نادية فضلت واقفة في نص مكتبها، وصوت صريخ ريهام وتهديدات كريم لسه بيرن في ودنها، بس الجملة الأخيرة كانت هي اللي بتنهش في عقلها.. **”خالتك سعاد”**.
الشركة فضيت، والهدوء رجع يسيطر على المكان، بس كان هدوء ما قبل العاصفة. نادية مسكت تليفونها واتصلت بـ “عم عبده”، سواق أبوها القديم اللي طلع على المعاش من سنتين، والوحيد اللي كان مع والدتها في يوم الحادثة.
— “يا عم عبده.. أنا نادية. عايزة أعرف حاجة واحدة، ومحدش هيقولي الحقيقة غيرك.. خالتي سعاد كانت فين ليلة حادثة ماما؟”
السكة سكتت لثواني، ونبرة صوت عم عبده اتغيرت:
— “يا بنتي.. اللي فات مات، والست سعاد هي اللي ربتك..”
— “عم عبده! انطق!”
— “خالتك كانت موجودة في البيت ليلتها يا نادية.. ولما الموتور بتاع عربية الست والدتك عطل، هي اللي أصرت إنها تركب العربية التانية.. العربية اللي فراملها كانت مقطوعة.”
نادية قفلت السكة، وحست إن الأوكسجين بيخلص من القاعة. رجعت البيت، الفيلا اللي كانت دايمًا شايفة إنها أمانها. دخلت، لقت خالتي سعاد قاعدة بتسبح، وشها هادي ووقور كالعادة، ولابسة الأسود على أخوها.
نادية قعدت قدامها ببرود، ومن غير مقدمات، رمت “مفتاح العربية” القديم على الترابيزة.
— “كريم اتمسك يا خالتي.. وقاللي كلام غريب قوي عنك وعن حادثة ماما.”
سعاد كملت تسبيح، ومارمش لها جفن، وقالت بهدوء:
— “كريم كداب يا بنتي.. وعايز يوقعنا في بعض عشان تسيبي القضية.”
— “طب والفلوس يا خالتي؟” نادية وقفت وفتحت تليفونها على كشف حساب قديم كانت لقته في خزنة أبوها السرية، “التحويلات اللي كانت بتطلع من حساب بابا لحساب مجهول، واكتشفت النهاردة إنه حسابك إنتي.. ليه بابا كان بيدفع لك مبالغ ضخمة كل شهر؟”
سعاد سكتت، وحطت السبحة من إيدها، ونظرتها اتحولت فجأة من الحنان للقسوة:
— “عشان كان بيشتري سكوتي يا نادية.. أبوكي ‘الحاج حسن’ اللي الكل بيحلف بأدبه، كان هو السبب في إن أختي تموت محروقة في العربية.. هو اللي كان عايز يخلص منها عشان يتجوز السكرتيرة بتاعته وقتها، اللي هي كانت ‘أم ريهام’!”
نادية رجعت لورا خطوة، الصدمات بقت أكبر من قدرتها على الاحتمال.
— “بتقولي إيه؟ ريهام.. أختي؟”
سعاد ضحكت بمرارة:
— “لا مش أختك.. ريهام بنت السكرتيرة من راجل تاني، بس أبوكي كان بيصرف عليها من وراكم، ولما مات، أنا قررت آخد حقي منه فيكي وفي جوزك.. أنا اللي عرفت كريم على منى، وأنا اللي شجعت ريهام تلبس فستانك وتدخل العزا.. كنت عايزة أحرق قلبك زي ما قلبي اتحرق على أختي سنين.”
نادية حست إنها في مسرحية هزلية. الكل خانها.. أبوها، جوزها، صاحبتها، وحتى خالتها اللي هي “أمها التانية”.
— “يعني إنتي اللي دمرتي حياتي يا خالتي؟”
سعاد وقفت وقربت منها:
— “أنا خدت حق أختي.. وكريم كان مجرد أداة. ودلوقتي، بما إن كل حاجة اتكشفت، أحب أقولك إن الفيلا دي.. نصها ملكي بورقة بيع وشرا من أبوكي قبل ما يموت.”
نادية مسحت دموعها، وضحكت ضحكة خلت سعاد تقلق.
— “إنتي فاكرة إنك ذكية يا خالتي؟ بابا كان عارف إنك طماعة.. وعارف إنك كنتِ بتغيري من ماما. وعشان كده، الورقة اللي معاكي دي ‘مزورة’.. بابا كان باعتلي رسالة مع التقرير، بيقولي فيها إن أي ورق يظهر بعد وفاته باسمك، هو ورق هو ملاه بـ ‘حبر سري’ بيختفي بعد سنة.. واليوم، السنة خلصت.”
سعاد جريت على الخزنة بتاعتها، طلعت الورقة، ولقتها فعلًا.. بيضاء، مفيهاش حرف واحد.
نادية شالت شنطتها وقالت لها وهي ماشية ناحية الباب:
— “أنا مش هسجنك يا خالتي.. عشان خاطر ريحة ماما اللي فيكي. بس الفيلا دي هتتباع الصبح، وتمنها هيروح لدار أيتام.. وإنتي، قدامك ساعة واحدة تلمي فيها هدومك وتخرجي من حياتي للأبد.”
وهي خارجة، تليفون نادية رن.. كان المحامي.
— “يا نادية هانم.. في مصيبة في النيابة. كريم اعترف بحاجة تانية خالص، وقال إن في ‘خزنة رابعة’ هو سرقها من مكتب والدك قبل ما يموت، وفيها سر لو طلع.. هيقلب موازين البلد كلها، مش بس عيلتكم.”
نادية وقفت في الشارع، وبصت للسما.. الحرب لسه ما خلصتش، والسر اللي مع كريم ممكن يكون هو القشة اللي هتقسم ضهر الكل.
**
نادية وقفت في نص الشارع، الدنيا بتلف بيها. “خزنة رابعة؟” أبوها ساب وراه ألغاز أكتر من اللي سابها من ورث. ركبت عربيتها واتجهت فوراً لمقر النيابة.. لازم تواجه كريم للمرة الأخيرة قبل ما يترحل.
دخلت غرفة التحقيق، كريم كان قاعد والكلبشات في إيده، بس وشه عليه ابتسامة نصر صفرا. أول ما شافها ضحك بصوت عالي:
— “نادية.. كنت عارف إنك هتيجي. الخالة سعاد طلعت غلبانة قدام اللي في الخزنة الرابعة، مش كدة؟”
نادية قعدت قدامه بجمود:
— “كريم.. مفيش فايدة من الألعاب دي. إنت ضعت، ومنى ضاعت، وريهام بتنهار. قول اللي عندك وخلصني.”
كريم ميل بجسمه لقدام وقال بصوت واطي:
— “أبوكي ماكانش مجرد رجل أعمال يا نادية.. الحاج حسن كان ‘صندوق أسود’ لأسماء كبيرة قوي في البلد. الخزنة الرابعة فيها سجلات لعمليات غسيل أموال تمت بعلم ورعاية ناس إنتي ما تقدريش حتى تنطقي أساميهم. والناس دي دلوقتي عرفت إن الورق ده معاكي.. أو فاكرين إنه معاكي.”
نادية حست ببرد بينخر في عضمها:
— “إنت عايز إيه؟”
— “عايز أخرج.. تهربيني بره البلد، وفي المقابل هقولك مكان الخزنة، وهديكي مفتاح ‘الأمان’ اللي يخلي الرؤوس الكبيرة دي تخاف منك وتعملك ألف حساب، بدل ما يصفّوكي عشان يخلصوا من السر.”
نادية سابته وقامت.. خرجت للممر وهي مش شايفة قدامها. فجأة، لقت “ريهام” واقفة قدامها، بس المرة دي كانت من غير الفستان الأزرق، من غير الماكياج، وشها شاحب وعنيها غرقانة دموع.
— “نادية.. أرجوكي اسمعيني.” ريهام قالتها بصوت مرعوش.
— “انتي لسه ليكي عين تتكلمي؟”
— “أنا كنت فاكرة إني بحبه.. كنت فاكرة إنه بيحاول ينقذني من الفقر. بس كريم كان بيستخدم ‘رحم’ أمه عشان يهددني.. كريم خاطف ابني يا نادية!”
نادية برقت: “ابنك؟”
— “أيوة.. أنا عندي طفل عنده 4 سنين، كريم مخبيه في مكان محدش يعرفه، وهددني لو ما عملتش اللي هو عايزه مش هشوفه تاني. هو اللي خلاني ألبس الفستان عشان يكسرك، وهو اللي خلاني أمضي على ورق يدينك. أنا مش عايزة فلوس.. أنا عايزة ابني.”
في اللحظة دي، نادية فهمت إن كريم مش بس خاين، ده “شيطان”.
طلعت تليفونها وكلمت “عم عبده”:
— “يا عم عبده.. فاكر المزرعة القديمة اللي بابا كان بيشتريها في طريق مصر الإسكندرية؟ اللي مكنش حد بيروحها خالص؟”
— “أيوة يا بنتي.. مالها؟”