كامله

باقي القصه ومتنسوش اللايك والكومنت ❤✨

جوزي أشرف ساب البيت وقال إنه لازم يقعد عند أمه الحاجة زكية عشان يراعيها بعد الوقعة اللي حصلتلها، وفضل يكرر الكلام ده كل يوم بنفس الصوت المرهق كأنه شايل الدنيا فوق كتافه، وأنا كنت بصدقه من غير ما أسأل كتير، لأن أشرف طول عمره قدامي كان الراجل اللي يعتمد عليه، الراجل اللي يقف جنب الكل حتى لو على حساب نفسه، واللي عمره ما خلاني أشك في نواياه. عدى أسبوع وبعده أسبوع تاني، وبقينا أنا وبنتنا مريم نعيش على المكالمات السريعة اللي كانت بتيجي كل ليلة، وهو يقول إن أمه حالتها مش مستقرة ومحتاجاه جنبها طول الوقت. مريم كانت بتسألني كل شوية هو بابا إمتى هيرجع؟ وأنا كنت أبتسم وأقول لها قريب يا حبيبتي، لما تيتا تبقى أحسن. لكن الحقيقة إن البيت كان ناقصه حاجة كبيرة، والهدوء اللي سابه وراه كان تقيل على القلب.

في يوم الأحد، مريم قالتلي بحماس طفولي يا ماما تيجي نروح نفاجئ بابا؟ أكيد هيفرح لما يشوفنا. الفكرة عجبتني، وقلت لنفسي يمكن الزيارة دي ترجع الدفا اللي كان بينا. اشتريت حواوشي من المحل اللي بيحبه، وجبت بسبوسة سخنة، ومريم رسمت رسمة جميلة لجدتها زكية، فيها شمس كبيرة وبيت وشجرة ومكتوب فوقها سلامتك يا تيتا. ركبنا العربية وطلعنا في زحمة الطريق حوالي أربعين دقيقة لحد بيت العيلة القديم في المنيرة. طول الطريق كنت متخيلة رد فعله لما يفتح الباب ويلاقينا قدامه فجأة، يمكن يضحك ويقول إننا وحشناه. لكن أول ما وصلنا وطلعت على السلم، لاحظت إن باب الشقة موارب.

وقفت لحظة مستغربة. أشرف معروف عنه إنه يقفل الباب كويس حتى لو نازل يرمي القمامة. قربت من الباب، لكن قبل ما ألمسه حسيت بمريم بتشد طرف العباية بتاعتي. بصت لي وهمست ماما.. بصي بس من غير صوت. كانت بتبص من الفتحة الصغيرة بين الباب والحلق. قربت وبصيت أنا كمان.

المشهد اللي شفته خلى الدنيا تسكت جوايا. الحاجة زكية مكنتش تعبانة ولا قاعدة على كرسي زي ما كنت متخيلة، كانت واقفة في الصالة بكامل نشاطها، لابسة طقم أنيق وبتتكلم وتضحك بصوت واضح. حواليها ستات بيحطوا مفارش وورد على الترابيزة، وعلى السفرة كتالوجات أكل وكروكيات لتنظيم الكراسي كأنهم بيجهزوا لمناسبة كبيرة. وأشرف كان واقف بينهم بهدوء، لابس القميص اللي جبتهوله في عيد جوازنا، شكله مرتب ومرتاح.

وفي اللحظة دي سمعت الحاجة زكية بتقول بصوت واضح

أول ما يخلص موضوع الطلا,,ق، شيرين هتيجي تعيش هنا شوية لحد ما نعمل الليلة الكبيرة اللي تليق بينا ده أحسن بكتير.

الاسم وقع في ودني تقيل. وبعدين كملت كلامها وقالت جملة خلت صدري يضيق

أصل هناء عمرها ما كانت مناسبة لعيلتنا.

أنا هناء.

مريم كانت لسه ماسكة إيدي وسألتني بصوت صغير ماما بابا هنا ليه؟

في اللحظة دي كان ممكن أعمل ألف حاجة كان ممكن أخبط الباب، أصر,,خ، أو أواجههم كلهم. لكن بدل ده كله، حصل العكس تمامًا. نزل عليا هدوء غريب جدًا. طلعت موبايلي بهدوء وفتحت الكاميرا وسجلت كل حاجة الأصوات، الكلام، التحضيرات، وكل الوجوه اللي جوه الشقة. وبعد كده سحبت مريم بهدوء ونزلنا السلم من غير ما حد يحس بينا.

طول الطريق للعربية كنت ساكتة. مريم كانت بتبصلي مستغربة وتسألني إحنا مش هندخل؟ ابتسمت لها ابتسامة خفيفة وقلت لأ يا حبيبتي خلينا نرجع البيت دلوقتي.

رجعت البيت، حطيت مريم تنام، وقعدت لوحدي في الصالة أبص للموبايل. الفيديو كان واضح كل كلمة اتقالت فيه كانت دليل كفاية على كل حاجة حصلت. في الصبح، لبست هدومي وروحت لمكتب محامي معروف في منطقتنا. حكيتله كل اللي حصل، وورّيته التسجيل.

المحامي سكت شوية وبعدين قال اللي معاك ده كفاية يغير مجرى القضية بالكامل.

الحكاية أمي تعبانة محتاجة رعاية. وأنا أرد بهدوء وكأن كل حاجة طبيعية.

بعد حوالي أسبوعين، طلبت منه يجي البيت عشان موضوع مهم يخص مريم. جه وهو فاكر إن كل حاجة زي

ما هي. أول ما دخل الصالة لقى المحامي قاعد. استغرب وسأل في إيه؟

المحامي حط قدامه ورق وقال بهدوء دي أوراق الدعوى.

وشه اتغير في لحظة. حاول يتكلم كتير، لكن لما شاف الفيديو اللي كنت مسجلاه سكت.

القضية خدت وقت، لكن في النهاية المحكمة حكمت بالطلا,,ق، وحصلت أنا على حقوقي كاملة وحضانة مريم.

مرت شهور بعد الحكم. حياتنا اتغيرت، لكن الهدوء رجع البيت تاني. مريم بقت تضحك أكتر، وأنا بدأت أرجع لنفسي بالتدريج.

وفي يوم من الأيام، وأنا بعلق رسمة جديدة لمريم على الحيطة، بصت لي وقالت

ماما هو إحنا كده بقينا عيلة صغيرة؟

ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت

إحنا عيلة قوية يا مريم مش صغيرة.

ساعتها فهمت إن اللي حصل ما كانش نهاية حياتي كان بداية جديدة بس. لأن أحيانًا، اللحظة اللي بنكتشف فيها الحقيقة هي نفس اللحظة اللي بنبدأ فيها حياة مختلفة تمامًا.

بعد الحكم، رجع البيت هادي بشكل غريب. الهدوء اللي زمان كان بيخوفني بقى دلوقتي مريح. أنا ومريم بقينا عايشين حياة بسيطة، لكن فيها راحة نفسية ماكنتش حاسة بيها بقالها سنين. في الأول كان صعب مش سهل إن الإنسان يقفل صفحة من عمره عاش فيها سنين طويلة. كل ركن في البيت كان فيه ذكرى، وكل حاجة كنت ببص لها كانت بتفكرني بأيام فاتت. لكن مع الوقت، بدأت أفهم إن الحياة مش بتقف عند حد.

مريم كانت أسرع مني في التأقلم. الأطفال عندهم قدرة عجيبة إنهم يتجاوزوا الألم لو حسوا بالأمان. بقت ترجع من المدرسة وهي تحكيلي عن صحابها،

وعن المدرسين، وعن الرسومات اللي بتعملها في الكراسة. أوقات كنت ألاقيها قاعدة على الأرض في الصالة تبني بيوت من المكعبات، ولما أسألها بتقولي

كنت أبتسم وأنا سامعاها، لكن جوايا كان فيه إحساس إن البنت الصغيرة دي أقوى بكتير مما كنت متخيلة.

في يوم كنت واقفة في المطبخ بعمل الغدا لما سمعت صوت الجرس. فتحت الباب لقيت واحد واقف ماسك ظرف. قال إنه تبع مكتب محاماة وسلمهولي ومشي. قفلت الباب وأنا مستغربة الظرف كان فيه أوراق رسمية.

ماحستش پغضب وماحستش حتى بالحزن. حسيت بشيء غريب أقرب للهدوء. لأن اللي فات خلاص بقى جزء من الماضي.

في اللحظة دي دخلت مريم تجري من أوضتها وهي ماسكة ورقة كبيرة وقالت بحماس

فتحت الورقة كانت رسمة لبيت صغير، وشجرة كبيرة، وأنا وهي واقفين قدام الباب بنضحك. وفوقنا شمس كبيرة.

بصت لي لحظة وبعدين قالت ببساطة

وأنا حاسة إن كل التعب اللي عديت بيه كان يستاهل اللحظة دي. لحظة إن بنتي تبقى مطمئنة، وعارفة إن البيت مش مكان كبير ولا عدد ناس كتير البيت هو الأمان.

مريم كبرت وبقت في المرحلة الإعدادية، وبقت تحب الرسم جدًا. كل حيطان البيت بقت مليانة لوحاتها. في مرة سألتها ليه دايمًا بترسم بيوت وشمس.

وقتها بس فهمت إن اللي حصل زمان ماكسرناش بالعكس، بنانا من جديد.

لو كنت دخلت ساعتها وصړ,,خت، يمكن حياتي كانت هتمشي طريق تاني. لكن اللحظة

اللي اخترت فيها الهدوء كانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة.

علمتني إن القوة مش دايمًا في الصوت العالي

أحيانًا القوة الحقيقية في إنك تمشي بهدوء وتبدأ حياة جديدة من غير ما تبص وراك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
20