ابنـي الكبيـر تـوفى… لكـن لـما رحـت أستـلم ابنـي الصـغير من الحـضانة، قـال لـي:
“ماما… أخويا جه شافني!”
ابني الكبير، آدم، مات في حادثة عربية من ست شهور.
كان عنده 8 سنين… كان رايح التمرين بتاع الكورة مع أبوه، وفجأة عربية نقل خبطتهم.
جوزي عاش… لكن ابني لا.
في الوقت ده، كنت مكسورة لدرجة إن الدكاترة ما سمحوليش حتى أشوفه أو أودعه… كانوا خايفين حالتي النفسية تنهار أكتر.
حياتي وقفت… كنت حاسة إني مش عارفة أتنفس.
بس علشان ابني الصغير وجوزي… حاولت أقف على رجلي تاني.
ابني الصغير، يوسف، كان لسه راجع الحضانة بالعافية بعد اللي حصل…
وكنت بخاف عليه بشكل مش طبيعي… كأني ممكن أخسره في أي لحظة.
في يوم، وأنا بروح آخده من الحضانة… جري عليّ وهو مبتسم وقال:
“ماما… آدم جه شافني. وقالك تبطلي عياط.”
وقتها قلبي اتكسر أكتر…
أنا عارفة إن كل طفل بيتعامل مع الحزن بطريقته… فابتسمت له بالعافية ومشينا.
تاني يوم، وكان سبت… أخدته نزور قبر آدم.
وأنا بحط الورد… لقيت يوسف واقف مكانه ومش بيتحرك.
سألته:
“مالك يا حبيبي؟ إحنا جايين نزور أخوك.”
بص للأرض وقال بصوت واطي:
“بس يا ماما… آدم مش هنا…”
ماحبتش أخوفه… فمشينا، وقلت لنفسي إن الأطفال بيقولوا حاجات غريبة لما بيبقوا زعلانين.
لكن يوم الاثنين… لما رجعت آخده من الحضانة… قال لي إنه كلم آدم تاني.
قلقت… وسألته:
“طيب يا يوسف، قالك إيه بالظبط؟”
واضح إنه مش عايز يتكلم… وقال بهمس:
“ده سر… آدم قال لي ما أقولش لحد.”
وقتها بدأت أخاف بجد…
هو في حد بيقابل ابني في الحضانة؟! إيه اللي بيحصل؟
رحت فورًا لمديرة الحضانة… وطلبت أشوف كاميرات المراقبة.
شغلت الفيديو… حكـايات أسمـا السيـد
ووقتها… كنت هقع من طولي من اللي شفته على الشاشة… 😨🔥لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
شغلت الفيديو وأنا واقفة قدام الشاشة وإيدي ساقعة وقلبي بيدق بسرعة لدرجة إني كنت سامعة صوته في ودني
مديرة الحضانة كانت قاعدة جنبي وبتبصلي بنظرة فيها قلق وفضول
المربية كمان وقفت وراها وساكتة
يوسف كان قاعد على كرسي صغير في الركن وحاضن شنطته وبيبصلي كأنه حاسس إن في حاجة كبيرة بتحصل
الصورة في الأول كانت عادية جدًا
الأطفال بيلعبوا في الفناء
واحد بيجري ورا كورة
بنت صغيرة قاعدة ترسم بالطباشير
يوسف كان واقف لوحده جنب السور الداخلي ماسك عربية لعبة
وبعدين لقيته فجأة رفع راسه وبص لناحية بوابة جانبية مش المفروض أصلًا الأطفال يقربوا منها
وقتها حسيت جسمي كله شد
لأن مفيش حد كان واضح داخل الكادر من الناحية دي
لكن يوسف ابتسم
ابتسامة واسعة
نفس الابتسامة اللي كان بيعملها زمان لما آدم يرجع من المدرسة ويفاجئه بشيكولاتة أو لعبة صغيرة
وبعدين شفته يسيب العربية من إيده ويجري
يجري ناحية البوابة
ويقف قدام حاجة مش ظاهرة في الكاميرا
مديرة الحضانة قالت بسرعة
هو بيكلم مين
ما رديتش
لأن نفسي كان محبوس
يوسف كان واقف ورافع وشه لفوق كأنه فعلاً بيتكلم مع حد أطول منه
وبيومئ براسه
ويضحك
ويحرك إيده
وفي لحظة مد إيده لقدام
كأنه بيحط إيده في إيد حد
أنا حسيت الدنيا كلها بتلف
وقلت بصوت مبحوح
رجعي الفيديو
رجعته
وشوفته تاني
نفس المشهد
نفس المكان
نفس الابتسامة
نفس الحركة
لكن مافيش حد ظاهر
ولا طفل
ولا مربية
ولا زائر
ولا حتى خيال
بس يوسف كان بيتصرف كأن في شخص واقف قدامه بوضوح كامل
مديرة الحضانة قالت وهي بتحاول تفسر
يمكن حد واقف بره زاوية الكاميرا
قلت بعصبية وخوف
طب افتحي كاميرا تانية
فتحت كاميرا تانية بتغطي نفس الفناء من زاوية أوسع
وبصينا
والمرادي ظهر جزء من البوابة الجانبية
ظهرت الممرات
ظهرت الزرع
ظهرت السور
لكن ما ظهرش أي بني آدم
ولا أي شخص دخل من بره
ومع ذلك يوسف كان واقف في نقطة ثابتة بيتكلم
ويضحك
ويهز راسه
وفي آخر المشهد
رفع إيده الصغيرة لفوق
كأنه بيودع
أنا ما قدرتش أتنفس
مسكت طرف الترابيزة بإيدي لحد ما صوابعي وجعتني
وبصيت ليوسف
كان باصص للأرض وساكت
قربت منه على ركبتي وقلت
يوسف
يا حبيبي
إنت كنت بتكلم مين
رفع عينه فيا ببطء
وعلى وشه تعبير أنا عمري ما شوفته على طفل عنده أربع سنين
تعبير هدوء غريب
وقال
آدم
قلت وأنا بحاول أتماسك
آدم فين
قال
كان واقف هنا
وشاور لنفس المكان اللي في الشاشة
قلت
إنت متأكد إن مافيش حد تاني
قال
لا
هو آدم
بس كان لابس هدوم بيضا
ومبسوط
وقال لي ما أخافش
مديرة الحضانة بصتلي بسرعة
واضح إنها مش عارفة تقول إيه
وأنا كمان
كنت بين حاجتين
يا إما ابني بيتخيل
وده طبيعي بعد الصدمة
يا إما في حد فعلاً بيقابله وبيفهمه حاجات بطريقة مخيفة
لكن الكاميرات ما أظهرتش أي حد
ولا دخل حد
ولا خرج حد
خدت يوسف وخرجت
طول الطريق وأنا سايقة كنت كل شوية أبصله في المراية
هو كان هادي بشكل غريب
مش زي الأيام اللي فاتت لما يكون مزعوج أو متوتر
كان حاطط العربية اللعبة في حضنه وبيبص من الشباك
وفي مرة قال من غير ما يبصلي
ماما
إنتي ليه زعلانة
قلت
عشان أنا خايفة عليك
قال
بس آدم قال لي إنتي لازم تبطلي خوف
هو قال إنك بتوجعي قلبك
وقفت العربية جنب الرصيف مرة واحدة
مش لأن الطريق خطر
لكن لأن الجملة دي دخلت فيا زي السكين
بتوجعي قلبك
دي نفس الجملة اللي أمي قالتها لي من شهر تقريبًا وهي بتحاول تواسيني وأنا منهارة
قالتلي وقتها
يا بنتي كفاية على قلبك
إنتي بتوجعيه
يوسف ما كانش موجود لما قالتها
كان نايم في أوضة تانية
يعني عرفها إزاي
بصيتله وقلت
آدم قالك كده بالحرف
هز راسه
وقال
وقال كمان إنك كل ليلة بتفتحي الدولاب وتعيطي في التيشيرت الأحمر بتاعه
إوعي تعيطي فيه تاني علشان هو عايزه يفضل حلو
أنا حسيت إيدي بتترعش على الدريكسيون
لأن محدش
محدش في الدنيا كلها يعرف إني كل ليلة بعد ما بنام الناس بقفل على نفسي أوضة آدم وأفتح الدولاب وأطلع التيشيرت الأحمر بتاع آخر ماتش لعبه قبل الحادث وأحضنه وأعيط
حتى جوزي ما يعرفش
أنا كنت بعمل كده في السر
بعد ما ينام
بعد ما البيت يهدى
بعد ما أخلص تمثيل إني قوية
يوسف كان لسه بيتكلم بهدوء
وقال
هو قال لي ما أقولش علشان إنتي هتخافي
بس أنا زعلت علشان إنتي بتعيطي كتير
فأنا قلتلك
رجعت البيت وأنا متلخبطة أكتر من أي وقت فات
أول ما دخلت
جوزي كان في الصالة
من ساعة الحادث وهو اتغير
بقى أهدى
أصمت
وكأنه عايش بنص روح
رجله كانت لسه بتوجعه أوقات
وعنده أثر جرح طويل على ذراعه
كل مرة أشوفه أفتكر إنه كان موجود مع آدم في العربية
كل مرة أبصله قلبي يتقطع عليه وأزعل منه في نفس الوقت
أزعل لأنه عاش
وأكره نفسي على الإحساس ده بعدها
ثم أرجع أبكي في الحمام عشان ماحدش يشوفني
قال أول ما شافني
إنتي اتأخرتي
وأنا كنت هرد عادي
لكن اللي حصل في الحضانة كان خانقني
فقلت مباشرة
يوسف قال لي إنه شاف آدم في الحضانة
جوزي بص ليوسف وبعدين بصلي
وقلت بسرعة
وشوفنا الكاميرات
كان واقف بيتكلم مع حد
بس ماكانش في حد ظاهر
سكت شوية
وبعدين قال
يمكن بيتخيل
قلت
لا
هو قال حاجات محدش يعرفها
قالي على التيشيرت الأحمر
قالي على كلام أمي
قالي حاجات ما ينفعش يعرفها
وشه شحب
لكنه حاول يبان ثابت
وقال
الأطفال بيلتقطوا حاجات كتير
يمكن شافك
يمكن سمعك
قلت بانفعال
ماكانش موجود
يا سامر أنا متأكدة
متأكدة
هو عرف إزاي
إزاي
يوسف سابنا ودخل أوضته بهدوء
وسامر قعد على الكنبة وحط إيده على راسه
وقال بصوت واطي
أنا مش عايز أدخل في الحاجات دي
قلت
يعني إيه
قال
يعني أنا مش قادر
أنا كل يوم بصحى وأفتكر إن ابني مات وأنا كنت جنبه ومقدرتش أنقذه
فبلاش نفتح أبواب مالهاش تفسير
قعدت قدامه
وقلت
وأنا كمان مقدرتش أودعه
ما شفتوش
ما لمستوش
ما قلتلوش باي
ويمكن علشان كده أنا بتجنن دلوقتي
أنا محتاجة أفهم
لو يوسف بيتخيل يبقى لازم نلحقه
ولو في حاجة تانية
فأنا برضه لازم أعرف
سامر ما ردش
لكنه كان مرهق
مكسور
وبينّا جدار من وجع بقاله ست شهور بيكبر كل يوم
أنا حزني كان صراخ وبكاء وهستيريا
وهو حزنه كان صمت وحجر
وأوقات كنت بحس إننا بقينا بنبص لبعض كأن كل واحد شايل التاني ذنب اللي حصل
من غير ما حد ينطق
في الليلة دي
بعد ما يوسف نام
دخلت أوضة آدم
لكن ما فتحتش الدولاب
وقفت بس أبص لكل حاجة
السرير المرتب
المصحف الصغير اللي كانت جدته جايباهوله
الميداليات المعلقة
الكورة القديمة
وحذاؤه الصغير اللي كان دايمًا يرميه في أي مكان
قعدت على الأرض وسندت ضهري على السرير
وقلت في الهوا
لو إنت فعلًا بتظهر لأخوك
ليه
ليه له هو
ليه مش لي أنا
أنا أمك
أنا اللي هموت عشان أشوفك دقيقة
دقيقة واحدة بس
طبعًا ماحدش رد
لكن الغريب إن قلبي ساعتها وجع بشكل هادي
مش بنفس الجنون المعتاد
كأن مجرد الكلام طلع حاجة تقيلة من صدري
اليوم اللي بعده صحيت على صوت يوسف بينادي
رحتله بسرعة
لقيته قاعد على السرير وباصص ناحية الركن
قلت
مالك
قال
آدم كان هنا
قلت وأنا بحاول أثبت صوتي
دلوقتي
قال
أيوه
كان بيلعب بالعربية بتاعتي وقال لي النهارده ما أزعلش علشان في مفاجأة
المفاجأة
الكلمة خلتني أتوتر
قلت
مفاجأة إيه
هز كتفه
وقال
ماعرفش
هو قال استنى
أنا كنت حاسة إني على حافة انهيار كامل
اقترحت على سامر إننا ناخد يوسف لدكتور نفسي أطفال
وافق فورًا
يمكن لأنه كان نفسه نسمع تفسير طبي
حجزنا مع دكتورة اسمها داليا كانت مشهورة جدًا في التعامل مع الأطفال اللي مروا بصدمات وفقد
في العيادة
يوسف في الأول كان ساكت
وبعدين واحدة واحدة بدأ يرسم
رسم بيت
وشجرتين
وولد صغير
وولد أكبر منه شوية
واقفين ماسكين إيد بعض
والولد الكبير عنده جناحين
أنا لما شفت الرسمة حسيت دموعي قربت تنزل
لكن الدكتورة فضلت هادية
وسألته
ده مين
قال
أنا وآدم
قالت
آدم فين
قال
بيروح وييجي
هو دلوقتي فوق شوية
بس بيعرف ينزل لما يحب
قالت
وبيكلمك في إيه
قال
بيقول لي ما أخافش من العربية الكبيرة
ويقول لي ماما لازم تضحك
ويقول لي بابا مش ذنبه
الجملة الأخيرة خلت سامر يرفع راسه بسرعة
وبص في يوسف بصدمة
وأنا كذلك
الدكتورة سألت
بابا مش ذنبه يعني إيه يا يوسف
قال
يعني بابا كل يوم بيقول جوه قلبه أنا السبب
وآدم قال لي أقول له لا
مش إنت
أنا بصيت لسامر
ولقيت عينيه اتمتلوا دموع لأول مرة من يوم الحادث
من يومها وهو ما بكيش قدامي
ولا حتى في الجنازة
كان واقف زي التمثال
لكن دلوقتي
الكلمة دي هدت فيه حاجة
أو كسرت حاجة
مش عارفة
بعد الجلسة
الدكتورة طلبت تتكلم معانا لوحدنا
قالت
في الأطفال بعد الفقد بيحصل أحيانًا ما يسمى بالاستمرار العلاقي
وده معناه إن الطفل بيحافظ على علاقة نفسية مع الشخص اللي فقده
وبيتحول ده أحيانًا لحوارات وتخيلات محسوسة جدًا
خصوصًا لو العلاقة بينهم كانت قوية
وده مش بالضرورة مرض
ولا ذهان
لكن لازم نتابع
قلت بسرعة
بس هو قال حاجات ما يعرفهاش
قالت
مخ الأطفال أذكى وأعمق مما نتخيل
ممكن يلاحظ أشياء من غير ما ناخد بالنا
وممكن يربط بينها
وممكن كذلك يكون بيعبر عن أشياء إنتوا نفسكم مش ملاحظين إنكم سربتوها
أما لو الأمر زاد أو بدأ يأثر على نومه أو أكله أو واقعه لازم نتدخل أكتر
لكن حاليًا أنا شايفاه طفل حزين وبيحاول يفهم الموت بطريقته
خرجنا من عندها ومعانا تفسير منطقي
لكن قلبي ما هديش
لأن في فرق بين إن طفل يتخيل أخوه
وبين إنه يعرف سر الدولاب والتيشيرت الأحمر وجملة ماحدش سمعها
كان فيه دايمًا جزء ناقص
بعد يومين
كانت ليلة ممطرة جدًا
المطر كان بينزل على الشباك بنفس الصوت اللي بحسه من يوم موت آدم كأنه إنذار
يوسف كان نايم بدري
وسامر قاعد في البلكونة ساكت
وأنا في المطبخ بعمل شاي
فجأة نور الصالة طفى ورجع
والبيت كله سكت لحظة
وبعدين سمعت صوت كورة بتتدحرج على الأرض
وقفت مكاني
الشاي في إيدي
القلب في حلقي
الصوت كان جاي من أوضة آدم
مشيت ناحية الأوضة ببطء
وفتحت الباب
ولقيت الكورة الصغيرة بتاعته
الكورة الإسفنج اللي كان دايمًا يلعب بيها جوه البيت
طالعة من تحت السرير وواقفة في نص الأوضة
أنا كنت متأكدة
متأكدة إنها ماكنتش هناك
لأنني دخلت الأوضة الصبح ونضفتها بنفسي
وقتها ما حسيتش برعب زي أفلام الرعب
لا
حسيت بحاجة أعمق
حاجة بتخلط الفزع بالشوق
وقلت من غير ما أفكر
آدم
ولا صوت
لكن الدموع نزلت
دخلت الأوضة وقعدت على الأرض وخدت الكورة في حضني
وكانت ساقعة
رحت لسامر وأنا منهارة
قلتله
الكورة طلعت من تحت السرير
كان باصصلي كأنه مش عايز يصدقني
لكن ما سخرش
ولا قال خرافات
بس قام معايا وشاف الأوضة
والكورة
وسكت
في الليلة دي
ولأول مرة من الحادث
سامر نام جنبي وهو باكي
بصوت مكتوم
كان مخبي وشه في المخدة
وبيكرر
أنا كنت سايق على مهلي
والله كنت سايق على مهلي
هو اللي دخل فينا
أنا كنت ماسكه
كنت ماسكه
لكن إيدي ما لحقتش
حضنته
وقعدنا نبكي الاتنين
ويمكن دي كانت أول ليلة نحزن فيها سوا بدل ما كل واحد يحزن لوحده
وأول مرة أحس إنه مش لازم أبقى قوية قدامه ولا هو لازم يبقى صخرة قدامي
كأن كلمة يوسف
بابا مش ذنبه
فتحت باب كان مقفول بينا
اليوم اللي بعده
صحيت على يوسف داخل أوضتنا
وقال
المفاجأة حصلت
بصيتله بسرعة
قال
آدم قال لي النهارده هنروح مكانه الحقيقي
قلت
مكانه الحقيقي يعني إيه
قال
المكان اللي إنتي ما رحتيهوش
المكان اللي بابا راح لوحده
وهنا سامر اتجمد
قعد على السرير وقال
يوسف
مين قالك الجملة دي
قال
آدم
وشاور لفوق
أنا بصيت لسامر
وشوفت الذعر الحقيقي في عينه لأول مرة
قلت بسرعة
إيه المكان ده
قال بصوت مكسور
المشرحة
أنا كنت ناسية أنفاسي
لأن فعلًا
أنا ما شفتش آدم بعد الحادث
الدكاترة منعوني
وأهلي وافقوا
وسامر هو اللي راح وحده عشان يتعرف على الجثمان
ومن يومها عمرنا ما اتكلمنا بالتفصيل
أنا ما سألتش
وهو ما قالش
كأن بيننا اتفاق صامت إن في باب لازم يفضل مقفول
لكن يوسف
إزاي عرف
قلت لسامر وأنا حاسة إني هقع
إنت قلتله
قال فورًا
والله ما قلت
ولا عمري حتى نطقت الكلمة قدامه
يوسف كان واقف يبصلنا ومش فاهم ليه إحنا مرعوبين
وقال بهدوء الطفل البريء
آدم قال لازم ماما تعرف إنه كان نايم
ووشه كان هادي
وماكانش زعلان
أنا انهرت
بكل ما في الكلمة من معنى
وقعت على السرير وأنا بعيط كأني بفقده من جديد
لأن دي كانت أكتر حاجة قاتلاني
إني ما أعرفش آخر شكل له
آخر لحظة
آخر سلام
هل اتوجع
هل خاف
هل كان لوحده
والدلوقتي
من فم أخوه الصغير
بتيجي إجابة عمري ما طلبتها بصوت
لكني كنت بموت علشان أعرفها
يوسف قرب مني ولمس وشي وقال
ما تعيطيش
هو كان نايم
وقال لي أقولهالك كده
بعدها أنا طلبت من سامر يقولي كل حاجة
كل حاجة بالتفصيل
قعدنا في الصالة بعد ما يوسف نام
وسامر بدأ يحكي وهو بيرتعش
قال إن لما راح المشرحة كان حاسس إنه بيدخل جهنم
وإنه لما شاف آدم
كان وشه هادي فعلًا بشكل غريب
كأن طفل نايم
وكان في خدش صغير فوق حاجبه
بس مافيش الدم والكسور البشعة اللي كان مرعوب منها
قال إنه قرب وباس راسه وقال له سامحني
وإنه من يومها عايش في عذاب لأنه افتكر إن يمكن آدم سمعه
ويمكن كان لسه حاسس بحاجة
ويمكن مات وهو خايف
قعدت أسمعه وأنا ببكي
لكن للمرة الأولى
بكاء أقل عنفًا
لأن الصورة اللي اتكونت في خيالي طول ست شهور كانت أبشع بكتير
وأهو دلوقتي
سواء من كلام يوسف
أو من اعتراف سامر
أو من رحمة ربنا
بدأت الصورة تلين
بعدها بكم يوم
يوسف بطل يتكلم عن آدم يوميًا
لكن بقى أهدى
ينام أفضل
ويضحك أكتر
وأحيانًا يبص ناحية ركن في البيت ويبتسم بس
من غير كلام
وأنا ما بقيتش أسأله كتير
لأني حسيت إن السؤال نفسه بيشد الحضور أو الخيال أو الذكرى
مش مهم الاسم
المهم إن ابني محتاج سلام
في يوم الجمعة
قررت أروح الحضانة بدري شوية
وقبل ما أخد يوسف وقفت في الفناء لوحدي
بصيت لنفس المكان اللي كان واقف فيه في الكاميرا
مكان عادي جدًا
جنب البوابة الجانبية
فيه ظل شجرة
وسور أبيض
وصوت أطفال بعيد
وقفت هناك وقلت بهمس
لو كنت هنا فعلًا
شكرًا
ولو ده كله من خيال يوسف
فشكرًا برضه
لأنك وصلتني
مافيش حاجة حصلت
مافيش نور نزل من السما
ولا همسة
ولا حركة
لكن قلبي ارتاح لحظة قصيرة
بعدها بأسبوع
وأنا برتب دولاب آدم لأول مرة من يوم الحادث
لقيت جوه جيب الجاكيت الشتوي بتاعه ورقة صغيرة مطوية
فتحتها
كانت من نوع الورق اللي بيكتبوا عليه في المدرسة
وعليها بخط طفل متعوج
مكتوب
ماما متعيطيش
أنا هكسب الماتش الجاي علشانك
آدم
أنا ضحكت وبكيت في نفس اللحظة
وقعدت على الأرض بالورقة في إيدي
لأن الرسالة دي كانت قديمة أكيد
يمكن كتبها قبل الحادث بأيام
يمكن حطها في جيبه ونسيها
لكن التوقيت اللي لقيتها فيه
بعد كل اللي سمعته
خلاني أحس إنها وصلتني لما كان لازم توصل
مش لما اتكتبت
وريت الورقة لسامر
فضل ماسكها طويل
وبعدين باسها وحطها على صدره
وقالي
يمكن ربنا رحمنا بيوسف
قلت
أيوه
يمكن
قال
أو يمكن آدم فعلًا كان بيحاول يوصل
قلتله وأنا باصة للورقة
أنا مش عارفة
ومش متأكدة إني محتاجة أعرف
يمكن في حاجات أحسن تفضل بين السما والأرض
مرت الأيام
وبدأت الحياة ترجع بشكل بطيء
مش ترجع زي الأول
مستحيل
في حاجات لما تنكسر عمرها ما ترجع زي ما كانت
لكن ممكن تتلصق بطريقة جديدة
فيها شقوق
آه
لكن تمسك نفسها
أنا بطلت أدخل أوضة آدم كل ليلة عشان أنهار
وبقيت أدخل أحيانًا عشان أرتب حاجة أو أقرا الفاتحة أو أحكي له عن يومنا
يوسف بقى يرسمه أقل
لكن لما يرسمه
بيرسمه مبتسم
وسامر بطل يقوم من النوم مفزوع كل ليلة
مش تمام
لكن أقل
وفي جلسة تانية مع الدكتورة داليا
قالت لي جملة فضلت في بالي
قالت
أحيانًا مش مهم إذا كانت الرؤية حقيقية أو نفسية
المهم هي عملت إيه في قلب الطفل وفي قلبك
لو جابت طمأنينة وخفت عنها وطأة الفقد
فده في حد ذاته نوع من الرحمة
وأنا خرجت من عندها والجملة دي لازقة جوايا
نوع من الرحمة
آه
يمكن ده بالضبط اللي حصل
بعد شهرين تقريبًا
رحنا كلنا نزور قبر آدم تاني
المرة دي أنا وسامر ويوسف
كنت خايفة يوسف يقول نفس جملته
آدم مش هنا
لكن اللي حصل كان مختلف
يوسف حط وردة صغيرة على القبر
وبص لفوق السما وقال
خلاص يا آدم
إحنا كويسين
وبعدين مسك إيدي وإيد أبوه
أنا بصيت لسامر
وهو بصلي
وفي اللحظة دي فهمنا من غير كلام
إن مهما كان اللي حصل
حقيقة
خيال
رسالة
رحمة
حلم مفتوح والعين صاحي
فهو أدى دوره
وصل الرسالة
وساب لنا الباقي
وأنا راجعة من المقابر
افتكرت أول يوم يوسف قالي فيه
أخويا جه شافني
وقتها حسيت إن الجملة هتقتلني
دلوقتي
لأ
دلوقتي بقيت أحس إنها سترتني
كأن ابني الكبير ما سابناش نغرق في الذنب والغموض لوحدنا
سواء كان بروحه
أو بذكره
أو بحب أخوه له
أو برحمة ربنا اللي وسعت وجعنا كلنا
وفي ليلة هادية بعد كده
كنت نايمة وصحيت على صوت خفيف
مش صوت مرعب
مجرد خبطة كأن لعبة وقعت
قمت لقيت العربية اللعبة بتاعة يوسف عند باب أوضتي
والبيت كله نايم
ابتسمت
شلتها من الأرض
وحطيتها على الكومود
وقلت بصوت واطي
تصبح على خير يا حبيبي
وسواء كنت بكلم يوسف
ولا آدم
ولا الاتنين
أنا نفسي ما بقيتش فارقة معايا
لأن اللي كنت محتاجاه فعلًا
هو إني أقدر أقول الكلمة دي من غير ما أموت بعدها
يمكن الناس لو سمعت حكايتي هتقول الطفل كان بيتخيل
أو هتقول دي روح ابنك فعلًا
أو هتقول الحزن بيخلق أوهام
أو المعجزات بتحصل
لكن أنا بعد كل اللي عديت بيه
وصلت لحاجة واحدة بس
إن الأم لما قلبها بيتكسر
ربنا أحيانًا يبعثلها طبطبة بطرق ما تتفهمش
مرة على لسان طفل
مرة في كاميرا ما صورتش غير الفراغ
مرة في جملة محدش كان يعرفها
مرة في ورقة قديمة جوه جيب جاكيت
ومرة في حلم مفتوح وإنتي صاحي
آدم ما رجعش
ودي الحقيقة اللي ما بتتغيرش
سريره لسه فاضي
مكانه على السفرة لسه ناقص
صوته وهو بيجري في الطرقة لسه سايب صدى في البيت
لكن كمان الحقيقة التانية
إنه ما اختفاش تمامًا
فضل فينا
في يوسف لما يبتسم ابتسامته
في أبوه لما أخيرًا سامح نفسه شوية
وفي قلبي أنا لما بطلت أبكي كأني بخونه لو سكت
وتعلمت إن الحب ما بينتهيش بالموت
هو بس بيغير شكله
وفي يوم وأنا بسرح شعر يوسف قبل الحضانة
فجأة سألني
ماما
هو آدم لسه بيشوفنا
وقفت إيدي لحظة
وبعدين قلت
أيوه يا حبيبي
أنا مؤمنة إنه بيشوفنا
قال
طب حلو
عشان أنا عايزه يشوفني وأنا بكبر
بلعت الدموع وقلت
وهيفرح بيك كمان
قال وهو مبتسم
وأنتي كمان تبطلي عياط خالص
علشان هو بيزعل
ضحكت
ضحكة طالعة من وجع قديم لكن فيها نور
وقلت
حاضر
هحاول
ومن ساعتها
كل ما الوجع ييجي يمسكني من رقبتي
وكل ما أدخل أوضة آدم وأشم ريحته في هدومه
وكل ما المطر ينزل فأفتكر الليلة السودا دي
أفتكر كمان يوسف
واقف في فناء الحضانة
مبتسم
وبيكلم فراغ ما ظهرش في الكاميرا
لكن سيب أثره فينا كلنا
وأقول لنفسي
يمكن فعلًا ما شفتش حاجة على الشاشة
لكن أنا شفت بعدها بعيني حاجات أهم
شفت جوزي وهو بيرجع من حافة الذنب
وشفت ابني الصغير وهو بيتصالح مع الفقد
وشفت نفسي وأنا بقوم من تحت الركام
وشفت إن الرحمة ساعات ما بتظهرش في وضوح
لكن بتحصل
وتغير كل شيء
يمكن آدم جه
ويمكن لا
لكن اللي أنا متأكدة منه
إن رسالته وصلت
تبطل عياط
بابا مش ذنبه
وأنا مش هنا
أنا فوق شوية
بس مبسوط
ومن يومها
كل ما أبص للسما
ما بقولش ليه سبتني
بقيت أقول وصلت يا حبيبي…وصلت