حكايات نور محمد 2

البيت اللي كان مفروض يبقى سكن وهدوء، تحول لساحة حـ,ـرب باردة. “سلمى” رجعت ملكة في شقتها، وأنا كنت حريص إن مفيش مليم يدخل شقة أمي غير “الأكل والشرب” الأساسي، وقطعت عن إخواتي “الرفاهية” اللي كانوا عايشين فيها من عرق جبيلي. “عبير” مكنتش قادرة تتحمل المنظر ده.. إن “الخدامة” -زي ما كانت بتسميها- تبقى هي صاحبة الأمر والنهي. الغل عمى عينيها، وبدأت تخطط لمصيبة تهدم المعبد على اللي فيه. في يوم، كنت نازل أصلي العشا، لقيت “عبير” واقفة في مدخل البيت وبتقول بصوت عالي وهي بتكلم حد في التليفون:

— “يا بنتي بقولك طارق مسحور! مش طبيعي إنه يبيع أمه وإخواته عشان خاطر واحدة.. أكيد هي عامله له حاجة، وأنا مش هسكت، أنا هطهر البيت ده من أعمالها!” طلعت شقتي ودمي بيغلي، بس مسكت نفسي. دخلت لقيت سلمى وشها مخطوف وواقفة في المطبخ، وبتقولي برعشة في صوتها: — “طارق، أنا خايفة.. عبير دخلت الشقة هنا النهاردة وأنا بنظف، وقالت لي كلام يخوف، وقالت إنها “رشت” حاجة في الأركان عشان تفك اللي أنا عاملاه.” ضحكت بسخرية وقلت لها: “ده كلام عيال يا سلمى، هبل بيضحكوا بيه على نفسهم عشان يبرروا خيبتهم.”

لكن اللي حصل بعد ساعة مكنش هبل أبداً. فجأة، شميت ريحة “شياط” قوية جداً جاية من أوضة النوم. جريت أنا وسلمى، لقيت الدخان طالع من تحت السرير! سحبت المرتبة، ولقيت “بخور” وفحم مشتعل ومحطوط وسط “هدوم سلمى” الداخلية، ومحطوط معاهم ورقة مكتوب عليها طلاسم وحروف غريبة بدم لونه أسود! سلمى أول ما شافت المنظر صرخت وماسكت بطنها ووقعت في الأرض: “آه يا طارق.. بطني! ابني بيضيع مني يا طارق!”

الدموية والعصبية اللي في طبعي انفجرت، بس المرة دي كانت عصبية “صامتة”. شلت سلمى وجريت بيها على أقرب دكتورة، وطول الطريق كنت بكلم نفسي: “لو حصل حاجة لابني، أنا مش هسجنكم.. أنا هنهيكم من الدنيا.” الدكتورة قالت إنها “صدمة عصبية” أدت لتقلصات شديدة، وإننا لحقنا الجنين في آخر لحظة. رجعت البيت الساعة 3 بالليل، وسلمى نايمة في المستشفى تحت الملاحظة. دخلت بيت العيلة، وفتحت باب شقة أمي بكتفي من غير استئذان. لقيتهم قاعدين بيضحكو وبياكلوا فاكهة، ولا كأن في كارثة حصلت فوق. أول ما شافوني، الضحكة اختفت. “عبير” قامت وقفت وقالت بجبروت:

— “أهو، ده أول الغيث يا طارق.. البخور اللي حـ,ـرقته ده عشان يطلع الشياطين اللي دخلتها بيتنا، ولسه..” مشيت خطوتين، ومسكتها من دراعها بقوة خلت عضمها يزيق في إيدي، وسحبتها لحد الصالة قدام أمي وقلت بصوت زي فحيح الأفعى: — “البخور اللي حرقتيه ده كان هيحـ,ـرق شقتي، والورقة اللي كتبتيها دي “دجل وشعوذة” قانوناً وشرعاً.. لكن الأهم من ده كله، إن “سلمى” في المستشفى بسبك، ولو الجنين ده نزل، أنا هعتبرك “قـ,ـاتلة عمد”.” أمي بدأت تصوت: “سيب أختك يا طارق! إنت اتجننت؟”

— “أنا لسه متجننتش يا أمي.. الجنان هيبدأ حالا.” طلعت تليفوني واتصلت بواحد صاحبي شغال في “البحث الجنائي”، وقلت له جملة واحدة: “يا عصام، ابعت لي القوة اللي اتفقنا عليها، “المحضر” اللي كان مركون، أنا عايز أفعلة “دلوقتي” وبكل البنود.. سـ,ـرقة، تبديد، شروع في قـ,ـتل، ودجـ,ـل.” عبير وقعت على ركبها وبدأت تبكي: “والله ما قصدت، أنا كنت عايزة أخوفها بس عشان تسيب البيت وتمشي!” بصيت لأمي وقلت لها بوجع:

— “إنتي كنتي بتسألي يرضيني إخواتي سيرتهم تبقى على كل لسان؟ أهو إنتي اللي وصلتينا لكده بسكوتك على غلهم. الصبح، “عبير” و”منى” هيتجروا في الكلابشات قدام المنطقة كلها بتهمة السـ,ـرقة، والنيابة هي اللي هتفصل بيني وبينكم.” في اللحظة دي، “منى” اللي كانت ساكتة خالص، طلعت جرت على المطبخ وجابت “سـ,ـكينة” ووقفت قدام رقبتها وهي بتصرخ: — “لو بلغت عننا يا طارق، أنا هتدبح نفسي وهقول للناس إنك إنت اللي عملت فينا كده عشان تاخد البيت لوحدك وتفضي الجو لمراتك!”

الكل اتجمد في مكانه.. التهديد مكنش تمثيل، منى كانت منهارة فعلاً ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تهرب من الفضيحة والسجن. وقفت قدامها وأنا بضحك بمرارة: “فاكرة إن ده هيخوفني؟ جربي يا منى.. جربي تشوفي طارق العصبي لما يقرر إنه ميبقاش عنده أغلى من كرامة مراته وابنه.” قربت منها خطوة، والسـ,ـكينة لمست رقبتها، وفجأة صوت تليفوني رن.. كان المحامي بيقولي: “طارق، الحق.. المستأجر اللي طـ,ـردته، راح عمل فيك بلاغ “بلطجة” ومعاه شهود من الجيران إنك هددته بالسلاح!”

الموضوع كبر، والنار اللي ولعت في البيت بدأت تحرق الكل.. ومبقتش عارف ألحق مين ولا مين! الجزء الخامس: حافة الهاوية السـ,ـكينة في إيد “منى” والتهديد بالانتـ,ـحار، وبلاغ “البلطجة” اللي المحامي قالي عليه، والدخـ,ـان اللي كان لسه ريحته في مناخيري.. كل ده خلى عقلي يوقف تفكير للحظة، بس العصبية اللي في دمي اتحولت لبرود جليد. قربت من “منى” خطوة بخطوة، وعيني في عينها من غير خوف:

— “عايزة تدبحي نفسك يا منى؟ جربي.. بس قبل ما تعمليها، اعرفي إن الكاميرات اللي صورت “عبير” وهي بتـ,ـسرـ,ـق وبتولع في الشقة، صورتك وإنتي بتسحبي السـ,ـكينة دي وبتهددي بيها. يعني حتى ومـ,ـوتك مش هينقذ سمعتكم، هيتقال إنك انـ,ـتحرتي من الخزي والعار بعد ما اتكشفتوا.” إيدها بدأت ترتعش، والسكـ,ـينة وقعت من إيدها وهي منهارة من العياط. في اللحظة دي، خبط الباب بقوة.. كانت الشرطة وصلت، بس مش عشان بلاغي، دول جايين عشان بلاغ “المستأجر” اللي ادعى إني بلطجي.

أمي جرت فتحت الباب وهي بتصوت: — “الحقونا يا حكومة! ابني اتجنن وعايز يمـ,ـوتنا كلنا عشان خاطر مراته!” الظابط دخل وبص للمنظر: منى واقعة في الأرض والسـ,ـكينة جنبها، وعبير وشها أصفر من الرعب، وأنا واقف في وسطهم. الظابط بسخرية: “إيه يا أستاذ طارق؟ إحنا جايين في بلاغ بلطجة، نلاقي شروع في قـ,ـتل؟” طلعت موبايلي بمنتهى الهدوء وفتحت “اللايف ستريم” اللي كان شغال ومسجل كل كلمة وكل تهديد من أول ما دخلت الشقة.

— “يا فندم، أنا طارق، مغترب ولسه راجع من يومين. اتفضل شوف الفيديو ده.. ده تهديد بالانتـ,ـحار عشان يضغطوا عليا أتنازل عن محضر “السـ,ـرقة والحـ,ـريق العمد” اللي كنت هعمله. أما موضوع البلـ,ـطجة، فالمستأجر ده بيته وورقة وقانوناً “مغتـ,ـصب عين” لأن عقده باطل، والمحامي بتاعي معاه كل المستندات.” الظابط بص في الفيديو، وبعدين بص لأمي وإخواتي بنظرة احتقار: — “يعني إنتوا اللي بتتبلوا عليه؟” عبير صرخت: “هو اللي قسى قلبنا عليه! هو اللي فضل الغريبة علينا!”

الظابط رد بكلمة واحدة لجمت الكل: “الغريبة دي مراته، والشرع والقانون بيقولوا إنها أمانة. اتفضلوا قدامي على القسم.. إنتي بتهمة “البلاغ الكاذب”، وإنتي بتهمة “الحريق العمد”، والأستاذ طارق هيتفضل معانا عشان نخلص إجراءات بلاغ البلطـ,ـجة الكيدي.” أمي قعدت في الأرض تلطم: “يا فضـ,ـيحتنا يا طارق! عايز تحبس إخواتك البنات؟” بصيت لها بوجع وقلت: — “أنا مكنتش عايز أحبس حد، أنا كنت عايز “أربي” اللي معرفتوش تربوهم. السجن مش فضـ,ـيحة يا أمي، الفضـ,ـيحة هي اللي عملتوه في “سلمى” وهي حامل وفي غيابي.”

اتحركنا كلنا على القسم. وهناك، كانت المفاجأة التانية مستنياني. المحامي بتاعي “رفعت” جالي وهو وشه مخطوف: — “طارق، في مصيبة تانية.. المستأجر اللي عمل فيك البلاغ الكيدي، طلع مش لوحده. ده طلع “مسجل خطر” ومنتحل صفة، والفلوس اللي دفعها لأمك دي كانت “غسيل أموال” من تجارة مشبوهة، ودلوقتي الحكومة بتدور ورا المصدر، وأمك وإخواتك بقوا “شركاء” في نظر القانون لأنهم قبضوا فلوس من غير عقود رسمية!” الدنيا اسودت في عيني.. الموضوع مابقاش مجرد خناقة عائلية، دي دخلت في “جـ,ـناية” ممكن تضيع مستقبلي ومستقبل عيلتي كلها.

بصيت لإخواتي اللي كانوا قاعدين في “الحجز” بيترعشوا، وبصيت لأمي اللي كانت بتبكي بجد المرة دي، وعرفت إن ناري اللي كنت عايز أحـ,ـرقهم بيها، بدأت تحرقني أنا كمان. وفي عز السواد ده، جالي تليفون من المستشفى.. الممرضة بتقولي بصوت واطي: — “أستاذ طارق، مدام سلمى فاقت، بس فيه شخص غريب دخل لها الأوضة وبيقول إنه “قريبها”، وهي بتصرخ ومش عايزاه يقرب منها!” الدم غلي في عروقي تاني.. سلمى ملهاش قرايب غير أهلها اللي في الصعيد وبعيد عنها تماماً! مين اللي دخل لها المستشفى في الوقت ده؟ وإيه علاقته بالمستأجر اللي مأجر شقتي؟

طلعت جري من القسم وأنا بحلف بـ “نار” هتاكل الأخضر واليابس، وعرفت إن اللعبة لسه في أولها، وإن اللي استغل غيابي كان مخطط لكل حاجة من زمان! الجزء السادس: خيوط العنكبوت خرجت من القسم زي الطلقة، وعقلي بيودي ويجيب. مين اللي دخل لسلمى؟ المستشفى أمان، إزاي حد غريب يدخل أوضتها في وقت زي ده؟

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
34