المنديل الوردى اسما السيد 2

عدّى وقت مش قليل بعد اللي حصل، وكنت فاكرة إن القصة خلصت عند اللحظة اللي سيبته فيها ومشيت، بس الحقيقة إن في قصص بتبدأ بعد النهاية مش قبلها، لأن اللي بيحصل جواك بعد ما تنجو…

بيكون أصعب من اللي عديت بيه، أول أسبوعين كانوا هدوء غريب، مفيش خناقات، مفيش ضغط، مفيش صوت حد بيكسر فيكي كل يوم، بس برضه مفيش فرحة كاملة، كنت بحاول أستوعب إن حياتي رجعت ليّ، بس جزء مني كان لسه واقف في نفس اللحظة، نفس القاعة، نفس الميكروفون، نفس العيون اللي بصتلي، كنت بصحى أوقات من النوم مفزوعة، كأن حد بيناديني بنفس صوته، أو كأن حد بيرمي عليّ نفس الاتهام القديم، “انتي السبب”، الجملة اللي اتقالتلي ميت مرة، يمكن أكتر، كانت لسه بتتردد جوايا رغم كل الأدلة اللي أثبتت العكس، وده كان أصعب جزء، إنك تحارب صوت جواك مش صوت الناس، لأن

الناس بتسكت، لكن الصوت اللي جواك بيكمل، حاولت أرجع لشغلي بشكل طبيعي، كنت بقعد قدام الكمبيوتر بالساعات، أكتب، أشتغل، أتكلم مع زمايلي، أضحك حتى، بس أول ما أرجع البيت، الوحدة كانت بتكبر حواليا زي حيطان بتقفل، ساعتها بس كنت بعترف إني اتوجعت، مش منه بس، لكن من نفسي كمان، إني سمحت بده يحصل، إني سكتت، إني صدقت، وفي يوم، وأنا قاعدة لوحدي، فتحت الدرج اللي كنت حاطة فيه الملف، نفس الملف اللي فضحته بيه، قعدت أقلب في الورق واحدة واحدة، كل تحليل، كل تقرير، كل توقيع دكتور، كل مرة كنت قاعدة في عيادة مستنية، كل دمعة كتمتها، كل مرة قلت لنفسي

“استحملي”، حسيت إني بقرأ قصة واحدة تانية، قصة بنت كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان تحافظ على بيتها، حتى لو البيت ده كان بيتهد فوق دماغها، قفلت الملف، وحطيته تاني، بس المرة دي مش بحزن، بحسم، لأن دي مش أنا دلوقتي، أنا اتغيرت، وفي نفس الليلة، قررت أعمل حاجة أول مرة أعملها لنفسي، مش لحد، مش علشان أرضي حد، لا، علشاني أنا، حجزت جلسة مع دكتورة نفسية، يمكن ناس كتير بتشوف الخطوة دي ضعف، بس الحقيقة إنها كانت أول خطوة قوة بجد، دخلت عندها وأنا مش عارفة أقول إيه، قعدت ساكتة شوية، وبعدين فجأة، كل الكلام طلع مرة واحدة، حكتلها كل

حاجة، من أول ليلة، لحد يوم الفرح، لحد اللحظة اللي مشيت فيها، حكتلها عن الصوت اللي جوايا، عن الإحساس بالذنب اللي مش مبرر، عن الخوف من إني أكرر نفس الغلط، كانت بتسمع بس، من غير حكم، من غير تعليق سريع، وده كان جديد عليّ، حد يسمعني من غير ما يقولي أعمل إيه، أو يلومني، أو يقلل مني، وفي آخر الجلسة، قالتلي جملة بسيطة بس فرقت معايا:

“انتي ما غلطتيش لما وثقتي، الغلط إنك فضلتِ في مكان بيأذيكي”، الجملة دي فضلت معايا أيام، بدأت أفهم إن اللي حصل مش تعريف ليا، مش أنا “اللي اتضحك عليها”، أنا اللي واجهت، اللي وقفت، اللي أنهت، وده فرق كبير، مع الوقت، بدأت أخرج أكتر، أقابل صحابي اللي كنت بعيدة عنهم، أزور أماكن بحبها، أضحك من غير ما أحس إني بتمثل، وشي بقى أخف، عيني بقى فيها حياة تاني، وفي يوم، واحدة من صحباتي قالتلي فجأة:

“انتي رجعتي لنفسك تاني”، ساعتها بس خدت بالي قد إيه كنت ضايعة، وقد إيه رجوعي ده إنجاز، مش حاجة عادية، بس الحياة كان لسه عندها اختبار أخير ليا، حاجة أنا ما توقعتهاش، في يوم عادي جدًا، وأنا راجعة من الشغل، لقيت ماما مستنياني بوش متوتر، أول ما دخلت قالتلي: “في حد جاي يخطبك”، اتصدمت، مش علشان الفكرة، لكن علشان التوقيت، حسيت إني مش مستعدة، إني لسه بلم نفسي، لسه بفهم أنا مين بعد كل اللي حصل، قلتلها بهدوء: “أنا مش جاهزة”، لكنها قالتلي:

“اسمعي بس، شوفي، مش لازم تقرري دلوقتي”، وافقت بالعافية، يمكن من الفضول، يمكن علشان أقفل الباب ده بشكل نهائي لو مش مناسب، ولما دخل، كان شخص عادي جدًا، مش مبهر، مش متصنع، هادي، نظرته ثابتة، وطريقته محترمة، اتكلمنا، سألني عن شغلي، عن اهتماماتي، ما سألش عن الماضي، ما حاولش يدخل في تفاصيل، وده خلاني أستغرب، وفي نص الكلام، قال جملة غريبة شوية:

“أنا عارف إنك مريتي بتجربة صعبة، ومش جاي أصلحك، أنا جاي أتعرف عليكي بس”، سكت، لأن الجملة دي لمست حاجة جوايا، لأول مرة حد يشوفني من غير ما يحاول “ينقذني” أو “يحكم عليّ”، بعد ما مشي، فضلت أفكر، مش فيه، لكن في نفسي، هل أنا مستعدة أفتح باب تاني؟ هل عندي الشجاعة أثق تاني؟ ولا هفضل طول عمري واقفة عند تجربة واحدة؟

قعدت مع نفسي وقت طويل، وافتكرت كل حاجة، بس المرة دي من زاوية مختلفة، أنا مش نفس البنت اللي بدأت الرحلة دي، أنا أقوى، أوعى، أعرف أقول لأ، أعرف أمشي لو اتأذيت، وده خلاني أخد قرار، مش إني أوافق عليه فورًا، لكن إني أدي لنفسي فرصة، فرصة أعيش من غير خوف، من غير ما الماضي يحكم مستقبلي، وافقت إني أقابله تاني، مش علشانه، لكن علشاني، علشان أثبت لنفسي إني اتعلمت، مش اتكسرت، ومع كل مقابلة، كنت بحط حدودي، بتكلم بصراحة، ما بخبيش، وهو كان بيسمع، من غير ما يضغط، من غير ما يستعجل، ومع الوقت، بدأت أحس بحاجة كنت فاكرة إني

نسيتها، الأمان، مش الأمان اللي بييجي من حد، لكن الأمان اللي بييجي من جواك، لما تبقى عارف إنك لو اتأذيت، هتعرف تنقذ نفسك، مش هتضيع تاني، وفي يوم، وأنا راجعة من مقابلة معاه، وقفت قدام المراية، نفس المراية اللي بصيت فيها يوم ما سيبته، بس المرة دي كنت مبتسمة، مش لأن في حد جديد في حياتي، لكن لأن أنا بقيت جديدة، نسخة أقوى، أهدى، وأصدق، حكايتي ما انتهتش عند الفضيحة، ولا عند الانتقام، حكايتي بدأت لما قررت أختار نفسي، وكل يوم بعد كده… كان فصل جديد أنا اللي بكتبه.

وفي يوم ما كنتش متخيلة إنه ييجي بالهدوء ده… وصلت للنهاية اللي مكنتش نهاية وجع، لكن نهاية حكاية قديمة وبداية واحدة جديدة، اليوم ده كان بسيط جدًا، مفيهوش قاعة أفراح ضخمة ولا زحمة ناس ولا صوت عالي، كان فيه أنا… وأنا بس… لأول مرة بحس إني كفاية لنفسي، وإن اختياراتي مش لازم تتبني على خوف أو ضغط أو كلام ناس، بعد شهور من التعافي، من التفكير، من المواجهة مع نفسي قبل أي حد، لقيت نفسي قاعدة معاه تاني، نفس الشخص اللي دخل حياتي بهدوء، اللي ما حاولش يسرق مكان، ولا يملأ فراغ، ولا يلعب دور المنقذ، كان دايمًا واضح:

“أنا موجود لو حبيتي، ومش موجود لو مش جاهزة”، وده كان أكبر دليل على نضجه، وعلى إن المرة دي أنا اللي باختار، مش بتمسك في أول فرصة تهربني من الوحدة، اتكلمنا كتير، عن كل حاجة، عن الماضي بدون تجميل، عن خوفي، عن حدودي، عن اللي مش هقبل بيه تاني مهما كان، وهو سمع، استوعب، وما حاولش يغيرني، بالعكس، كان بيأكدلي إن حقي أكون حذرة، وإن حقي أرفض، وإن حقي أبطّأ، وفي اللحظة دي بس فهمت الفرق بين حب بيخنقك…

وحب بيديك مساحة تتنفس، ومع الوقت، لقيت نفسي بضحك من قلبي، مش ضحكة مجاملة، ولا ضحكة علشان أبان قوية، لكن ضحكة طالعة من جوايا، وده كان أغلى إحساس رجعلي، وفي يوم، قررت آخد خطوة… مش لأن حد مستني، ولا علشان ألحق سن، ولا علشان أرضي حد، لكن لأن أنا فعلًا حابة أعيش، وافقت نكمل الطريق سوا، بهدوء، من غير استعجال، من غير وعود كبيرة، بس باتفاق واحد: الصراحة، والاحترام، ومافيش ستر على غلط، ومافيش كدب مهما كان، يوم كتب الكتاب كان مختلف تمامًا عن أول مرة، ماكنتش خايفة، ماكنتش مرتبكة، ماكنتش بحاول أبان مثالية، كنت أنا…

بكل اللي مريت بيه، بكل قوتي وضعفي، وهو كان شايف ده كله وقابله، وماما كانت واقفة جنبي، عينيها مليانة دموع فرح مش قلق، لأول مرة تحس إن بنتها في أمان بجد، مش في وهم، وبعد ما خلصنا، خرجت برا، نفس الإحساس اللي حسيت بيه يوم ما خرجت من قاعة الفرح القديم، بس المرة دي الفرق كبير، ساعتها كنت بخرج وأنا بهرب…

النهاردة أنا بخرج وأنا باختار، الليل كان هادي، والهوا خفيف، وقفت لحظة وبصيت للسما، وافتكرت كل حاجة، أول ليلة، أول دمعة، أول كذبة، أول مواجهة، يوم الفضيحة، يوم ما مشيت، كل فصل في حكايتي كان سبب إني أوصل للي أنا فيه دلوقتي، وما ندمتش على ولا لحظة، حتى الوجع، لأنه علمني، لأن كل مرة اتكسرت فيها، كنت ببني نفسي من جديد بشكل أحسن، أقوى، أصدق، وفي آخر اليوم، وأنا قاعدة لوحدي قبل ما أنام، مسكت ورقة وقلم، وكتبت جملة واحدة بس: “أنا نجيت… ومش بس كده، أنا عشت”، ابتسمت، وطفيت النور، وأنا عارفة إن بكرة مش بداية حكاية حب مع حد…

لكن بداية حكاية حب مع نفسي قبل أي حد، ولو في حد بيسأل النهاية كانت إيه؟ فهي ببساطة… إن البنت اللي كانت بتستحمل وتسكت علشان “الستر”… بقت ست بتعرف تختار نفسها، ومابتخافش تقول الحقيقة، ومابتسمحش لحد يكسرها تاني، ودي كانت النهاية… أو يمكن دي كانت أول بداية بجد.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
26