أنا جبت لأبويا وأمي فيلا بـ ٦٥٠ ألف دولار على البحر هدية في عيد جوازهم الأربعين. بعد كام شهر بس، أمي كلمتني وهي بتعيط — جوز أختي غيّر الكالون، وعرض البيت للإيجار، وقال لأبويا:
“اطلع بره… ده مش بيتك.”
أختي قالت إني مكبر الموضوع.
ماكانوش فاهمين هم غلطانين قد إيه.
“اطلع بره.”
صوت جوز أختي قطع هدوء الصبح.
وقف أبويا، الحاج حسن عبدالسلام، متسمر عند باب الفيلا اللي على البحر — الفيلا اللي أنا جايبهاله بإيدي. إيد ماسكة الأوكرة النحاس، والتانية شايلة كيس صغير فيه طلبات البيت. وراه البحر بيخبط في الصخور، والموج عالي، والجو مغيم… المفروض يبقى هدوء وراحة.
بس بدل كده… كل حاجة كانت بتنهار.
قال كريم الجندي تاني، بصوت أعلى:
“قلتلك… ده مش بيتك. مش كل شوية تيجي داخل كأنك صاحبه.”
أمي، الحاجة فاطمة، كانت واقفة بره لابسة شبشب وبلوفر خفيف، ودموعها نازلة على خدها. لما كلمتني، صوتها كان بيترعش لدرجة إني بالعافية فهمتها.
“يا محمد… تعالى بسرعة. غيّر الكالون.”
كنت وقتها في القاهرة.
بعد أقل من ساعة، وصلت بالعربية قدام الفيلا، والكوتش بيزق الزلط. لقيت كريم واقف في البلكونة، رابط دراعاته، والمفاتيح بتترج في إيده كأنه صاحب المكان. وأختي، سلمى، واقفة وراه — وشها شاحب ومش قادرة تبصلي في عيني.
المنظر ضـ,ـربني زي القلم.
حكايات رومانى مكرم
من كام شهر بس، كنت مفاجئ أبويا وأمي بالفيلا دي — بيت صغير على البحر في الساحل. سلمتهم العقود في ظرف شيك كده وقت عيد جوازهم.
ماكانتش حاجة مؤقتة.
ولا استثمار.
دي كانت بتاعتهم هم.
بعد سنين تعب — أبويا شقى طول عمره، وأمي كانت بتحوش كل جنيه — كنت عايزهم أخيرًا يرتاحوا.
ودلوقتي؟
شنطهم مرمية بره كأنهم مترميين في الشارع.
قلت:
“إيه اللي بيحصل هنا؟”
ابتسم كريم ابتسامة مستفزة وقال:
“كويس إنك جيت. يلا نحل الموضوع.”
أبويا كان باين عليه كبر فجأة… قال بصوت واطي:
“بيقول إنه من حقه يقعد هنا.”
اتجننت:
“حق؟! حق إيه؟ على أساس إيه؟!”
طلع كريم ملف من تحت دراعه وقال:
“أنا وسلمى بنتصرف. أهلك كبروا في السن. الصيانة والضرايب والمسؤوليات كتير عليهم. فقررنا نأجر المكان فترة… ده أحسن قرار مادي.”
قربت منه خطوة.
“قررتوا؟! من إمتى؟”
سلمى اتكلمت أخيرًا، بصوت مهزوز:
“يا محمد، اهدى. إنت مكبر الموضوع أوي.”
بصتلها بقرف:
“أمي بتعيط. أبويا اترمى بره بيته. وإنتي شايفة إن ده عادي؟!”
كريم رفع المفاتيح قدامي وقال:
“أنا بحافظ على الأصل.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
الكلمة دي خبطت في دماغي جامد.
مش بيت.
مش أهل.
فلوس.
وساعتها… أمي قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة:
صوت أمي كان مخنوق بالدموع وهي ماسكة في دراعي، بصت لكريم وقالت بجملة هزت كيان المكان كله:
**”أنا اللي مضيتله يا محمد.. قالي ورقة صيانة وتوكيل عشان يدفع الكهرباء، ومضيت.”**
الدنيا اسودت في عيني. كريم ما اكتفاش بالبجاحة، ده استغل جهل ست كبرت في السن وكسبت ثقتها عشان يسـ,ـرق شقا عمري اللي قدمتهولهم.
ابتسامة كريم وسعت، وطلع ورقة “التوكيل العام” من الملف، وقال ببرود يفرس:
“شوفت؟ الموضوع قانوني تماماً. أنا دلوقتي الوكيل القانوني عن الحاجة فاطمة، وبصفتي دي، قررت إن البيت ده للاستثمار. أهلك ليهم شقتهم القديمة في القاهرة، لكن هنا.. هنا في بزنس.”
أبويا، الحاج حسن، ساب كيس الطلبات من إيده، والعيش وقع على الرمل. بص لسلمى أختي وقالها بكسرة نفس عمري ما شوفتها:
**”بعتيني بكام يا سلمى؟”**
سلمى ارتبكت ووشها جاب ألوان، زعقت فيا وهي بتحاول تداري كسوفها:
“ما تبصلناش كدة! إحنا بنفكر في مصلحتهم! إنت جبتلهم فيلا فوق طاقتهم، ومصاريفها هتاكل معاشهم، إحنا بننقذهم من نفسهم!”
### المواجهة
قربت من كريم لحد ما بقى بيني وبينه سنتيمترات. كنت سامع صوت ضـ,ـربات قلبي من الغل.
“الورقة دي تبلها وتشرب ميتها يا كريم. إنت فاكر إنك شاطر؟ إنت وقعت مع الشخص الغلط.”
كريم ضحك بصوت عالي:
“القانون لا يحمي المغفلين يا محمد. البيت ده هيدخله مستأجر أجنبي بكره الصبح، والعقد اتوقع خلاص. لو لمستني، هطلبلك البوليس بتهمة التعدي على ملكية غيرك.”
بصيت لأبويا وأمي، وقلتلهم بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
**”اركبوا العربية.. مش عايزكم تشوفوا اللي هيحصل دلوقتي.”**
### الخطة البديلة
أمي حاولت تهـ,ـديني: “يا ابني سيبه، المهم إحنا بخير..”
رديت عليها: “يا أمي، اللي يمد إيده على حقكم، كأنه قطع إيدي. اركبي يا ست الكل.”
بمجرد ما قفلوا باب العربية، طلعت موبايلي وطلبت رقم واحد بس. “يا متر.. الورق اللي جهزناه احتياطي الشهر اللي فات؟ وقته جه. ابعتلي قوة التنفيذ والمحضرين على العنوان فوراً.”
كريم وشه بدأ يتغير: “ورق إيه وقوة إيه؟ أنا معايا توكيل!”
ضحكت وسندت ضهري على العربية:
“التوكيل اللي معاك ده يا كريم.. على ‘الأرض’. لكن أنا لما اشتريت الفيلا، سجلت المباني باسم ‘شركة استثمارية’ مملوكة ليا أنا شخصياً، وعملت حق انتفاع لأبويا وأمي مدى الحياة.. عقد مسجل في الشهر العقاري قبل ما أمي تمضي لك بـ ٢٤ ساعة.”
### انهيار الأقنعة
كريم بدأ يعرق، والورق في إيده بدأ يترعش.
“يعني إيه؟”
“يعني يا حيلتها، إنت معاك توكيل يخليك تزرع بقدونس في الجنينة لو الأرض كانت باسم أمي، لكن الحيطان دي، والسقف ده، والعقد اللي إنت مضيته مع المستأجر.. ده تزوير ونصب، وهتتحبس بسببه.”
سلمى بدأت تصرخ: “يا محمد إنت هتحبس جوزي؟ ده أبو ابني!”
بصيت لها بنظرة خالية من أي رحمة:
**”ده اللي رمى أبوكي في الشارع يا سلمى. اللي يرمي الحاج حسن عبد السلام، ملوش عندي خاطر.”**
في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة البوليس بتقرب من بعيد.. والمستأجر الأجنبي اللي كريم مستنيه، طلع هو كمان “طرف” في الكمين اللي كنت مرتبه من أول ما شميت ريحة غدر في تصرفات كريم الشهر اللي فات.
**كريم بص وراه وهو بيحاول يدور على مهرب، بس الحقيقة كانت أوضح من الشمس..**
حكايات رومانى مكرم
كريم أول ما شاف البوكس داخل من بوابة الكومباوند، وشه بقى بلون ملح البحر. حاول يدخل الفيلا ويقفل الباب، بس أنا كنت أسرع منه.. حطيت رجلي وسندت الباب بقوة، وبصيت له وعيني فيها شرر:
“المكان ده مابيدخلوش غير الرجالة يا كريم.. وإنت لسه قدامك كتير.”
الموضوع ماخلصش عند المحضرين. كريم كان مأمن نفسه بـ “بلطجية” مأجرهم على أساس إنهم عمال صيانة، مستخبيين في الجنينة الخلفية. أول ما البوليس بدأ يقرب، طلعوا فجأة ومعاهم شوم وجنازير.
سلمى أختي صرخت واستخبت ورا الشجر، لكن أنا ماكنتش لوحدي. صفرت صرخة واحدة، وطلع من ورا العربيات أربعة من رجالة “الحاج حسن” — ولاد عمامي اللي جم معايا من القاهرة أول ما عرفوا إن في “كبيرة” حصلت في بيت عمهم.
دارت خناقة في الجنينة.. صوت تكسـ,ـير النور، والموج برا بيعلى كأنه بيشجعنا. وقعت واحد من رجالة كريم بضـ,ـربة قوية، والتاني ولاد عمي قاموا بالواجب معاه. كريم لما لقى الكفة طبّت ضدّه، حاول يهرب من سور الفيلا الخلفي اللي بيطل على الصخور والبحر مباشرة.
جريت وراه.. والظلام كان بدأ يحل. كريم كان بيجري وهو بينهج، طلع على الصخور العالية اللي الموج بيخبط فيها بقوة. انزلق ورجله خبطت في صخرة، وقع وكان هيقع في الماية لولا إنه مسك في طرف صخرة مدببة.
وقفت فوقه.. النفس طالع ونازل بصعوبة.
بص لي وهو بيترعش: “لحقني يا محمد.. همـ,ـوت! الماية بتسحبني!”
وقفت أتفرج عليه ببرود لدقيقة كاملة.. دقيقة خلت حياته كلها تمر قدام عينه.
“شوفت الوجع؟ شوفت لما تكون خايف ومحتاج حد يحميك ومالكش حد؟ ده اللي أبويا حسه لما قولتله ‘اطلع برا’.”
مديت له إيدي في آخر لحظة وشديته بقوة، رميته على الرمل زي الشوال تحت رجلين البوليس.
بعد ما البوليس قبض على كريم ورجالته، وبدأوا يفتشوا “الشنطة الدبلوماسية” اللي كانت في إيده، اكتشفنا المصيبة. كريم ماكنش شغال لوحده. لقينا عقود بيع “مضروبة” لأكتر من فيلا في الكومباوند، ومعاهم جواز سفر مزور لكريم باسم تاني، وتذكرة طيران لبلد بعيدة.. الرحلة كانت المفروض بعد ٤ ساعات!
كريم كان ناوي ينهب كل حاجة ويهرب، ويسيب أختي سلمى “لبساه” في القضايا دي كلها لوحدها.
سلمى لما شافت الباسبور المزور، وقعت على ركبها من الصصدة. بصت لأبويا وهي بتعيط: “كان هيسيبني يا بابا.. كان هيسيبني أنا وابنه ويجري بالفلوس!”
أبويا، رغم وجعه، طبطب على كتفها وقال بجمود:
“اللي يخون أصله يا بنتي، سهل عليه يخون عرضه.”
بصيت لكريم وهو بيتحط في الكلبشات وقلت له:
“إنت فاكر إن الحكاية خلصت هنا؟ إنت لسه ماعرفتش مين اللي كان بيساعدك من جوه الكومباوند.. ومين ‘الرأس الكبيرة’ اللي وزّتك علينا.”
كريم بص لي برعب وهو داخل العربية وقال كلمة واحدة:
**”إلحق أبوك يا محمد.. الموضوع أكبر من فيلا.”**
في اللحظة دي، تليفوني رن.. كان رقم غريب، وصوت أجش بيقولي:
“مبروك رجعت الفيلا.. بس ياترى هتعرف ترجع ‘الأمانة’ اللي أبوك مخبيها من ٣٠ سنة؟”