صدمه العمر اسما السيد 2

مرت أسابيع لم يعد فيها ياسين كما كان لم يعد ذلك الرجل الذي يقف خلف مكتبه الرخامي ينظر إلى الجميع من أعلى بل أصبح يقف على نفس الأرض التي يقفون عليها يشعر بما يشعرون به ويتحمل نتائج قراراته دون أن يختبئ خلف لقب أو شهرة أو مال كان كل صباح يبدأ بيوم مختلف يمر أولًا على غرفة ابنه قبل أي شيء يقف أمامه لدقائق طويلة يتأمله وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحه داخل قلبه قبل عينيه ثم يخرج ليكمل عمله بروح لم يعرفها من قبل لكن رغم هذا التغير لم تكن الأمور سهلة لم تكن سلمى قد نسيت ما حدث ولم يكن الماضي قد اختفى بسهولة كانت تتعامل معه بهدوء محسوب لا قسوة فيه ولا دفء كامل وكأنها تعطيه فرصة لكنها في نفس الوقت تضع حدودًا واضحة لا تسمح له بتجاوزها كان يدرك ذلك ويقبله بصمت لأنه يعلم أنه هو من صنع تلك المسافة بيده وأن عليه الآن أن يتحمل تبعاتها مهما طالت الأيام وفي أحد الأيام بينما كان يجلس في مكتبه يراجع بعض الملفات دخلت عليه الممرضة مريم وهي مترددة قليلًا وقالت هناك سيدة تسأل عنك في الخارج تبدو غاضبة بشدة لم يرفع عينيه في البداية لكنه قال بهدوء دعيها تدخل وما إن فتحت الباب حتى دخلت امرأة في أواخر الثلاثينات بملامح حادة ونظرة مليئة بالاستياء كانت أنيقة بشكل مبالغ فيه وكأنها جاءت لتثبت شيئًا لا لتطلب مساعدة نظر إليها ياسين للحظة قبل أن يتعرف عليها إنها ليلى المرأة التي كان على وشك الارتباط بها بعد طلاقه من سلمى والتي اختفت من حياته فجأة دون تفسير واضح وقفت أمامه وقالت بنبرة تحمل خليطًا من السخرية والغضب يبدو أنك مشغول بحياتك الجديدة جدًا لدرجة أنك نسيت كل شيء لم يبد عليه أي انزعاج بل نظر إليها بهدوء وقال لم أنس فقط اخترت أن أضع الأمور في مكانها الصحيح ضحكت بسخرية وقالت وهل هذا يشمل العودة إلى زوجتك السابقة وكأن شيئًا لم يحدث رد بصوت ثابت لا شيء عاد كما كان ولا شيء يمكن أن يعود كما كان لكن هناك أشياء يجب تصحيحها حتى لو تأخرت قليلاً اقتربت منه أكثر وقالت وهل أنا من تلك الأخطاء التي تحاول تصحيحها لم يتردد هذه المرة وقال نعم أنت كنت جزءًا من مرحلة كنت فيها أعمى عن الحقيقة وربما ظلـ .ـمت أكثر من شخص بسبب ذلك نظرت إليه بصدمة لم تتوقع هذا الرد الصريح ثم قالت بغضب واضح أنا من أخبرتك بالحقيقة أنا من أنقذك من امرأة كانت تخدعك ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لكنها لم تكن تحمل أي سخرية بل كانت أقرب إلى الاعتراف المؤلم وقال بل كنت السبب في أن أصدق كذبة دون أن أتحقق منها وأن أخسر إنسانة كانت تستحق أن أسمعها على الأقل ساد صمت ثقيل للحظات ثم قالت بنبرة منخفضة لم أكن أكذب عليك شعرت بشيء غير مريح تجاهها أردت أن أحميك رد بهدوء الحماية لا تكون بالشك ولا بتدمير حياة الآخرين دون دليل ثم أضاف بنبرة أكثر حزمًا أنا لا ألومك وحدك أنا ألوم نفسي أولاً لأنني اخترت أن أصدقك دون أن أبحث عن الحقيقة أكثر لم تجد ما تقوله شعرت أن الرجل الذي أمامها ليس نفس الشخص الذي عرفته من قبل ذلك الرجل الذي كان يتأثر بكلماتها بسهولة ويمنحها ثقته دون تفكير لم يعد موجودًا الآن كان أمامها شخص آخر

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
20