشانك، عشان البنات وعشان هدير اللي لسه باقية عليكي. بس البيت ده، والفلوس دي، والورث ده.. كله هيرجع لهدير الصبح. وإنتي..
ليكي شقة صغيرة في أكتوبر هتعيشي فيها لوحدك، بعيد عننا.. وماتحاوليش تقربي من بناتي تاني.”
خرجت من البيت وأنا حاسس إن جبل انزاح من فوق صدري. ركبت البنات العربية ورحت بيهم على بيت صلاح. أول ما هدير شافتهم، ارتمت عليهم وهي بتصرخ من الفرحة، المنظر كان كفيل يغسل كل الوجع اللي شفته.
قعدنا كلنا، وصلاح سألني بصوت واطي:
* “هتعمل إيه في موضوع ‘الجريمة’ يا كريم؟ موت الخال؟”
بصيت لهدير اللي كانت حاضنة البنات ونايمة في وسطهم من كتر التعب، وقلتله:
* “المحامي قال إن القضية ماتت بالتقادم، ومفيش دليل مادي غير شهادة هدير اللي هي أصلاً مش عايزة تتكلم. السر ده هيدفن مع خالي.. بس العدل هيتحقق. هدير هتاخد حقها كبنت، وهنبدأ بداية جديدة.. بعيد عن سم أمي.”
تاني يوم الصبح، رحت لمكتب المحامي ومعايا هدير، وبدأنا إجراءات نقل الملكية وتصحيح الأوضاع. بس وأنا بوقع على الورق، المحامي بصلي وقال جملة خلت جسمي يقشعر:
* “كريم.. فيه حاجة غريبة في أوراق خلك اكتشفتها وأنا برتب الملفات الصبح.”
* “في إيه تاني يا أستاذ فريد؟”
* “خالك..
قبل ما يموت بيوم واحد، كان عامل ‘توكيل عام’ لشخص تالت خالص غيرك وغير أمك وغير هدير. والشخص ده النهاردة الصبح، سحب مبالغ ضخمة من حسابات خلك الراكدة في البنك بمجرد ما الحكاية بدأت تتسرب!”
برقت عيني بالصدمة:
* “مين الشخص ده؟”
المحامي طلع صورة التوكيل، وبصيت في الاسم.. ووقعت الورقة من إيدي.
الاسم كان: “صلاح”.