حكايات نور محمد 1

أختي سعاد رمت عيالها الأربع على باب بيتي وقالتلي: “ساعة واحدة بس، منى. بالله عليك.” وبعدين اختفت لمدة عشر سنين. ولما رجعت أخيرًا، ما رجعتش ومعاها اعتذار – رجعت ومعاها محامي بيقولي إني اخت_طفت العيال اللي أنا ربّيتهم. كنت قاعدة في قاعة المحكمة أرتجف، لحد ما القاضي سأل: “معاك دليل؟” بصيت في عين أختي وقلت: “أيوه. وأنت هتندم لو شفت اللي معايا.” اسمي منى داوسون، وابتدت أسوأ ليلة في حياتي لما لقيت أربع عيال واقفين على شرفتي، لابسين جاكيتات مختلفة، شايلين أكياس بقالة بدل الشنط.

أختي الكبيرة، سعاد، واقفة وراهم، سيجارة في إيديها ومفتاح العربية في التانية، باين عليها خلاص عايزة تمشي. قالتلي: “ساعة واحدة بس. عندي حاجة أخلصها. هرجع قبل ما تناموا.” أصغرهم، محمود، عنده 3 سنين، منخره سايل ومتعلق بساقها. هنا، الكبيرة عندها 9 سنين، مش بتبصلي في عينيها. التوأم، ليلى وسارة، باين عليهم التعب. الجو كان ساقع، وخدودهم حمرا، ومفيش حد فيهم معاه جاكيت كويس. سألت سعاد: “إيه ده؟ فين حاجاتهم؟” مدت عينها وقالتلي: “منى، بطلي دراما. قلتلك ساعة واحدة.”

كان لازم أوقفها وأسأل وأتصرف، بس ما عملتش حاجة. سمحت لهم يدخلوا. الساعة اتحولت لليلة، وبعدين لويكند، وبعدين لشهر. سعاد مرجعتش. في الأول، كنت باتصل عليها على طول. تليفونها بيروح على البريد الصوتي. كلمت أصحابها وكل اللي أعرفهم وحتى المستشفيات، ولا حاجة. عملت بلاغ إنها مفقودة، بس لأنها كبيرة وعندها تاريخ سلوك غريب، القضية اتقفلت بسرعة. دار رعاية الأطفال حاولت تتدخل، بس مفيش أب ظاهر في الصورة، وأهلي مـ,ـاتوا، وأنا كنت الأقرب المستقر اللي مستعدة آخدهم كلهم.

حكايات رومانى مكرم الوصاية المؤقتة بقت حضانة طويلة، وبعد كده المحكمة وثقت إن الأطفال معايا. أنا ربيتهم. ما كنتش متجوزة. ما كانش عندي عيال قبل كده. كان عندي شغل صغير بالحسابات، بيت صغير غرفتين، ومدخرات تكفي. فجأة، عندي 4 عيال مصابين صدمة، وميعادهم في العلاج والمدارس، ومواعيد الأطفال، ووظايف تانية عشان كل حاجة تمشي. فاتتني ترقيات. خسرت علاقات. بعت عربيتي واتعلمت أمد كل جنيه لغاية ما بعيت. بس العيال اتعودوا على البيت. بقوا يناموا طول الليل، يضحكوا، وكبروا.

وبعد 10 سنين، رجعت سعاد. مش بندم، مش بورد، ومفيش دموع. جات ومعاها محامي. كنت واقفة في محكمة الأسرة، ومحاميها قال للقاضي: “حضرة القاضي، عيال موكلتي اتبعدوا عنها بطريقة غير قانونية لمدة عشر سنين.” #الكاتب_رومانى_مكرم تجمدت. سعاد بصتلي، مرتبة تمام، وقالت: “انتي س_رقتي عيالي يا منى.” بصتلها مش مصدقة، فتحت شنطتي، وطلعت فلاش ميموري، وقلت: “لأ. بس أنا محتفظة بحاجة واحدة هي نسيتها…” الحقيقة إن القاعة كلها سكتت لما الفلاشة دي ظهرت. سعاد وشها جاب ألوان، وبدأت تفرك في إيديها بتوتر، ومحاميها همس لها بحاجة وهي هزت راسها برفض عن-يف.

القاضي بص للفلاشة وقال بصوت حازم: “إيه اللي على الفلاشة دي يا أستاذة منى؟ وهل له علاقة مباشرة بادعاء الخ_طف؟” وقفت وطرف الطرحة بيترعش من كتر القهر، وقلت: “دي مش مجرد فلاشة يا سيادة القاضي.. ده تسجيل لكاميرا المراقبة اللي كانت فوق باب بيتي من عشر سنين، اليوم اللي سعاد رمت فيه ولادها. التسجيل ده أنا ما وريتهوش لحد، ولا حتى للبوليس وقتها، لاني كنت فاكرة إنها ساعة وهترجع.. ولما غابت، خفت لو شافوه ياخدوا العيال لدار رعاية ويفرقوهم عن بعض.”

المحامي بتاعها قام بسرعة: “اعتراض يا فندم! ده تسجيل قديم وممكن يكون متفبرك، وموكلتي كانت في حالة نفسية صعبة..” قاطعته وأنا بفتح اللابتوب وواصلاه بالشاشة الكبيرة في القاعة: “الحالة النفسية الصعبة ما بتخليش الأم تضحك وهي بتركب العربية وتسيب عيل عنده 3 سنين بيصرخ وراها.. شوف يا سيادة القاضي.” الشاشة نورت.. ظهرت سعاد في الفيديو، كانت بتزق محمود الصغير برجلها بعيد عن العربية، وركبت وهي بتو-لع سيجارة ببرود مر_عب. وفي لقطة تانية، ظهرت وهي بتمضي على ورقة وبترميها من شباك العربية لمنال جارتي اللي كانت واقفة مصدومة.

الورقة دي كانت “تنازل” بخط إيدها مقابل مبلغ مالي كانت استلفته مني قبلها بيوم، وكاتبة فيه نصًا: “خدي العيال شبعي بيهم، أنا ماشية أشوف حياتي.” سعاد صرخت في القاعة: “كدب! دي كانت لحظة جنون، وأنتي استغليتي ضعفي وفورتي الورقة دي!” بصيت لها بكسرة وقلت لها: “الورقة ممكن تتزور يا سعاد.. لكن اللي جاي في الفيديو ده مش ممكن يتمثل.” الفيديو كمل.. وظهرت عربية سوداء وقفت ورا عربية سعاد، نزل منها راجل، سعاد حضــ,,ـنته وضحكت، وركبت معاه وسابت عربيتها في نص الشارع. الراجل ده القاعة كلها عرفته أول ما وشه ظهر.. كان “عصام”، المحامي اللي واقف يدافع عنها دلوقتي!

القاضي رفع حاجبه وبص للمحامي بنظرة تخـ,ـوف، والمحامي عرق وبدأ يلم ورقه وتلعثم: “أنا.. أنا كنت مجرد وسيط.. مكنتش أعرف إن..” سعاد قعدت على الكرسي وهي بتنهج، والعيال -اللي بقوا شباب دلوقتي- كانوا قاعدين في الصف الأخير. هنا (19 سنة) قامت وقفت، عيونها كانت مليانة دموع بس صوتها كان زي الرصاص. قالت: “سيادة القاضي، أنا مش محتاجة فيديوهات. أنا فاكرة اليوم ده كويس. فاكرة ريحة السجاير وهي بتزقني، وــ,,ـفاكرة إن طنط منى هي اللي داوت جروحنا. لو الأمومة هي اللي خلفونا، فإحنا بنتبرأ منها.. لكن لو الأمومة هي اللي ربت، فمنى هي أمنا الوحيدة.”

سعاد وقفت وبدأت تصرخ في “هنا”: “أنا عملت كل ده عشانكم! عشان أجيب فلوس أربيكم بيها! المحامي ده كان هو اللي هيساعدني!” في اللحظة دي، دخل عسكري القاعة وسلم القاضي ظرف استعجال. القاضي فتحه، ملامحه اتغيرت تمامًا، وبص لسعاد وقال: “يبدو إن الليلة لسه مخلصتش يا مدام سعاد. التحريات اللي طلبتها النيابة عن (عصام بيه) وعن نشاطك في العشر سنين اللي فاتوا وصلت..” سعاد وشها بقى أبيض زي الورقة، وبصت للمحامي اللي كان بيحاول يهـ,ـرب من الباب الجانبي للقاعة.

القاضي خبط بالشاكوش خبطة هزت القاعة، وصوته كان زي الرعد: “ممنوع الخروج من القاعة! الحرس يقفل الأبواب فورًا!” المحامي عصام اتجمد مكانه وهو بيحاول يهرب، وسعاد بدأت تترعش لدرجة إنها مسكت في طرف التربيزة عشان ما تقعش. القاضي بص في الورق اللي في الظرف، ورفع نظارته وهو بيبص لسعاد بنظرة كلها احتقار. “مدام سعاد.. التحريات بتقول إنك في العشر سنين اللي فاتوا ما كنتيش ‘مفقودة’ ولا كنتِ بتجمعي ثروة عشان ولادك زي ما ادّعيتي. السجلات بتثبت إنك كنتِ شريكة في مكتب محاماة ‘وهمي’ مع الأستاذ عصام، والنشاط الأساسي للمكتب ده كان قضايا تعويضات مزورة ونصب على شركات تأمين دولية!”

القاعة كلها بدأت تهمس بصوت عالي، ومحمود -اللي بقى شاب عنده 13 سنة- وقف وهو مش فاهم حاجة وبصلي وقال بصوت مخنوق: “يعني هي ما كانتش بتدور علينا يا طنط منى؟ هي كانت بتنصب؟” سعاد صرخت: “كدب! دي مؤامرة عشان ياخدوا مني فلوسي! منى هي اللي دفعت للبوليس عشان يلفق لي التهمة دي!” في اللحظة دي، قمت وقفت وبكل هدوء طلعت “المفاجأة التانية” من الشنطة. كانت ورقة قديمة ومكرمشة، وعليها ختم مستشفى حكومي في محافظة تانية خالص.

قلت بصوت واثق: “سيادة القاضي، دي شهادة طبية من 8 سنين باسم ‘سعاد داوسون’. سعاد عملت حادــ,,ـثة بالعربية اللي سـ,ـرقت تمنها مني، ودخلت المستشفى فاقدة الذاكرة لمدة أسبوع.. بس لما فاقت، المستشفى سجلت إنها رفضت تتصل بأي حد من أهلها، وكتبت في خـ,ـانة ‘الأقارب’: (ليس لدي عائلة).” سعاد برقت عينيها وقالت: “أنتي جبتي الورقة دي منين؟”

رديت بوجع: “جبتها من تعبي يا سعاد. أنا فضلت أدور عليكي سنين، مش عشان أرجعك، عشان أطمن إنك مش ميتة والعيال يفضلوا عايشين في كذبة إن أمهم كانت ضحية. أنا روحت المستشفى دي وسألت، وعرفت إنك كنتِ عايشة مع عصام ده في “فيلا” في الساحل، في الوقت اللي أنا كنت فيه ببيع دهبي عشان أجيب لمحمود دوا الحساسية!” القاضي بص لعصام وقال: “أستاذ عصام، بصفتك محامي وبصفتك ‘شريك’ للمدعية.. هل عندك رد على تهمة انتــ,,ـحال الصفة وتقديم بلاغات كاذبة بخطف أطفال أنتم اللي سبتوهم بمحض إرادتكم؟”

عصام، لما لقى المركب بتغرق، قرر يرمي سعاد في البحر. بص للقاضي وقال: “يا فندم أنا ماليش دعوة! هي اللي قالت لي إن أختها خطفت العيال عشان تورث فيهم! هي اللي ورطتني معاها في قضايا التأمين، وأنا كنت مجرد محامي بينفذ طلبات موكلته!” سعاد هجمت عليه في القاعة وهي بتصوت: “يا واطي! ده أنت اللي خططت لكل حاجة! أنت اللي قلت لي نرجع ناخد العيال عشان نضغط على منى ونورث في نصيبها من أرض أبوها اللي ظهرت لها قيمتها دلوقتي!”

هنا، الصمت ساد القاعة تمامًا.. السر الحقيقي طلع. بصيت لسعاد وضحكت بمرارة: “أيوة.. أخيراً نطقتي. الأرض. الأرض اللي في البلد اللي مكنتش تسوى مليم، ودلوقتي الحكومة هتعمل فيها مشروع قومي وبقت تسوى ملايين. أنتي مرجعتيش عشان العيال يا سعاد.. أنتي رجعتي عشان ‘السبوبة’.” القاضي بص للعيال الأربعة اللي كانوا واقفين زي الصقور ورايا، وسألهم: “يا ولاد.. أنتم دلوقتي كبار، والقرار ليكم قبل ما أنطق بالحكم. عايزين مين؟” هنا مسكت إيد محمود، وليلى وسارة التوأم وقفوا جنبي، وقالوا في صوت واحد: “إحنا مع أمنا.. منى.”

القاضي خبط بالشاكوش: “حجز الدعوى للحكم في نهاية الجلسة، مع التحفظ على المدعية سعاد داوسون والمحامي عصام على ذمة التحقيقات في تهم النصب والبلاغ الكاذب!” سعاد وهي بتتسحب من العساكر بصتلي بآخر نظرة غل وقالت: “مش هسيبك يا منى.. الأرض دي بتاعتي، والعيال دول من د_مي!” ضحكت وأنا بمسح دموعي وبحضــ,,ـن العيال وقلت لها: “الدم اللي بيخـ,ـون مبيبقاش دـ,ـم يا سعاد.. بيبقى مية.” تفتكروا سعاد هتعرف تخرج من القـ,ـضية دي؟ وهل في سر تاني مخـ,ـبياه بخصوص “الأرض” ممكن يقلب الموازين في

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0