بصيت لهدير، كان شكلها يقطع القلب.. كانت بتترعش ومنهارة تماماً، كأن الكلمة اللي أمي قالتها كانت رصاصة أخيرة في ضهرها. سحبت إيدي من إيدها من غير ما أحس، والشك بدأ ينهش في عقلي زي السوس.
* “هدير.. بصيلي.” قلتها بصوت واطي ومرعب. “كنتِ بتعملي إيه عند خالي يومها؟ وأمي تقصد إيه بإن الورق كان معاكي إنتي كمان؟”
أمي ضحكت بانتصار وهي بتقعد على كرسيها وتعدل طرحتها ببرود:
* “اسألها يا كريم.. اسألها عن الورقة اللي خالتك الله يرحمها سابتها أمانة مع خالك قبل ما تموت.. الورقة اللي بتثبت إن ‘هدير’ مش بنت ناس غلابة زي ما قالتلك..
ولا هي اليتيمة اللي مالهاش حد.”
هدير صرخت فجأة وهي بتغطي ودنها:
* “كفاية! كفاية يا طنط أرجوكي.. أنا عملت كل اللي قلتِ عليه، سيبت بيتي وبناتي، ليه عايزة تذبحيني قدامه؟”
قربت من هدير ومسكت كتافها وهزيتها:
* “انطقي يا هدير! إيه حكاية الورقة دي؟”
هدير رفعت عينيها اللي كانت غرقانة دموع وقالت بصوت متقطع:
* “الورقة دي.. الورقة دي كانت شهادة ميلادي الحقيقية يا كريم. أنا مش بنت ‘صلاح’ اللي إنت عارفه.. أنا بنت خالك! خالي اللي مات ده.. يبقى أبويا الحقيقي.”
الدنيا اسودت في عيني. وقعت على الكرسي وأنا مش حاسس بجسمي.
خالي؟ أبوها؟ يعني هي.. أختي في الرضاعة؟ ولا بنت خالي اللي محرمة عليا؟ ولا إيه المصيبة دي؟
أمي كملت بلسان زي العقربة:
* “خالك اتجوز أمها سراً زمان، ولما ماتت خاف من الفضيحة ومني أنا شخصياً عشان الميراث، فخلى صلاح يربيها كأنها بنته. الورقة اللي كانت معاها بتثبت نسبها، وبتثبت حقها في نص الأملاك اللي خالي سابها.. هدير كانت رايحة لخالك تطالبه بالاعتراف بيها، ولما حصلت المشادة ومات، أنا استغليت الرعب اللي هي فيه.. فهمتها إنها لو اتكلمت، الورقة دي هتتحرق، وهتفضل طول عمرها ‘بنت مجهولة النسب’ وصلاح هيتبرى منها.”
بصيت لأمي بذهول:
* “يعني إنتي جوزتيني بنت خالي وإنتي عارفة إنها بنته؟ وعارفة إن ليها حق في الورث اللي إنتي أخدتيه كله؟”
أمي وقفت وقربت مني وبصت في عيني بتحدي:
* “جوزتها لك عشان أضمن إن السر يفضل جوه البيت! وعشان لو فكرت تفتح بؤها، أكسرها بيك وبالبنات.. أهو دلوقتي إنت عرفت.. هتعمل إيه؟ هتطلق أم بناتك وتيتمهم وهي مالهاش ذنب غير إنها حبتك وخافت على نفسها؟ ولا هتعيش مع ‘بنت القاتل’ اللي هي في الأصل بنت خالك اللي إنتي أخدت ورثه؟”
بصيت لهدير اللي كانت واقعة على الأرض بتبكي، وبصيت لأمي اللي كانت واقفة زي الشيطان بتبتسم..
حسيت إني محبوس في أوضة ضلمة بتضيق عليا.
خدت هدير من إيدها، وخرجت من البيت وأنا مش شايف الطريق. ركبتها العربية وطلعت بيها على مكان واحد بس.. مكان كنت مفكر إني مش هدخله أبداً.
وقفت قدام باب “المحامي الكبير” اللي كان ماسك شغل خالي زمان، وطلعت الموبايل وكلمت “صلاح”.
* “صلاح.. هات الورق الأصلي اللي هدير مخبياه عندك وتعا لي على مكتب الأستاذ فريد.. دلوقتي!”
دخلنا مكتب الأستاذ فريد، والساعة كانت داخلة على ١٢ بالليل. الراجل فتحلنا مخصوص لما سمع صوتي المرعوب في التليفون. هدير كانت قاعدة في ركن المكتب، ضامة نفسها ومنهارة، وصلاح جه وجاب معاه شنطة جلد قديمة، إيده كانت بتترعش وهو بيحطها قدامي.
* “الورق أهو يا كريم.. شهادة ميلاد هدير الأصلية، وعقد جواز عرفي موثق بين خالك وأم هدير الله يرحمها، وإقرار بنسبها مكتوب بخط إيد خالك نفسه.”
فتحت الورق.. الكلام كان بيحرق عيني. هدير مش مجرد زوجة، دي بنت خالي “الوحيدة”، يعني الورث اللي أمي عايشة فيه، والبيت اللي إحنا كبرنا فيه، نصيبه الأكبر حقها هي.. مش حقنا إحنا.
* “يا أستاذ فريد..” قلتها بصوت ميت. “لو الورق ده طلع للنور، إيه اللي يحصل؟”
المحامي لبس نظارته وقعد يقلب في الورق بتركيز، وبعدين بصلي بحزن:
* “قانوناً.. هدير تاخد حقها في كل مليم سابه والدها. وشرعاً.. جوازكم صحيح لأنها بنت خالك، مفيش حرمانية. بس الجانب الجنائي هو المشكلة.. لو ثبت إن والدتك أخفت الورق ده أو استغلت موت والدها عشان تستولي على نصيبها، دي قضية تزوير واستيلاء.. وممكن توصل لفتح التحقيق في ‘موت’ خالك نفسه لو فيه شبهة جنائية.”
بصيت لهدير.. كانت بتبصلي بنظرة رجاء، كأنها بتقولي “بلاش تدمر أمك”.
* “كريم..” قالت هدير بصوت مبحوح.
“أنا مش عايزة فلوس، ولا عايزة ورث. أنا بس كنت عايزة أحس إني ليا أصل، إني مش ‘لقيطة’ زي ما والدتك كانت بتعايرني كل ما نختلف. أنا حبيت خالي لأنه كان حنين عليا، وماكنتش أعرف إنه أبويا غير قبل ما يموت بشهر واحد.”
في اللحظة دي، تليفوني رن رسالة. فتحتها لقيتها من أمي:
> “البنات عندي يا كريم.. نايمين في حضني. لو فكرت تعمل أي حاجة تضرني، افتكر إنك بتدمر مستقبلك ومستقبلهم. البيت ده هيفضل مقفول علينا، والحقيقة هتموت معايا.. يا إما الكل يغرق.”
>
الرسالة كانت تهديد صريح. أمي بتستخدم بناتي “درع بشرى” عشان تسكتني.
قمت وقفت، الدم غلي في عروقي. بصيت لصلاح وقلتله:
* “خد هدير وروحوا على البيت، واقفلوا الأبواب عليكم كويس.”
* “وأنت يا كريم؟ رايح فين؟” سألتني هدير وهي ماسكة في كم قميصي.
* “رايح أجيب بناتي.. ورايح أنهي الكابوس ده للأبد. أمي فاكرة إنها ماسكة خيوط اللعبة، بس هي نسيت إن الخيوط دي ممكن تخنق اللي ماسكها.”
نزلت وجريت على العربية. مابقتش شايف قدامي غير صورة بناتي وهم في حضن واحدة ممكن تضحي بأي حد عشان نفسها. وصلت بيت أمي، لقيت النور مطفي، والهدوء اللي كان بيخوفني رجع تاني.. بس المرة دي كان هدوء “ما قبل العاصفة”.
فتحت الباب بالراحة.. ودخلت الصالة. لمحت خيال أمي قاعدة في الضلمة، ومنورة شمعة واحدة قدامها.
* “كنت عارفة إنك هتيجي يا كريم.. البيت وحش من غيرك، مش كدة؟”
* “فين البنات يا أمي؟”