أمل كانت تشعر بضغط رهيب، لكنها رفضت أن تنكسر. اتصلت بوالدها لتطمئن عليه، ففوجئت به يقول لها بصوت متعب: — “يا بنتي، مدحت جالي المحل النهاردة.. ورجعلي الـ 1000 جنيه، وقالي إنك كنتِ محتاجة الفلوس دي ضروري بس هو رفض يخليكي تاخديها من وراه عشان (الأصول). هو في حاجة يا أمل؟” سقط الهاتف من يد أمل. مدحت لم يس,,رق المال لنفسه فقط، بل ذهب لوالدها ليُهينه ويُظهرها في مظهر “الزوجة المغلوبة على أمرها” التي تس,,رق من وراء زوجها لتعطي أباها، جرح كرامة أبيها كان الوجع الأكبر.
المواجهة الكبرى لم تنتظر أمل عودة مدحت، بل ذهبت إليه في المقهى الذي يجلس عليه مع أصحابه. وقفت أمامه والجميع ينظر، لم تصرخ، بل قالت بصوت مسموع للكل: — “الفلوس اللي رجعتها لبابيا يا مدحت، كانت من شقايا وتعبى. والكرامة اللي حاولت تدوس عليها، دي أغلى حاجة بابا علمهالي. أنا مش جاية أتخانق، أنا جاية أقولك إن شنطة هدومك محطوطة قدام باب الشقة.. والبيت ده اللي بدفع نصه، مش هيدخله واحد بيتعامل مع مراته كأنها “حصالة” ومع حماه كأنه “عدو”.”
رد فعل غير متوقع جن جنون مدحت، فكيف لزوجته أن “تفضح” أسلوبه أمام أقرانه؟ قام وتبعها للمنزل وهو يسب ويتوعد، وبمجرد أن دخلا الشقة، أغلق الباب بعن,,ف: — “إنتي بتطرديني من بيتي يا أمل؟ عشان شوية فلوس؟ طب والله ما أنا طالع، والفيزا اللي قفلتيها دي هترجع، والراتب هيتحول تحت إيدي، وإلا العيال دول مش هتشوفي وشهم تاني!” سحب مدحت “ياسين” و”سلمى” من غرفتهما وهم يبكون، وحبسهما في غرفة المكتب وأخذ المفتاح، ونظر لأمل بتحدٍ:
— “قدامك ساعة واحدة.. تكلمي البنك يرجع كل حاجة زي ما كانت، يا إما العيال دول هيروحوا بيت أهلي في الأرياف، ووريني بقى المحاكم هترجعهم لك بعد كام سنة!” هل ستخضع أمل لتهديد مدحت وتضحي بمالها وكرامتها من وقفت أمل أمام باب الغرفة المغلق، وصراخ ياسين وسلمى يمزق قلبها من الداخل. كانت ترتجف، ليس خوفًا من مدحت، بل من بشاعة النفس البشرية حين يملأها الطمع. مدحت كان يقف في الصالة، يشعل سيجارته ببرود مستفز، واضعًا مفتاح الغرفة في جيبه، منتظرًا لحظة الانهيار.
لكن أمل، بلمحة ذكاء لم يتوقعها، لم تصرخ ولم تتوسل. سحبت كرسيًا وجلست ببرود أمام باب المكتب وقالت: — “ماشي يا مدحت.. ودي العيال لأهلك. بس قبل ما تتحرك من مكانك، بص على الموبايل بتاعك، بعتلك حاجة يمكن تحب تشوفها.” الورقة الرابحة مدحت فتح موبايله بسخرية، لكن ملامحه تجمدت. كانت أمل قد أرسلت له “سكرين شوت” (لقطات شاشة) من سجلات تحويلات بنكية وكشوف,,ات حساب قديمة، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية كان قد أرسلها لها سابقًا يهددها فيها بوضوح: “لو مخدتش المرتب كله، هحرمك من العيال وهخرب بيتك”.
قالت أمل وهي تنظر في عينيه مباشرة: — “أنا مكنتش بجمع التسجيلات دي عشان أهددك، كنت بجمعها عشان أصدق إن ده الراجل اللي حبيته. بس دلوقتي، الحاجات دي عند المحامي بتاعي، ومعاها بلاغ رسمي بتعديك عليا وحبس العيال جوه الأوضة. لو الباب ده متفتحش في دقيقة، المكالمة اللي جاية هتكون للنجدة، وأهلك في الأرياف هيستقبلوك وإنت عليك قضية خطف وابتزاز.” لحظة الانكسار مدحت بدأ يتوتر، السيجارة سقطت من يده. هو يعلم أن أمل “نَفَسها طويل” وإذا قررت فعل شيء ستفعله. حاول تدارك الموقف بالهجوم:
— “إنتي بتبلغي عن جوزك وأبو عيالك؟ عشان شوية ورق؟” أمل قامت ووقفت أمامه وجهًا لوجه: — “إنت اللي بدأت يا مدحت.. إنت اللي س,,رقتني، وإنت اللي أهنت بابا، وإنت اللي استخدمت عيالي سلاح ضدي. افتح الباب، وخد شنطتك، واخرج من هنا بالذوق، ولما تهدا وتعرف إن مالي “حرام عليك” وأني مش جارية عندك، نبقى نشوف المحاميين هيقولوا إيه في موضوع الطلاق أو الاستمرار.” الهروب الكبير تحت ضغط الخوف من الفضيحة والقانون، أخرج مدحت المفتاح وألقاه على الأرض بعن,,ف، ثم فتح الباب وخرج من الشقة وهو يسب ويلعن، مغلقًا باب الشقة خلفه بكل قوته.
جرت أمل نحو أولادها، احتضنتهم وهي ترتجف، بكت كما لم تبكِ من قبل، لكنها كانت دموع “تحرر”. في تلك الليلة، لم تنم أمل، بل جلست تفكر في الخطوة القادمة. هي الآن وحيدة مع مسؤولية بيتها وأولادها وأبوها المريض، ومدحت لن يتركها بسلام. في الفجر، رن جرس الباب بعن,,ف.. قلبت أمل عينيها برعب، هل عاد مدحت ومع معه “بلطجية” كما هدد؟ أم أن هناك مفاجأة أخرى تنتظرها من عائلة مدحت التي لم تكن راضية أصلاً عن استقلال أمل المادي؟