## الجزء الخامس
البيت كله اتقلب في ثانية. جوزي مسك تليفونه وبدأ يقرأ رسايل أخوه وإيده بتترعش، مش خوفًا من تهديدها بالانتحار -لأنه عارف إنها بتحب نفسها زيادة عن اللزوم- لكن خوفًا من إن “الدراما” دي تقلب العيلة كلها ضدنا تاني بدافع الشفقة.
حمايا قام وقف، وبص لجوزي وقال بمرارة:
“أنا لازم أنزل أشوفها.. مهما عملت، دي أم ولادي، والناس مش هترحمنا لو جرالها حاجة بسبب الفيديو ده.”
جوزي بصلي بصة تايهة، كأنه بيستنجد بيا أقوله يعمل إيه. قمت وقفت ومسكت إيد بنتي الكبيرة وقلت بجمود:
“إحنا مش هنمسح الفيديو، ومش هنروح هناك.. اللي غلط يصلح غلطه الأول. لو تعبانة بجد، المستشفى موجودة، لكن لو بتلوي دراعنا بالتمثيل، فإحنا خلاص دراعنا مبقاش بيوجعنا.”
حمايا نزل بسرعة، وجوزي فضل رايح جاي في الصالة. فجأة، بنتي الكبيرة قالت جملة خلتنا كلنا نبرق:
**”تيتة مش تعبانة يا بابا.. تيتة في المطبخ دلوقتي بتعمل مكالمة، أنا سامعة صوتها.”**
بصينا للموبايل اللي كان لسه شغال “بث مباشر” من الكاميرا اللي في بيت حمايا.. وفعلاً، حماتي كانت واقفة في المطبخ، مفيهاش خدش، وماسكة التليفون وبتقول بصوت واطي وواضح للكاميرا:
“أيوه يا حاج فوزي.. إنت تبعتلي اتنين من رجالتك يكسروا الكاميرا دي فورًا، وتقول للناس إن ابني ضربني عشان يمسح التسجيل.. أنا لازم أكسر عينه قدام الكل، والبت دي لازم تتربى.”
جوزي وقف مكانه، الصدمة شلت لسانه. أمه بتبلغ “كبير العيلة” وبتخطط لبلطجة وتحريض رسمي ضد ابنها! مكنتش مجرد غيرة من نجاح طفلة، دي كانت “حرب تكسير عظام”.
في اللحظة دي، جوزي خد الموبايل من بنته، وعمل حاجة مكنتش أتوقعها.. فتح “المايك” بتاع الكاميرا اللي في شقة أمه، وصوته طلع مجلجل في صالة بيتها هناك وهي واقفة في المطبخ:
**”سامعك يا أمي.. وسامع خطتك مع الحاج فوزي.. ورجالته لو قربوا من باب شقتي، هحبسك وهحبسهم بالقانون وبالفيديو ده.. شيلوا الليلة دي من دماغكم، عشان أنا النهاردة مابقاش ليا أم.”**
حماتي سمعت الصوت، الموبايل وقع من إيدها وصوت صرختها هز المكان.. بس المرة دي كانت صرخة “رعب” مش “تمثيل”.
مرت ساعة من الصمت الرهيب في بيتنا، لحد ما الباب خبط خبطات هادية جداً.. فتحت لقيت بنتها -أخت جوزي- واقفة ومعاها شنطة سفر كبيرة، وعينيها منفوخة من العياط، وقالت جملة واحدة:
“أنا سبت البيت وجيت أعيش معاكم.. اللي شفته من أمي النهاردة يخليني أخاف أنام في بيت هي فيه.”
الصدمة كانت إن أخت جوزي، “دلوعة البيت”، هي اللي شافت الحقيقة المرة وقررت تاخد صفنا.. بس يا ترى حماتي هتسكت بعد ما خسرت بنتها كمان؟ ولا اللي جاي هيكون “انتقام” ملوش حدود؟
## الجزء السادس (قبل الأخير)
دخلت أخت جوزي ورمت شنطتها في الصالة وهي بتترعش، وجوزي قفل الباب وراها وهو مش مصدق إن “عنقود الغضب” وصل لإنه يفرق الإخوة. قعدت على طرف الكنبة وقالت بصوت مخنوق:
“أمي اتجننت يا أحمد.. بعد ما قفلت معاك، بدأت تلم دهبها وهدومها وبتقول إنها هتمشي من البيت وتتبلى على بابا إنه طردها عشان يفضالكم البيت.. هي ناوية تروح تقعد قدام الجامع وتلم الناس علينا وتعمل فضيحة بجلاجل.”
بنتي الكبيرة بصت لنا وقالت ببرود غريب:
**”هي مش هتعمل كدة.. هي بس بتستنى ‘الجمهور’ يكمل عشان تبدأ المسرحية.. تيتة عندها سلاح أقوى من الذهب، عندها أسرار العيلة كلها اللي مخبياها في الصندوق الخشب اللي تحت سريرها.”**
جوزي بصلها باستغراب وقالها: “إنتي عرفتي موضوع الصندوق ده منين يا بنتي؟”
ردت بذكاء: **”الطفل اللي بيترفض يا بابا، عينه بتبقى في كل حتة.. أنا شفتها أكتر من مرة بتفتحه وتعيط، أو تضحك بكسرة.. الصندوق ده فيه وجعها اللي مخليه قلبها حجر علينا.”**
وفعلاً، مكملناش كلامنا وسمعنا صوت دوشة وصريخ جاي من الشارع تحت بلكونتنا.. بصينا لقينا حماتي واقفة في نص الشارع، ولادة وعجايز الحتة ملمومين حواليها، وهي بتصوت وتلطم وتقول:
“يا ناس يا هوه.. ابني طردني في نص ليل عشان خاطر مراته وبناته! شقى عمري رماه في الشارع! يا شماتة الناس فيا يا صبري!”
الناس بدأت تبص لبلكونتنا بنظرات اتهام، وبدأ الكلام يكتر.. “يا عيب الشوم”، “حد يعمل في أمه كدة؟”. حمايا كان واقف جنبها بيحاول يشدها وهي بتزقه وتصرخ أكتر.
جوزي كان هينزل يزعق، بس أنا مسكت إيده وقلتله: “المرة دي المواجهة مش بالصوت.. المواجهة بالحقيقة اللي هي خايفة منها.”
خدت بنتي الكبيرة ودخلنا الأوضة، وطلبت منها تطلع “التسجيل القديم” اللي كانت مسجلاه من شهرين لما كانت حماتي فاكرة إن محدش سامعها وهي بتتكلم في التليفون مع حد مجهول عن “ميراث قديم” كانت واكلاه على إخواتها، وعن حقيقة إنها هي اللي خربت بيت بنتها اللي لسه واصلة عندنا دلوقتي.
فتحت شباك البلكونة، ومسكت “مكبر صوت” صغير كان جوزي بيستخدمه في شغله، وقلت بأعلى صوت:
“يا أهل الحتة.. يا اللي عارفين الأصول.. الحق مش بالصوت العالي.. الحق باللي في الصندوق الخشب اللي الست سعاد شايلاه.. اسألوا الحاجة سعاد، مين اللي خرب بيت بنتها؟ ومين اللي أكل ورث إخواتها اليتامى؟”
حماتي سكتت فجأة.. الصوت في الشارع انقطع كأن سكين قطعت حبالهم الصوتية. حماتي بصت لفوق، ووشها اتحول من العياط لذهول رعب.. وكأنها شافت شبح ماضيها واقف قدامها.
في اللحظة دي، حمايا طلع مفتاح من جيبه، وبص لها وقال قدام الكل:
“الصندوق ده هيتفتح النهاردة يا سعاد.. وقدام الكل.. عشان نعرف مين الظالم ومين المظلوم.”
حماتي وقعت على ركبها في نص الشارع، بس المرة دي مكنش تمثيل.. كانت حاسة إن “مملكة الخوف” اللي بنتها سنين بتهد فوق دماغها. لكن فجأة، عربية سودة وقفت قدام البيت، ونزل منها شخص محدش كان يتوقعه أبدًا.. شخص كان غايب عن العيلة من ٢٠ سنة!
## الجزء السابع والأخير
نزلت من العربية السودة شخصية ملامحها قاسية، ملامح بتفكرنا بالماضي اللي حماتي حاولت تدفنه بكل قوتها.. كان “خال جوزي” اللي اختفى وساب البلد من عشرين سنة بعد خناقة كبيرة الكل كان فاكر إن سببها فلوس، لكن الحقيقة كانت أعمق بكتير.
حماتي أول ما شافته، صرخت صرخة مكتومة وكأنها شافت عزرائيل، وفقدت النطق تماماً. الخال بص لحمايا وقال بصوت غليظ ملاه الوجع:
“افتح الصندوق يا أبو أحمد.. افتحه عشان الناس تعرف إن اللي مرمية في الشارع وبتدعي المظلومية دي، هي اللي فرقتنا وضيعت عمري في الغربة بتهمة باطلة عشان تداري على غلطتها هي.”
حمايا فتح الصندوق الخشب قدام الجيران اللي كانوا واقفين مذهولين.. الصندوق مكنش فيه ذهب، كان فيه “جوابات قديمة” و “عقود بيع” مزورة بإمضاءات إخواتها، وصورة لست تانية تشبه حماتي جداً لكن ملامحها كانت أرق.
حمايا طلع جواب بخط إيد حماتي وقديم جداً، وقرأه بصوت عالي خلى الشارع كله يوطي راسه من الخزي: حماتي هي اللي زورت ورق ميراث إخواتها، وهي اللي تسببت في طلاق بنتها عشان جوز بنتها كان “شاهد” على تزويرها ومكنتش عايزة سره يطلع بره.
بنتي الكبيرة نزلت من الشقة ووقفت قدام ستها اللي كانت لسه واقعة على الأرض، وبصتلها بوجع وقالت:
**”تيتة.. إنتي مش بتكرهي ورقة المسابقة بتاعت أختي عشان هي ناجحة.. إنتي بتكرهي ‘الورق’ عموماً، لأنه هو اللي كشف كدبك في الآخر.. الورقة اللي قطعتيها لأختي كانت هي اللي قطعت القناع اللي إنتي لابساه طول عمرك.”**
حماتي بصت حواليها، لقت ابنها (جوزي) باصص لها بقرف، وبنتها اللي لسه واصلة بتبكي بحرقة، وجوزها (حمايا) رمالها الجوابات في حضنها وقالها جملة واحدة:
“البيت ده مبقاش بيتك.. ارجعي لبيت أهلك اللي خربتيه، عيشي فيه لوحدك مع ورقك المزور وغلّك.”
الناس فضت من الشارع، والست اللي كانت عاملة “فضيحة” بقت هي الفضيحة نفسها. جوزي خد بنته الصغيرة في حضنه، وطلعنا شقتنا وقفلنا بابنا علينا.. باب اتقفل على عيلة صغيرة قررت إنها تعيش بالصدق مهما كان التمن.
تاني يوم الصبح، بنتي الصغيرة لقت “الشهادة الملزقة” متعلقة في برواز مذهب كبير في صدر الصالة، وجنبها ورقة تانية مكتوب فيها بخط جوزي:
**”إلى ابنتي الشجاعة.. النجاح مش بس في الإملاء، النجاح إننا نفضل نضاف من جوه مهما كان اللي حوالينا بيحاولوا يكسرونا.. إنتي بنتي، وإنتي فخرنا.”**
بنتي بصت للبرواز بابتسامة، وحضنت أختها الكبيرة، وعرفنا يومها إن الحق مش محتاج صوت عالي.. محتاج بس قلب صامد وعين بتشوف الحقيقة حتى وهي مستخبية في “صندوق خشب”.
**تمت.**