العساكر سحبوا سعاد وعصام، والقاعة بدأت تروق، بس أنا قلبي ما كنش مرتاح. نظرة سعاد الأخيرة كانت فيها “شر” غريب، كأنها لسه ماسكة ورقة كسبانة في إيديها. خرجنا من المحكمة، والعيال حواليا بيضحكوا لأول مرة من سنين، بس أنا عيني لمحت عربية سودة مركونة بعيد، وواحد قاعد جواها بيصورنا بالموبايل. أول ما شافني بصيت له، طار بالعربية. رجعت البيت، والعيال ناموا من كتر التعب، قعدت لوحدي في الصالة براجع ورق “الأرض” اللي في البلد. الأرض دي ورثناها عن أبويا، ومساحتها كبيرة جداً، وفجأة سعرها بقى بالملايين عشان مشروع سياحي ضخم هيتبني جنبها.
تليفوني رن.. رقم غريب. رديت، لقيت صوت راجل غليظ بيقولي: “مبروك يا ست منى.. كسبتي جولة، بس الحرب لسه في أولها. الأرض دي مش ليكي لوحدك، وسعاد باعت نصيبها ونصيب العيال ‘ليا’ من 5 سنين بتوكيلات رسمية.” اتس_مرت مكاني: “أنت مين؟ وسعاد تبيع إزاي وهي أصلاً كانت مختفية؟” رد بضحكة مستفزة: “أنا ‘المعلم زين’، والتوكيلات اللي معايا صحيحة 100%. سعاد مكنتش مختفية عني، كانت بتصرف الفلوس اللي خدتها مني في الق_مار بره مصر. ودلوقتي، يا تسلميني الأرض بالذوق، يا إما هخلي حياة العيال دي جحيم.”
قفلت السكة وإيدي بترعش. دخلت أوضة سعاد القديمة اللي لسه فيها كراكيبها، وقلبت الدنيا لحد ما لقيت صندوق خشب صغير تحت السرير. فتحته، ولقيت فيه مصيبة أكبر من الأرض. لقيت “عقود زواج عرفي” لسعاد من 4 رجالة مختلفين في فترات متقاربة جداً.. والمفاجأة؟ إن كل عقد فيهم مكتوب فيه إن العيال (هنا، وليلى، وسارة، ومحمود) منسوبين لواحد من الرجالة دول! سعاد مكنتش بس نصابة، دي كانت “مضيعة” نسب العيال عشان تب_تز الرجالة دول بالنفقة. يعني محمود اللي أنا مربياه على إنه ابني، ممكن يطلع له “أب” في أي لحظة ويطلبه مني قانونياً!
فجأة، الباب خبط خبط ورزع عنيف. قمت فتحت وأنا ماسكة فازة في إيدي، لقيت “منال” جارتي القديمة، وشها أصفر وبترتجف: “إلحقي يا منى.. سعاد هربت من الترحيلات! عملت تمثيلية إنها مغمى عليها، وفي ناس هجموا على الميكروباص وخدوها هي والمحامي!” وقبل ما أرد، لقيت رسالة جاتلي على الواتساب من رقم سعاد: “الأرض قصاد العيال يا منى. قدامك 24 ساعة، يا تمضي على التنازل للمعلم زين، يا إما كل واحد من ‘آباء’ ولادك هيجي ياخد حتة منه.. والبداية بمحمود.”
بصيت لمحمود وهو نايم زي الملاك، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. أنا مش بس في حرب مع سعاد، أنا في حرب مع شبكة “مافيا” سعاد كانت جزء منها طول العشر سنين اللي فاتوا. فتحت الفلاش ميموري تاني، ودورت في الفولدرات المخفية اللي كانت سعاد سايباها، ولقيت فيديو متصور “سيلفي” لسعاد وهي بتقول: “لو مت أو جرالي حاجة، الفيديو ده هيدمر المعلم زين وعصام.. دي خريطة المخازن اللي بيهربوا فيها الآثار تحت أرض أبويا!” الخيوط كلها اتجمعت في “الأرض”. سعاد باعت الأرض، بس المعلم زين مش عايزها عشان المشروع السياحي.. هو عايزها عشان “الكنز” اللي تحتها!
تفتكروا منى هتروح للمعلم زين وتضحي بالأرض؟ ولا هتستخدم الفيديو ده وتهد المعبد على الكل؟ الفجر بدأ يشقشق، وأنا قاعدة في الصالة، الموبايل في إيد والفلاشة في الإيد التانية. محمود صحي وطلع من الأوضة وهو بيفرك في عينيه: “طنط منى، إنتي لسه صاحية؟ في صوت عربيات بره البيت كتير.” قلبي وقع في رجلي، بصيت من ورا الستارة، لقيت تلات عربيات دفع رباعي، والرجالة اللي فيهم شكلهم ميريحش. المعلم زين مبيضيعش وقت، والرسالة وصلت: “إحنا هنا، ومراقبين كل نفس بتنفسيه.”
طبطبت على محمود وقلت له بصوت حاولت أخليه هادي: “ادخل يا حبيبي صحي إخواتك، وخليهم يلبسوا هدومهم بسرعة، كأننا رايحين رحلة. مفيش وقت.” فتحت اللابتوب ونقلت الفيديو بتاع “المخازن” على تلات فلاشات تانية. واحد فيهم حطيته في جيب جاكيت هنا، والتانية في شنطة المدرسة بتاعة محمود، والتالتة خبيتها في مكان مفيش حد يتخيله.. في “برطمان المش” اللي سعاد كانت دايماً بتقرف منه وما بتقربش منه أبداً. كلمت “الرائد يوسف”، ابن عمي اللي في المباحث، وده الشخص الوحيد اللي كنت واثقة فيه.
“يوسف، أنا في مصيبة. سعاد هربت، والمعلم زين محاصر البيت، وعايزين أرض أبويا عشان فيها مخازن آثار. أنا معايا فيديو بيثبت كل ده، بس لو عرفوا إني كلمتك هي.وا العيال.” يوسف رد بهدوء: “منى، اسمعيني كويس. الأرض دي متراقبة أصلاً من أسبوع، إحنا كنا شاكين في حركة غريبة هناك. خليكي طبيعية، وامضي على التنازل اللي هيجيبهولك المعلم زين، بس حاولي تماطلي في الوقت لحد ما القوة توصل.” الساعة 9 الصبح، الباب خبط خبطات منتظمة. فتحت، لقيت عصام المحامي واقف، وش جـ,ـرح كبير فوق عينه باين إنه من أثر الهروب، ومعاه المعلم زين.. راجل ضخم بلبس “شيك” بس عينيه زي التعابين.
زين دخل وقعد وحط رجل على رجل: “أهلاً يا ست منى. الورق جاهز، والتنازل مكتوب. امضي وخلصينا، وعيالك يفضلوا في حضــ,,ـنك، ونبعت لك قرشين حلوين تعيشي بيهم ملكة.” قلت له بجمود: “والرجالة اللي سعاد كاتبة أساميهم في عقود الجواز العرفي؟ مين يضمن لي إنهم مش هيظهروا؟” ضحك زين بصوت عالي: “الرجالة دول يا منى في ‘دار الحق’.. سعاد كانت بتستخدم أسامي ناس ميتـ,ـين عشان تخلص ورقها. يعني العيال ولادك قانوناً وفعلاً، بس الأرض.. الأرض للي يقدر يحميها.”
عصام المحامي مد إيده بالورق والقلم: “امضي يا منى، بلاش تعبي قلبنا.” مسكت القلم، وإيدي كانت بتترعش، بس مش من الخ-وف، دي كانت من الغل. وقبل ما السن يلمس الورقة، باب البيت اتفتح بقوة، ودخلت سعاد! وشها كان متبهدل، وشعرها منكوش، وماسكة مسدس في إيدها. “محدش هيمضي على حاجة! الأرض دي بتاعتي أنا! زين ضحك عليا وخلاني أهرب عشان ياخد هو كل حاجة ويخلص مني!” زين وقف ببرود: “أنتي مجنونة يا سعاد؟ نزلي المسدس ده، إحنا اتفقنا.”
سعاد صرخت: “اتفقنا إنك تخرجني بره مصر، مش تبعت ناس يخلصوا عليا في الطريق! منى.. الفلاشة اللي معاكي فيها نهايته ونهايتي.. هاتيها يا منى وإلا هحرــ,,ـق قلبي وقلبك على العيال دلوقتي!” في اللحظة دي، “هنا” طلعت من الأوضة وهي ماسكة موبايلها وبتصوّر “لايف”: “يا جما.عة، إحنا لايف دلوقتي، وكل اللي بيحصل ده متسجل! لو حد لمس طنط منى أو لمسنا، الفيديو عند البوليس وعند الصحافة!” الارتباك سيطر على المكان، وزين بص لعصام بنظرة مــ,,ـوت. وفجأة، سمعنا صوت “سرينة” البوليس وهي بتحاصر المكان من كل جهة.
سعاد لفت المسدس ناحية زين، وزين طلع مسدس من جيبه، وأنا رميت نفسي على العيال عشان أخبيهم.. وطلقت رصاصة واحدة “دوّت” في الصالة، خلت الدنيا كلها تسكت. مين اللي انضرــ,,ـب بالناــ,,ـر؟ وهل سر “المخازن” هيطلع للنور ويدفــ,,ـن الكل تحته، ولا منى هتقدر تنقذ العيال والأرض في صوت الرصاصة كان مرعب، لدرجة إني غمضت عيني وضميت العيال لحضــ,,ـني وأنا بستشهد. لما فتحت عيني، لقيت سعاد واقعة على الأرض، وماسكة كتفها اللي بينـ,ـزف، والمسـ,ـدس وقع من إيدها. الرصاصة كانت من “يوسف” ابن عمي، اللي دخل من شباك المطبخ في اللحظة المناسبة بالظبط.
القوات دخلت البيت زي السيل. “المعلم زين” حاول يرمي الورق من الشباك، بس العساكر كانوا أسرع منه وكتفوه هو وعصام المحامي اللي كان بيترعش لدرجة إنه بلل هدومه من الرعب. يوسف قرب مني وطمنني، وبص لسعاد اللي كانت بتأن من الوجع والغل في عينها لسه منطفاش. بصتلي وقالت بصوت مكسور ومخنوق: “برضه خدتي كل حاجة يا منى.. العيال والأرض.. حتى يوسف بعتيه عليا!”
رديت عليها وأنا بمسح دموع محمود الصغير: “أنا ما خدتش حاجة مش بتاعتي يا سعاد. أنتي اللي بعتي كل حاجة.. بعتي دمك ولحمك عشان شوية ورق وقمار. الأرض دي مش بتاعتي، دي بتاعة الأربعة اللي أنتي رمتيهم على بابي من عشر سنين.” بعد شهر.. كنا واقفين في نص الأرض الكبيرة في البلد. الشمس كانت دافية، والعيال بيجروا حواليا. “هنا” بقت بتساعدني في الحسابات، و”ليلى وسارة” رجعوا مدرستهم بانتظام، ومحمود بقى بطل في الكاراتيه.
التحقيقات كشفت إن “المخازن” اللي تحت الأرض كانت فعلًا مليانة قطع أثرية نادرة، والمعلم زين كان بيخطط يهربها بره مصر. وبفضل الفيديو اللي كان في “برطمان المش”، البوليس قدر يقبــ,,ـض على شبكة تهريب دولية كانت سعاد مجرد “طعم” فيها. سعاد اتحكم عليها بالسجــ,,ـن المؤبد بتهمة النـ,ـصب، وتجارة الآثار، والهـ,ـروب من العدالة. وعصام المحامي اتفصل من النقابة واتحكم عليه بـ 15 سنة. يوسف جالي الأرض ومعاه ورق رسمي، وقال لي بابتسامة: “مبروك يا منى. الدولة قررت تشتري الأرض منك عشان المشروع القومي، بس بمبلغ يعيش العيال دي ملوك طول عمرهم، والبيت القديم بتاع أبوكي هيفضل باسمك كأثر تاريخي.”
بصيت للسما وقلت: “الحمد لله.” محمود جه شدني من إيدي وقال لي: “ماما منى.. إحنا هنفضل مع بعض دايمًا صح؟” بصيت لعينيه اللي شبه عيني، وحسيت إن العشر سنين اللي فاتوا بكل تعبهم وسهرهم وضياع مستقبلي الشخصي فيهم، كانوا يستاهلوا اللحظة دي. شيلته وحضــ,,ـنته وقلت له: “دايمًا يا قلب ماما.. مفيش قوة في الأرض تقدر تفـ,ـرقنا تاني.” وهنا انتهت حكاية “منى داوسون”.. الحكاية اللي بدأت بـ “ساعة واحدة بس” وانتهت بعمر كامل من الحب والانتصار.
تمت. حكايات رومانى مكرم