تراجعتِ والظلام يبتلع زوايا المطبعة، وصوت “ندى” الهادئ والمخيف في آنٍ واحد يتردد بين جدران المكان. كانت ندى تنظر إليكِ بنظرة لم تعهديها، نظرة “المالك” الذي انتظر طويلاً ليحصد ثمار صبره.
* ندى بابتسامة باهتة: “ليه مستغربة يا هالة؟ طول عمرك أنتي (الكاتبة) اللي بتألفي القصص، وأنا (الناشرة) اللي بتدير الحقيقة من ورا الستار. بابا ساب المطبعة دي أمانة، وكرم كان مجرد موظف غبي افتكر إنه يقدر يسرق الورثة.. هاتي الدفاتر، ده حقنا اللي ضاع من سنين.”
في تلك اللحظة، تحرك “الخيال” الذي كان يقف خلف ندى. خرج إلى الضوء ببطء، وكان يرتدي بذلة رسمية أنيقة، رجل في الستين من عمره، ملامحه تحمل هيبة لا تخطئها العين.. إنه **”العم رفعت”**، الصديق الصدوق لوالدكِ، والرجل الذي ألقى كلمة الوداع في جنازته.
* رفعت بصوت رخيم: “بلاش تضيعي وقت يا هالة. ندى معاها حق. الدفاتر دي مش بس حسابات، دي فيها (الشيفرة) اللي بتشغل الماكينات اللي تحت رجلينا دلوقت. ماكينات لسه قادرة تطبع ملايين.. وباسمك أنتي يا هالة، لأن باباكي سجل المطبعة دي باسمك من يوم ما اتولدتي في 1988.”
أدركتِ الآن الخديعة الكبرى؛ لقد كنتِ “الواجهة القانونية” لكل هذه القذارة منذ نعومة أظفارك دون أن تدري. كرم كان يراقبكِ، وياسين كان يحاول العودة، وندى كانت تدير اللعبة مع رفعت ليتم تفعيل المطبعة من جديد بمجرد حصولهم على الدفاتر.
* أنتِ بقوة: “يعني كرم لما كان بياخد شاور مع نعيمة في بيتي.. ده كمان كان بتخطيط منكم؟”
* ندى ببرود: “كان لازم تطلبي له الشرطة يا هالة. كان لازم يخرج من الصورة عشان (الوريثة) تفوق وتعرف إن جوزها خاين، فتطلب الطلاق وتخلص من “الوصاية” بتاعته.. إحنا اللي سهلنا له الطريق، ونعيمة كانت بتنفذ أوامري أنا، مش أوامره هو.”
ضحكتِ بمرارة، ضحكة هزت أرجاء المطبعة المهجورة. سحبتِ الدفاتر من الحقيبة، ورفعتِها عالياً والولاعة في يدكِ الأخرى.
* “يعني الليلة دي كلها كانت مسرحية عشان أهدم بيتي بإيدي وأجيلكم زاحفة بالورق؟”
* رفعت بحذر: “هالة.. بلاش جنان. الورق ده تمنه مليارات. ولعي في كرم، ولعي في ياسين، لكن الورق ده حياتنا.”
فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامكم. لم يكن زلزالاً، بل كان صوت انفجار قادم من الطابق السفلي للمطبعة. صرخ رفعت بجنون وركض نحو السلم، بينما ظلت ندى واقفة تراقبكِ بتحدٍ.
* ندى: “فاكرة إنك بطلة في رواية؟ إحنا في الواقع يا هالة. والواقع بيقول إنك لو حرقتي الورق ده، أنتي أول واحدة هتتسجن، لأن المطبعة باسمك، وكل العملات المزورة اللي طلعت منها قبل كدة متسجلة بتوقيعك المزور اللي كرم عمله.. حرق الورق يعني حرق مستقبلك.”
سمعتِ صرخات رفعت بالأسفل، ثم صوت إطلاق نار. ظهر من وسط الدخان “ياسين”. كان قد هرب من سيارة الترحيلات بطريقة ما، أو ربما “تم تهريبه” لينهي المهمة القذرة. وجهه كان ملطخاً بالدماء، والجنون يلمع في عينيه.
* ياسين بصراخ: “محدش هياخد مليم! المطبعة دي هتبقى قبرنا كلنا!”
في تلك اللحظة، رن جرس إنذار هاتفكِ.. كان تنبيهاً لجدولة منشور على صفحتكِ الكبيرة التي يتابعها مئات الآلاف. لمعت فكرة في رأسك؛ القوة التي تمتلكينها ليست في الدفاتر، بل في “الجمهور”.
فتحتِ كاميرا الهاتف، وبدأتِ “بث مباشر” (Live) فجأة.
* “أنا هالة مكرم.. وأنا دلوقت ببلغ عن أكبر عملية تزوير في تاريخ مصر، من قلب مطبعة والدي.. الأسماء اللي هقولها دلوقت هي اللي دمرت حياتي..”
تجمد ياسين وندى في مكانهما. البث المباشر يعني أن الحقيقة أصبحت مشاعاً، ولا يمكن قتل مئات الآلاف من الشهود.
* ندى بذهول: “انتي بتعملي إيه؟ أنتي بتدبري لنفسك حبل المشنقة!”
* أنتِ بابتسابمة نصر: **”أنا بكتب الفصل الأخير يا ندى.. والكاتب الشاطر هو اللي بيعرف إمتى يحرق البطل عشان يعيش النص.”**
الدخان بدأ يخنق الجميع، وأصوات سرينة الشرطة الحقيقية بدأت تقترب من الخارج. ياسين رفع مسدسه نحوكِ، وندى حاولت خطف الهاتف..
**هل سينتهي البث المباشر بطلقة رصاص؟ أم أن هالة أعدت “مفاجأة رقمية” ستجعل الجميع يسقط في قبضة العدالة قبل أن ينقطع الإرسال؟**
**
ثوانٍ قليلة كانت تفصل بين الضغط على زناد مسدس ياسين وبين وصول البث المباشر لآلاف المتابعين. تجمد الجميع في كادر الكاميرا؛ ندى التي شحب وجهها كالموتى، وياسين الذي ارتعشت يده لأول مرة وهو يرى وجهه مكشوفاً أمام العالم.
“أنتِ بتمضي على قرار إعدامك يا هالة!” صرخ ياسين وهو يتقدم نحوكِ، لكنكِ لم تراجعي. كنتِ تنظرين لعدسة الهاتف وكأنكِ تنظرين لعين الحقيقة مباشرة.
* **أنتِ (في البث):** “الدفاتر اللي في إيدي دي، فيها أسماء كل اللي شاركوا في تدمير حياتي، من أول جوزي اللي خانني في بيتي، لحد أهلي اللي استغلوا اسمي في التزوير.. أنا بسلم الدفاتر دي للرأي العام قبل ما تتصادر، عشان لو حصلي حاجة، الكل يعرف مين القاتل.”