دكتور القلب حكايات رومانى مكرم 2

وقفتُ أمام الباب، أنظر إلى وجه أمي الذي غطته تجاعيد لم ألحظها من قبل، وكأن غيابي لأسابيع فعل بها ما لم تفعله السنين. كانت تنتظر مني تلك الاندفاعة القديمة، أن أحتضنها وأقول “متخافيش يا ماما، أنا هحل كل حاجة”. لكنني بقيت مكاني، يدي على مقبض الباب، وقلبي هادئ لدرجة مخيفة.

دلف الدكتور حسن إلى الداخل بعدما استأذن بذوق، وتركني في مواجهة وجهاً لوجه مع الماضي. نظرتُ إلى أمي وقلت بجمود:

– “يا ماما، البيت اللي رانيا عايزة تبيعه ده، أنا دفعت تمن ترميمه وتجهيزه من صحتي ومن سنيني. رانيا مش بتبيع نصيبها.. رانيا بتبيع اللي فاضل من ريحتي في البيت ده عشان تنقذ فشلها.”

بكت أمي وانحنت لتمسك بيدي:

– “أبوس إيدك يا فريدة، لو محلتش الموضوع ده المرة دي، إحنا هنترمي في الشارع. أبوكي مش هيستحمل الفضيحة، ورانيا ضاعت.. ضاعت بجد.”

في تلك اللحظة، خرجت الكلمات مني كأنها رصاص:

– “وهي فريدة لما كانت بتموت في العناية المركزة، حد خاف عليها من الفضيحة؟ لما كنتوا بتشربوا نخب ترقية رانيا وأنا تحت الأجهزة، حد سأل نفسه البنت دي هتترمي في أنهي شارع لو طلعت ميتة؟”

سحبتُ يدي ببطء، ودخلتُ غرفتي، ثم عدتُ ومعي شيك بمبلغ كبير.. كان كل ما أملك من مدخرات لعمليتي القادمة ولتأمين مستقبلي. وضعته في يدها وقلت:

– “ده تمن نصيب رانيا في البيت.. أنا هشتريه منها. البيت هيبقى باسمي، وكل قرش في الشيك ده هو آخر علاقتي بيكم. رانيا تسدد ديونها، وتطلع برا حياتي.. وإنتي وبابا تفضلوا في البيت، بس كأنكم ضيوف في ملكي.”

ذهلت أمي من القسوة التي نبعت من “البنت العاقلة”. أخذت الشيك بيد ترتعش وغادرت وهي لا تعرف هل تشكرني لأنني أنقذتهم، أم تخاف مني لأنني ملكتهم.

التفتُّ للدكتور حسن الذي كان يراقب المشهد بصمت، سألني بهدوء:

– “إنتي عارفة إن الشيك ده كان أمانك الوحيد يا فريدة؟ ليه عملتي كده؟”

ابتسمتُ له بمرارة وقلت:

– “عشان أكسر الحلقة. طول عمري بضحي عشانهم ببلاش، المرة دي اشتريت حريتي بفلوسي. دلوقتي مفيش حد ليه فضل على التاني. أنا مشيت يا دكتور.. بس المرة دي مشيت وأنا القوية بجد، مش اللي بتمثل القوة.”

لكن القدر كان يخفي لي فصلاً لم أتوقعه. بعد يومين، وصلتني رسالة من محامي غريب، يخبرني أن هناك “وصية” مسجلة باسمي من جدتي التي كنت أظنها لم تترك شيئاً.. وصية كانت مشروطة بأن أصل لسن الخامسة والثلاثين، أو أن “أتعرض لمحنة صحية شديدة تكشف معادن من حولي”.

فتحتُ المظروف، لتسقط منه ورقة قديمة مكتوب فيها: “لحفيدتي فريدة.. اللي شالت شيلة مش شيلتها، دلوقتي جه الوقت اللي الشيلة تشيلك.”

كانت الوصية تقلب الموازين تماماً، وتضع في يدي قوة لم أحلم بها.. قوة ستجعل رانيا وأهلي يندمون على كل لحظة استصغروني فيها، لكن السؤال كان: هل سأستخدم هذه القوة للانتقام، أم للرحيل الأبدي؟

 

كانت الوصية عبارة عن ملكية لقطعة أرض شاسعة في أرقى مناطق القاهرة، ومجموعة من الأسهم في شركة عقارات كبرى، كانت جدتي قد أخفتها عن الجميع، حتى عن أبي، لعلمها بطباعه وضعف شخصيته أمام أمي.

في اليوم التالي، لم أذهب لأواجههم بالخبر، بل ذهبت إلى الشركة. وقفتُ بملابسي البسيطة التي لم تتغير، وقلبي الذي أصبح أصلب من الفولاذ. طلبتُ مقابلة مجلس الإدارة بصفتي الوريثة الجديدة لكتلة تصويتية ضخمة. هناك، وفي تلك القاعة الفخمة، شعرتُ لأول مرة أن “العقل” الذي طالما استغلوه، أصبح الآن سلاحي الفتاك.

أول قرار اتخذته كان صادماً: سحب كل عقود التوريد التي كانت شركة رانيا الصغيرة تعتمد عليها للبقاء.

بعد ساعات قليلة، انفجر هاتفي بالمكالمات. لم أرد. وفي المساء، وجدتهم جميعاً أمام باب شقتي: أبي، وأمي، ورانيا التي كانت تنهار حرفياً.

– “فريدة! إنتي عملتي إيه؟” صرخت رانيا وهي تلوح بأوراق إلغاء العقود. “الشركة هتفلس، والموردين هيحبسوني! ليه بتنتقمي مني؟”

فتحتُ الباب على مصراعيه، ووقفتُ في المنتصف بكل ثبات:

– “ده مش انتقام يا رانيا.. ده عدل. العقود دي كانت بتتم بسببي، وبمجهودي، ومن ورا الستار. دلوقتي، بما إني بقيت صاحبة القرار، قررت إن الشركة مش هتدعم حد مبيشتغلش، حد عايش عالة على نجاح غيره.”

نظرتُ إلى أبي وأمي وقلت:

– “والبيت اللي اشتريت نصيبه بالشيك الأخير؟ المحامي استلم ورقه النهاردة. البيت بقى ملكي قانوناً. تقدروا تفضلوا فيه، بس رانيا قدامها 24 ساعة تخرج منه وتدور لنفسها على مكان.. زي ما أنا دورت لنفسي على مكان وأنا بنزف.”

أمي حاولت استخدام سلاحها القديم، “الدموع”:

– “يا بنتي، إحنا لحمك ودمك.. هترمي أختك في الشارع؟”

رددتُ عليها بهدوء مرعب:

– “أنا مابرميش حد.. أنا بس سحبت “الفيشة”. الفيلم اللي كنتوا عايشين فيه على حسابي خلص. رانيا عندها صحة، وعندها ترقيات، وعندها “النخب” اللي شربتوه ليلة موتي.. تروح تصرف منه بقى.”

في تلك اللحظة، تقدم أبي بخطوات ثقيلة، ولأول مرة نظر في عيني مباشرة وقال:

– “معاكي حق يا فريدة. إحنا اللي كسرناكي.. بس افتكري إن القوة اللي في إيديكي دلوقتي ممكن تحولك لنسخة مننا، نسخة قاسية ومبتعرفش تسامح.”

تركوني ورحلوا، وبينما كنتُ أغلق الباب، شعرتُ بنغزة خفيفة في قلبي.. ليست نغزة مرض، بل نغزة “الانتصار المر”. ذهبتُ إلى غرفتي وأمسكتُ بصورة جدتي، وبكيتُ لأول مرة منذ سنوات.. بكيتُ لأنني أصبحتُ قوية لدرجة أنني أخفتُ نفسي.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في المال ولا في السلطة. في صباح اليوم التالي، اتصل بي الدكتور حسن بصوت مضطرب:

– “فريدة.. لازم تيجي المستشفى حالاً. التحاليل الأخيرة اللي عملناها لقلبك قبل ما تخرجي، ظهر فيها حاجة تانية خالص.. حاجة مكنتش في الحسبان.”

توقفت أنفاسي.. هل سأخسر كل شيء الآن، في اللحظة التي بدأتُ فيها أمتلك كل شيء؟

 

نظر إليّ الدكتور حسن بنظرة تحمل مزيجاً من الأسى والذهول، بينما كان الشخص الذي يرافقه يفتح حقيبة جلدية رسمية. تراجعت رانيا للخلف وهي ترتجف، وأمي سكنت حركتها تماماً وكأنها تمثال من الملح.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8