أنا وجوزي حكايات رومانى مكرم 1

أنا وجوزي دايمًا بينا مشاكل بسبب مرتبي. هو عاوز مرتبى كله وهو يتصرف فيه، ودايما يقول”إنتي ملكيش لازمة تمسكي فلوس، وانا عاوز الفلوس دى بس أنا رافضة، لأني أصلًا بساعد في مصاريف البيت، وبصرف على أولادي، وكمان بساعد بابايا اللي تعب ورباني. أمل دخلت المطبخ بسرعة، بدأت تحضر العشا لأولادها “ياسين” و”سلمى”، وهي بتفكر في الـ 1000 جنيه اللي شالتهم في شنطتها على جنب عشان تروح تديهم لباباها بكرة.. أبوها اللي كبر وشاب وتعب عشان يخليها “ست بكيانها”، ودلوقتي ملوش غيرها يسند عليه في عز تعبه.

فجأة، الباب اتفتح ودخل مدحت، ملامحه كانت متغيرة، رامي مفاتيحه على السفرة بعصبية وقال بصوت عالي: — “أمل.. جهزيلي كشف حساب بالشهر اللي فات، وعايز الفيزا بتاعتك تكون قدامي دلوقتي.” أمل حاولت تحافظ على هدوئها وقالت بصوت واطي عشان الولاد ميسكتوش: — “يا مدحت، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده مية مرة. أنا مش مقصرة في البيت، والجمعية اللي داخلاها بدفعها، ولبس العيال ومصاريف دروسهم أنا شايلة نصها.. ليه عايز تاخد تعبي كله؟” حكايات رومانى مكرم

مدحت قرب منها وعينه فيها غض,,ب غريب: — “عشان أنا الراجل! والراجل هو اللي يمشي البيت.. إنتي مالكيش لازمة تمسكي فلوس وتصرفي يمين وشمال، اللي تعوزيه اطلبيه مني وأنا أجيبه، إن شالله حتى لو بجنيه، تاخدي إذني الأول.” أمل بصتله بذهول: — “آخد إذنك في مالي؟ طب وبابا؟ بابا اللي محتاج الدوا وعلاجه غالي، ومحتاج حد يسأل فيه، هقطع إيدي اللي بتساعده؟” مدحت ضحك بسخرية وقال جملة نزلت على قلبها زي السكي,,نة:

— “وأنا مالي بباباكي؟ هو خلّف ورمى؟ ما عنده ابنه يشيله، ولا هو الحيطة المايلة اللي هتهدي حيلنا بفلوسنا عليها؟ من النهاردة، مفيش مليم هيخرج من البيت ده لبره، وإلا مش هيحصل طيب!” أمل سكتت، مش ضعف، لكن صدمة.. مدحت مكنش كدة في الأول، الطمع والسيطرة غيروا ملامحه. دخلت أوضتها وقفلت على نفسها، وطلعت الظرف اللي فيه مبلغ أبوها، وحطته تحت المخدة وهي بتقسم في سرها إن حق أبوها عندها مش هيضيع، حتى لو التمن كان راحتها.

تاني يوم الصبح، مدحت استنى لما أمل دخلت الحمام، وبدأ يدور في شنطتها زي الحرامية.. ملقاش الفيزا، لكن وهو بيقلب المخدات عشان يعدل السرير، عينه وقعت على الظرف! #الكاتب_رومانى_مكرم فتحه ولقى الـ 1000 جنيه، وصورة صغيرة لأمل وهي طفلة مع باباها.. ملامحه اتحولت لشر محض، وحط الفلوس في جيبه وخرج من الأوضة ياترى أمل هتعمل إيه لما تكتشف إن الفلوس اللي كانت ساندة بيها أبوها اتس,,رقت؟ وهل مدحت هيوصل بيها لفين في طريق السيطرة؟

خرجت أمل من الحمام وهي تحاول رسم ابتسامة باهتة على وجهها لتواجه يومًا جديدًا، لكنها شعرت بق,,بضة في قلبها بمجرد أن رأت باب الغرفة مفتوحًا ومدحت يقف في الصالة يرتدي حذاءه ببرود لم تعهده فيه من قبل. لم ينظر إليها، بل قال بلهجة واثقة وهو يفتح باب الشقة: — “أنا نزلت.. ومستنيكي لما أرجع ألاقي الفيزا محطوطة على السفرة، وبلاش تدوري كتير على (الورق الزيادة) اللي كان تحت المخدة، اعتبريه غرامة على كدبك عليا.”

تسمرت أمل في مكانها، تجمدت الدماء في عروقها وهي تسمع صوت الباب يُغلق بقوة. جرت نحو الغرفة، رفعت المخدة بِيَد مرتعشة.. فراغ. الظرف اختفى، ومعه اختفت صورة والدها التي كانت داخل الظرف، وكأن مدحت لم يس,,رق مالها فقط، بل س,,رق ذكرياتها وأمانها. المواجهة الصامتة انهارت أمل على حافة السرير، دموعها لم تكن على الألف جنيه، بل على الرجل الذي استأمنته على عمرها فأصبح يفتش وراءها “كالصوص”. تذكرت وجه والدها وهو ينتظرها اليوم، وتخيلت خيبته وهو يخبر الصيدلي أنه سيؤجل شراء دواء السكر والضغط بضعة أيام أخرى.

في تلك اللحظة، تحول الانكسار داخل أمل إلى صلابة. مسحت دموعها وقررت ألا تصرخ وألا تدخل في معركة خاسرة بالكلم,,ات. الخطة البديلة نزلت أمل لعملها، لكنها لم تذهب للمكتب مباشرة. توجهت للبنك وطلبت “إيقاف” الفيزا فورًا بحجة ضياعها، واستخرجت بدل فاقد وطلبت تحويل راتبها إلى حساب جديد لا يملك مدحت عنه معلومة. عندما عادت للمنزل، كان مدحت يجلس بانتصار، ينتظر لحظة انكسارها وطلبها للمال. وضع قدمًا فوق الأخرى وقال بسخرية: — “ها.. هديتي؟ فكرتي في كلامي؟ وريني بقى هتروحي لباباكي إزاي وإنتي مفلسة.”

أمل ردت ببرود أذهله: — “الفلوس اللي خدتها يا مدحت كانت دَين عليا ووفيت بيه، وبابا مش مستني مني مليم، اخواتي قاموا بالواجب. بس خلي بالك، اللي بيس,,رق مراته بكرة يس,,رق أي حد، وأنا مبعرفش أعيش مع حد مأمنلوش على مالي ونفسي.” المفاجأة الصادمة مدحت استشاط غض,,بًا من برودها، وقام ليمسك حقيبتها ليبحث عن الفيزا التي أمرها بتركها، لكنها كانت أسرع منه. وقفت في منتصف الصالة وقالت بصوت قوي هز جدران البيت:

— “الفيزا اتقفلت يا مدحت.. والراتب الجاي مش هينزل على الحساب اللي تعرفه. والبيت ده أنا شايلة نصه بالرضا، لكن من اللحظة دي، مفيش مليم هيطلع مني غير بمزاجي، وأعلى ما في خيلك اركبه.” مدحت اقترب منها ورفع يده كأنه سيض,,ربها، لكن نظرة عينيها كانت غريبة، كانت نظرة امرأة قررت أن “تسترد كيانها” الذي ضحى والدها من أجله. حكايات رومانى مكرم نزلت الكلم,,ات على مسامع مدحت كالصاعقة؛ لم يعتد من أمل هذا الصمود. كانت دائمًا الطرف الذي يمتص الغض,,ب من أجل “مركب البيت تسير”، لكنه الآن يواجه امرأة أخرى، امرأة استمدت قوتها من قهرها على والدها.

تراجع مدحت خطوة للخلف، وعيناه تلمعان بشرر الانتقام، ثم ابتسم ابتسامة صفراء وقال بصوت خفيض ومرعب: — “تمام يا أمل.. قفلتي المحبس؟ طب وريني بقى مين هيصرف على دروس ياسين الشهر ده، ومين هيجيب لبس النادي لسلمى.. أنا ماليش دعوة، قرشك معاكي، وشطارتك تصرفي على عيالك، أنا “مليم” واحد مش هيدخل في البيت ده طول ما إنتي عاملة فيها الراجل.” الحرب الباردة

مرت ثلاثة أيام، ومدحت ينفذ تهديده بحذافيره. توقف عن شراء أي مستلزم,,ات للمنزل، حتى رغيف الخبز كان يدخله في كيس مخفي ليأكله وحده في غرفته، تاركًا أمل تواجه أعباء البيت كاملة من بقايا راتبها الذي استنزفه في الشهور الماضية.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
44